طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

المشروع لا تتجاوز تكاليف تنفيذه تسعمائة ألف دولار ولا يحتاج لأكثـر من 6 أشهر… الحل الأمثل والجذري للإختناقات المرورية في تقاطع شارع الإستقلال مع كورنيش الرئيس رشيد كرامي

المهندس د.خير الدين غلاييني

عام 1929 وللخروج من الكساد الكبير الذي عمّ الولايات المتحدة الأميركية، جعلت الحكومة الأمريكية في أول إهتماماتها تطوير قطاع الطرق والمواصلات حيث بَنَت 200000 كلم من الطرق. وكذلك فعلت وما زالت تركيا لتصل بإقتصادها إلى المركز 16 عالمياً.

في عام 1999 طلب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، صاحب الرؤية في وضع لبنان على طريق التنمية المستدامة والحداثة، من اليابان صاحبة المعرفة والخبرة بمُقومات النجاح في الشَّأن الإقتصادي، وما يتبع ذلك من أثر إيجابي على كل الصُعد الإجتماعية والسياسية، أن تقوم بالمُساعدة وعبر «الوكالة اليابانية للتعاون الدولي » (JICA)، وبالتالي المكاتب الهندسية اليابانية العريقة، في وضع مخطط توجيهي عام للنقل والمرور في طرابلس الكبرى (طرابلس – الميناء – مجدليا – رأس مسقا)، حيث حضر إلى طرابلس فريق من مهندسي الوكالة (معظمهم من الأشقاء المصريين العاملين في مكتب (&   KATAHIRA (ENGINEERS INTERNATIONAL، وقام بالمسح الميداني والدراسة المُعمقة لواقع المدينة ومحيطها على إمتداد عدة أشهر، وكان ذلك بالتعاون والمشاركة الفعّالة لبلدية طرابلس في حينه، مُمثلة برئيس لجنة السير و أستاذ النقل والمُرور في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية المهندس الدكتور غسان شميسة، ورئيس لجنة الهندسة المهندس عبد الرحمن الثمين، ورئيس البلدية العميد سمير شعراني (رحمه الله).

صدر تقرير الوكالة في تشرين الأول 2001 وعُرضت نتائج الدراسة والمقترحات اليابانية، والمُتعلقة بالمخطط التوجيهي العام للنقل والمرور في طرابلس الكبرى في لقاء جامع في فندق «كواليتي إن»، عُقد  برعاية و حُضور  الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان وزيرا للاشغال في حينه، للتَّأكيد على أهمية العمل بالمُخطط وبالمُقترحات و وَضع طرابلس على أول الطريق ودفعها وبقوة إلى الأمام. ومُنذ تاريخه وحتى اليوم وبعد مُضي حوالي 20 سنة لم تُنفذ مُفردة واحدة من تلك الرؤية والمُخطط التوجيهي.

 الإختناقات المرورية على «الشرايين» الرئيسية في طرابلس

تنقسم الطرقات في المدينة إلى رئيسية وفرعية كما الشرايين. والمعروف أنه وعلى الشرايين المرورية الرئيسية يجب أن لا تقل السرعة الوسطية للعبور عن 40 كلم بالساعة، كما أنها ولأسباب تتعلَّق بالأمان لا يجب أن تزيد عن 60 كلم بالساعة. إلا أنها في طرابلس عام 2000 لم تكن لتصل الى 10 كلم بالساعة في أوقات الذُروة.

 والوضع اليوم أسوأ بكثير وتصل السرعة في ساعات الذروة الى 6 كلم بالساعة في كثير من الشرايين.

وأشارت (JICA) إلى أن أحد أهم أسباب تدني السرعة الوسطية هو وجود الإختناقات المُرورية على تقاطعات الشرايين الرئيسية.

 و الحل الأمثل والجذري للمُشكلة يكون بإستحداث أنفاق وجُسور مُحلقة لإزالة الإشتباكات المُرورية على الشرايين الرئيسية، وبالتالي الوُصول بالمرور إلى السرعة الوسطية المقبولة والدخول إلى أعماق البلد والخروج منها بإنسيابية و بوقت أقل.

 الإختناق المروري على تقاطع كورنيش النهر مع الشارع المُمتد من التبانة إلى الزاهرية

 وبعد نجاح «الوكالة اليابانية للتعاون الدولي» (JICA) وبمُشاركة فعالة من بلدية طرابلس في إعداد المُخطط التوجيهي العام للنَّقل والمُرور في طرابلس الكُبرى، وجد العميد سمير شعراني (رئيس البلدية في حينه) أن يبدأ من مكان ما، فكان أن كلفني في العام 2002 بدراسة التَّقاطع بين كورنيش  الرئيس رشيد كرامي المُمتد على طول نهر أبي علي مع شارع الإستقلال المُمتد من التبانة إلى عُمق الزاهرية وذلك بهدف إيجاد حلّ للإختناق المُروري والإرتقاء بمُعدل السٍرعة و العُبور إلى المستوى المقبول عالمياً و أملاً بأن يؤدي ذلك إلى المُساهمة في تشجيع عودة الإستثمارات إلى المنطقة وعودة سكان المدينة والمحيط من زغرتا والضنية وعكَّار إلى عرض مُنتجاتهم في أسواق التبانة – الزاهرية والى التَّبضع منها.

 لماذا البداية من تقاطع التبانة – الزاهرية مع كورنيش النهر؟

إن باب التبانة في العقل الباطن للمُخضرمين من أهل المدينة، والعميد شعراني منهم، يُمثل المركز التجاري والصناعي لطرابلس ومحيطها القريب والأبعد و حتّى عمق بلاد الشام في حمص، حماه و حلب.

ولم يكن لباب التبانة أن يزدهر لولا وُجوده على عُقدة المُواصلات في حينه وإهتمام السلطة باكرا، في زمن الدولة العثمانية، بتنظيم وصيانة وتطوير هذه المُواصلات، من حيث المركبات والبنية التحتية من طرق وجسور.

ففي ذلك الزمن وفي عام 1880، أُنشىء خط الترامواي والذي يربط التبانة بالمرفأ عبر الزاهرية وساحة التًّل.

ومن الشارع المعروف اليوم بشارع سوريا، إنطلقت مركبات الديليجانس نحو العُمق السوري، وقد كانت تُدار خطوط السير والمركبات من قبل شركة عثمانية (أحد مساهميها السلطان عبد الحميد الثاني شخصياً  كما ورد في مقال جديد للأستاذ الدكتور خالد تدمري)، وفي ذلك دلالة على الأهمية الإقتصادية للمنطقة.

بناءً لذلك وجد العميد سمير شعراني أن يبدأ من تقاطع محور التبانة الزاهرية مع كورنيش النهر.

 و في الصورة المأخوذة من الجو يظهر الإختناق المروري في ساعات الذروة على تقاطع كورنيش النهر مع الشارع المُمتد من التبانة إلى الزاهرية (الصورة الاولى).

و في الرسم يظهر موقع المشروع على تقاطع الشرايين الرئيسية: شارع الإستقلال مع كورنيش النهر (الصورة الثانية).

(أستاذ الإنشاءات في كلية الهندسة الفرع الأول – الجامعة اللبنانية)

وصف المشروع المُقترح، كلفتُه و أُفقه

الحلّ المُقترح يسمح بإزالة التًّشابك المُروري تماماً وذلك نتيجة حفر وبناء نفقين متوازيين مع مجرى نهر أبي علي، من الجهتين الشرقية و  الغربية، تمران أسفل شارع الإستقلال المُمتد من شارع سوريا في التبانة حتى منطقة الزاهرية ليصال بعدها الى عُمق المدينة حيث يتشعبان إلى طرق مُتفرعة.

ويتضمن المشروع أيضا إستحداث مساحات خضراء وأرصفة وما يتبع، لُزوم حركة المُشاة والصقل والإرتقاء بمستوى البنية التحتية في المنطقة (على الصفحة المقابلة بعض  الخرائط والصور الخاصة بالمشروع).

وبالتالي فإن القادم من زغرتا والضنية بإتجاه التبانة – الزاهرية و من ثمَّ مرفأ طرابلس سيتمكن من العُبور، داخل النَّفق الشرقي، دون توقف أو تخفيض لسرعته عند مروره بمدخل التبانة.

وكذلك الأمر بالنسبة للمُتجه من عكًّار و من بساتين طرابلس إلى عُمق المدينة القديمة في منطقة باب الحديد، أو إلى الضنية وزغرتا، سيتمكن أيضا من العُبور، داخل النفق، غربي مجرى النَّهر بإنسيابية وسُرعة و دون توقف.

المشروع لا تتجاوز تكاليف تنفيذه التسعمائة ألف دولار أميركي ولا يحتاج لأكثر من 6 أشهر لإنجازه بأفضل المواصفات.

 و في تلك الفترة من تاريخ البلد (2003) بدأ لبنان و طرابلس بالدخول في سلسلة من الأزمات السياسية و الأمنية و التًّغيير في السلطتين المركزية و المحلية، وتراجع الإهتمام بالإنماء و التًّطوير و البناء، حتًّى أنه لم يعد يُرى.

في الأشهر الأخيرة و مع الإنتخابات النيابية الجديدة، أُتيحت لي الفُرصة لمراجعة وصقل المشروع و إعداد رسوم مُلونة ثُلاثية الأبعاد له بهدف التذكير به و إدراجه في الخُطة الإنمائية الإقتصادية لمدينة طرابلس.

واليوم وبعد إكتشاف جسر الترامواي المدفون في الردميات في المنطقة، أرى أن المشروع أصبح أكثر إلحاحاً وأهمية وبالإمكان وببعض التعديلات البسيطة إعطائه بُعداً ثقافياً وتراثياً كأن تُستكمل إزالة كامل الرَّدميات عن جسر التراموي الذي يمر في المنطقة وتنظيفه تماما، ومن ثم إحاطته من ثلاث جهات وعلى مسافة كافية بغشاء خرساني أو ما يلزم من إنشاءات حماية، وتجهيزات إنارة، ولوحات ارشادية تسمح للعابر في النفق برؤية ما تبقى من الجسر وأساساته ومُتابعة سيره والخروج من النفق بإحساس جميل …، بأنه من مدينة أو في بلد له من التاريخ والتجارب الحضارية ما له، و كيف أن الحضارة الحيَّة صيانة و تراكم.

Loading...