طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التخلص من النفايات المنزلية الصلبة مشكلة عالمية حديثة وليست حكراً على لبنان ولكنْ لها حل

محرقة النفايات في مدينة هيروشيما اليابانية تحفة معمارية

أ- لمحة تاريخية

– بُعيد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) انفجرت ظاهرة المجتمعات الاستهلاكية وما رافقها من تحديث لطرق التصنيع وتكثيف الانتاج.

– وكان طبيعياً ان يرافق هذه الظاهرة زيادة في قطّاع النفايات بمختلف أشكالها المنزلية والصناعية والزراعية.

– ونحن هنا سنحصر إهتمامنا بقطاع النفايات المنزلية البلدية الصلبة حتى لا نغرق بالتفصيل.

– ولكي نأخذ فكرة عن حجم تعقيدات المشكلة نتذكر ان الإنسان منذ أوائل القرن المنصرم وحتى اليوم قام بتركيب 10 ملايين مادة كيميائية ولم يسوّق منها سوى 100.000 مادة (أي 1/100) ومن هذه المواد المسوّقة لم ينجز اختبار سُمِّيَّتُها وأثرها البيئي إلاّ بنسبة 2 بالمئة أي فقط 2000 مادة .

(المصدر:

National Research Council (NER))-

.Toxicity Testing

 لكن رغم هذا النقص في المعلومات فإن المشكلة البيئية لم تنفجر إلاّ بعد الحرب العالمية الثانية وانتشار المجتمعات الاستهلاكية الجشعة.

ب – ثلاث كوارث بيئية

لقد دق ناقوس الخطر ثلاث كوارث بيئية هي على التوالي:

ب – 1 – كارثة مرض ميناماتا «جنون الهررة» (Maladie de Minamata 1959-1966)

وملخصه تسرب أوكسيد الزئبق من معمل لصناعة أوكسيد الزئبق (Hgo) على خليج ميناماتا في اليابان.

كان ذلك ابتداء من 1959 أثر توسع في انتاج المصنع وكان من نتيجته ظهور اضطرابات عصبية على الهررة التي تتغذى من أسماك «خليج ميناماتا» وكذلك ظهرت أمراض جلدية متمركزة على سكان «ميناماتا».

لقد لاحظ هذه الظاهرة وازديادها مع الزمن د. H.Hosokama فقام بتجاربه المخبرية التي أدت سنة 1966 إلى تحديد مسؤولية المصنع وإجباره على ايقاف أي تسرب من الزئبق إلى الخليج وتغريمه ملايين الدولارات كتعويض عما تسببت به نفاياته من أضرار.

وكانت نتائج هذه التجارب فاتحة لاكتشاف الأثر السُّمي لمختلف المعادن الثقيلة

-Crome-Arsenie-Cadmisum

(Plomb-Mercure)

ولم تبدأ التشريعات الدولية التي تنظم التعامل مع هذه المعادن بالصدور إلاّ ابتداء من 1976 (عفواً: بروتوكول برشلونة لحماية البحر المتوسط اعتمد في لبنان بقانون 292/94 تاريخ 7/4/1994).

ب-2- كارثة معمل  Seveso سنة 1976 في إيطاليا:

– وملخصها أن معملاً كيميائياً في بلدة «سيفيسو» (Seveso) الشمالية كان يصنع مادة

Chlorure de phenol المستعملة في صنع بعض أنواع البلاستيك.

– وقد حدث فيه بتاريخ 10/7/76 عطل فني تسرب بسببه 6 طن من مزيج من الغازات مجهولة التركيب آنذاك تبين فيما بعد أنها كانت تحوي فقط بين 20.0 – 5 كلغ من مزيج من الديوكسينات

(Poly-Chlore-Dibenzo-Dioxine)

الشديدة السُّمِّية مما أدى إلى أمراض جلدية، ونفق بسببها مئات من الحيوانات وإصفرار في أوراق الأشجار وتساقطها.

– أقفل المصنع واستنفرت المختبرات الكيميائية الأوروبية لبحث أسباب الكارثة.

– وبسبب استفحال هذه الكارثة على الإنسان والحيوان والأرض وما تلاها من أبحاث علمية كان اليوم ما نراه من تشريعات تلامس تلوث الهواء بالديوكسين الناتج عن الحرائق والمحارق وخاصة حرق أصناف خاصة من البلاستيك وعلى الأخص الـ (P.V.C) (Poly-venyle-Chlore) الواسع الانتشار صناعياً مع مشتقاته وأشقائه.

ب- 3- كارثة «البقرة المجنونة» (1986-2000)  Crise de la vache folle

– لقد نتجت هذه الكارثة عن التصرف الرديء في معالجة بعض النفايات البلدية الصلبة الناتجة عن التخلص من العظام البقرية والحيوانات النافقة التي كانت تحول إلى طحين ناشف يضاف إلى علف الأبقار، في انكلترا بخاصة وفرنسا بصورة أقل.

– لقد تنبه البيطريون إلى «جنون البقر» سنة 1986 ولكن لم تتحرك الإدارات الرسمية والمختبرات بصورة جدية إلاّ بعد انتقال هذا المرض الخطير إلى الإنسان.

وقد عُرف هذه المرض بـ «EPS»  Spongieuse Bovrie) (Encephalopathie.

هذه الكارثة أحدثت زلزالاً اقتصادياً عالمياً إلى جانب الهلع من الإصابة بمرض «EPS» وقد تمكنت المختبرات والقوانين الصارمة من حصر المرض بمختلف أعراضه الجرثومية سنة 0002، إلاّ أن أثاره المرضية بقيت عقداً إضافياً من الزمان وكذا الأمر بالنسبة لآثاره الاقتصادية.

ب-4- الأضرار

ويمكن ايجاز هذه الأضرار كالتالي:

– الضحايا البشرية توقفت عند 223 ضحية بشرية في العالم بكامله منها 177 في انكلترا و27 في فرنسا.

– أما الأضرار الاقتصادية فكانت ضخمة جداً على الاقتصاد الانكليزي والأميركي ثم الفرنسي، هذا على الرغم من تحول كثير من المستهلكين إلى لحم الطيور (دجاج وخلافه) مما حد من الأضرار الاقتصادية بازدياد استهلاك هذه الأخيرة.

وقد استمر هذا الضرر حتى سنة 2000 ثم بدأ بالانحسار بسرعة بعد ثبوت السيطرة عليه.

ج- متى صدرت التشريعات البيئية التي تنظم التعاطي مع الملوثات الكيميائية والبيولوجية

حتى سنة 1975 كانت التشريعات البيئية مقتصرة على التعليمات البلدية أو الشروط الصحية المتعلقة بالمؤسسات المصنفة خطرة أو مزعجة أو مضرة وكانت تهدف لحماية اليد العاملة بالدرجة الأولى وحماية الجوار.

واليوم أصبحت هذه التشريعات دولية ثم عالمية، وترمي لحماية البيئة العالمية من الغازات الحبيسة Gaz a Effet de serre أو تردي نوعية مياه البحار والأنهار الدولية وخاصة البحار المغلقة أو نصف مغلقة كالبحر المتوسط.

محرقة النفايات الأولى في ألمانيا بنيت في عام 1893 في هامبورغ

أمثلة

ونضرب الأمثلة التالية عن فرنسا.

1- في سنة 1975 صدر أول قانون يتعلق بفرز المعادن في مصدرها.

2- في سنة 1992 صدر أول قانون يتعلق بالشروط الصحية المطلوبة في المطامر.

3- في سنة 1994 صدر أول قانون يتعلق بمحارق النفايات.

4- في سنة 2009 صدر قانون يحدد النسب المسموح بها من غازات

  SH2, Co, HCE, So2, NOxإلخ… في المحارق

– وفرض تجهيز المحارق بأجهزة قياس أوتوماتيكية للمراقبة الفورية المستمرة.

– أما منظمة الصحة العالمية فلم تعط رأيها بأخطار الديوكسين حتى سنة 2016.

د- وماذا عندنا في لبنان

– يوجد عندنا الهرج والتنابذ وتبادل الاتهامات والتقصير بين المسؤول الحكومي أو البلدي من جهة والجمعيات الأهلية المدنية من جهة مقابلة.

– إن إشكالية التخلص من النفايات المنزلية الصلبة قد مضى عليها في لبنان الآن أكثر من خمس وعشرين سنة وعلى الأخص ابتداء من سنة 1992 عندما استلم هذا الملف «مجلس الإنماء والإعمار». منذ ذلك التاريخ حتى اليوم ونحن ننتقل من فشل إلى فشل إلى كارثة بيئية أساءت أيما إساءة إلى سمعة لبنان البيئية.

– نتمنى على الذين يدلون بدلوهم باقتراحات متسرعة – لم تزدنا إلاّ مزيداً من الفوضى وتأخير الوصول إلى الحل السليم – ان يتريثوا ويسألوا أهل العلم وأن لا يطرحوا نظريات وهمية وأن يتوقفوا عن ما ليس لهم به علم فالمشكلة معقدة.

– ونتمنى على المسؤولين ان لا ينسوا أنهم المسؤولون الحقيقيون عن الفشل.

– وان تهمة التقصير تلاحقهم،

– فليرجعوا إلى ربهم،

– أنه سائلهم ماذا فعلوا،

– وكم مريضاً تسببوا بهلاكه أو ازعاجه؟!

ومع هذا فالحل ممكن

وبالرغم مما ذكرناه آنفاً من حقائق علمية فإنه لا يجب أن يُنسينا واجب كل فرد – لديه إمكانية علمية – بأن يبحث عن الحل المناسب والممكن.

ونحن من جهتنا نطرح ما نرى أنه قد يكون فيه الحل المناسب وهو ما سبق ونشرناه في أعداد سابقة من «التمدن».

Loading...