طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أحمد ممتاز كبارة رئيس بلدية الميناء والكاتب والصحافي… «الريّس أحمد ممتاز»… «الميناوي» الخبير بتفكيك الالغام السياسية والحزبية

نسج أحمد ممتاز كبارة، طوال حياته المديدة، علاقات سياسية وأهلية مع مختلف الشرائح الاجتماعية والسكانية، وخصوصاً في طرابلس والميناء المدينتين اللتين كان يطلق عليهما معاً اسم »البلد« باعتبارهما مدينة واحدة، تضمان عائلة واحدة وإن تعددت مذاهب أفرادها أو إنتماءاتهم الحزبية والسياسية الضيقة، على الرغم من تلك المواقف التي »طبعت« ولا تزال بعض أبناء الميناء بـ «خصومة» الحي الطرابلسي من «البلد»، الذي أكل «الأخضر واليابس» وتعامل مع الحي الميناوي كحديقة خلفية يستفيد منها انتخابياً واستثمارياً دون ان يمنح أبناءها بعض حقوقهم المهدورة!

كان أحمد ممتاز كبارة «الريّس» والكاتب والصحافي من تلك الفئة التي كانت تؤمن بوحدة الوطن، فكيف بـ «البلد» الصغير، بقسميه الساحلي والآخر الداخلي، ووحدة المعاناة التي كانت ولا تزال تجمعهما، وان الاهمال وتردي أوضاعهما المعيشية والاقتصادية والتربوية وعلى كل الصعد هي واحدة على مر السنوات والعهود.

ولذلك كانت صرخته الدائمة، رحمه الله، وقد غادرنا مؤخراً، ان البلد بحاجة لسواعد بنيه للدفاع عنه وحمايته وتأمين ازدهاره وتطوره، هذا ما كان يردده في جريدته المحلية «التحرير» التي أصدرها في العام 1954 والتي وهبها إلى زميلنا فؤاد دعبول، أطال الله بعمره، ومنحها بدوره إلى زميلنا المرحوم منيف رستم الذي أصدرها لسنوات عديدة خلال سنوات الحرب اللبنانية والأحداث المحلية في طرابلس والشمال، وقد جمعتني بهما صداقة متينة ومن خلالهما تعرفت على أحمد ممتاز كبارة، والذي كنا نلتقيه مراراً في «مؤسسة عوني الأحدب» (أبو مصباح) في «الاتيلييه» مع زميلنا كمال حيدر، بعد ان توثقت تلك العلاقة خلال ترؤس كبارة للمجلس البلدي في الميناء اعتباراً من العام 1963 حتى العام 1975 انتخاباً وتعييناً وسط خلافات وعراقيل وألاعيب سياسية شتى.

للحديث عن المرحلة، التي ترأس فيها احمد ممتاز كبارة المجلس البلدي في الميناء، لا بد من العودة  إلى ثنائية (البلدة والحي) فهذه المقاربة شكلت اضطراباً في العلاقات  بين «كيانين» منفصلين جغرافياً ببساتين الليمون والحمضيات والحدائق الغناء الممتدة على مساحات واسعة قبل ان يقضي عليها «التحديث» ويزيلها، فتتحول لحظة الفصل إلى إعادة الوصل، فينتقل العديد من أبناء «البلدة» ليعيش في «الحي»، والعكس صحيح حين انتقل العديد من العائلات الميناوية للسكن في الأحياء الجديدة في البلدة.

ولكن حالة الفصل هذه كانت تخف حيناً وتشتد أحياناً أخرى، تبعاً للمصالح الاقتصادية والسياسية، وهي برزت بشكل لافت منذ نشأة البلدية كمؤسسة في أواخر القرن التاسع عشر.

فإنشاء بلدية طرابلس (البلدة والحي) يعود إلى العام 1877، وكان السكان لا يزيد عددهم في تلك الفترة عن ثلاثين ألف نسمة، ولكن هذا الوضع لم يرق لوجهاء الأسكلة (الميناء) الذين رغبوا بإنشاء بلدية خاصة الميناء – الاسكلة، والانفصال عن البلدة (طرابلس) سيما وان رئاسة المؤسسة المستحدثة كانت حكراً على وجهاء طرابلس، وانتظروا أول فرصة سنحت لهم، من خلال خلاف على الإنارة في الأسكلة للمطالبة بالانفصال «بلدياً» عن طرابلس.

ويقول شقيقي الكاتب المرحوم طلال منجد ان هذا الخلاف لم يكن حيال الإنارة الليلية بل بشأن الإنارة البحرية، وبالفعل سافر الحاج عثمان علم الدين إلى دمشق، مركز الولاية زمن العثمانيين، واستحصل على أمر من الوالي الذي كانت طرابلس تابعة له، بإنشاء بلدية في الأسكلة (الميناء) وتعيين الحاج إبراهيم علم الدين رئيساً لها في العام1890، وقد تناوب على رئاسة هذه البلدية محي الدين كبارة ومحي الدين اليافي وغيرهما من آل علم الدين طوال الفترة العثمانية حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى.

وتعاقب على رئاسة البلدية في ظل الانتداب الفرنسي كل من نورالدين علم الدين، مصطفى غازي (عدة مرات)، عبدالستار علم الدين، خيرالدين عبدالوهاب.

ولكن ابتداءً من العام 1939، ساد ما يُعرف بحكم المديرين على بلديتي طرابلس والميناء معاً حتى العام 1952 حيث جرت أول انتخابات بلدية وتم تشكيل أول مجلس بلدي في الميناء.

انتخابات العام 1963: كرامي يحاول استمالة عوني الأحدب

عندما حاولت الدولة إجراء انتخابات المجالس البلدية في العام 1963 للمرة الأولى بعد اعتلاء اللواء فؤاد شهاب سدة الرئاسة الأولى، في أعقاب ثورة العام 1958، كان المشهد السياسي في الميناء قد طرأت عليه عدة متغيرات، فإلى جانب النفوذ العائلي الذي استمر سائداً منذ نهاية القرن التاسع عشر وسيطر على المجالس البلدية المتعاقبة من خلال التعيينات والانتخابات الجزئية و«الممسوكة»، سجل تنامي التنظيمات السياسية والحزبية وخاصة في صفوف «الحزب الشيوعي» و«تنظيم القوميين العرب» و«حزب البعث» وغيرها، إلى جانب سعي حثيث من قبل رئيس الحكومة آنذاك رشيد كرامي للإمساك بمؤسستي المجلسين البلديين في طرابلس والميناء، في ظل «إشاعة» راجت حينها عن احتمال قيام السلطة بتوحيد المجلسين البلديين في المدينتين، الأمر الذي دفع بالميناويين إلى التمسك باستقلالية مجلسهم البلدي عن البلدة.

وتردد ان خصوم كرامي قاموا آنذاك بالترويج لهذه الإشاعة للنيل منه ومن شعبيته في الأوساط الميناوية. في حين ان كرامي كان يسعى إلى توطيد وترسيخ موقعه السياسي، وبالتالي إزاحة العوائق والعراقيل المحلية، وقد عُرف عنه، قدرته على استقطاب خصومه المحلييين وضمهم إلى لوائحه الانتخابية أو التحالف معهم، كما حصل  مع عائلات الجسر وكبارة وذوق وحمزة وآخرين.

وفي هذا الإطار سعى كرامي إلى استقطاب رجل الأعمال والمقاول عوني الأحدب، من خلال دعم مرشحه المقرب منه ونسيبه أحمد ممتاز كبارة لرئاسة بلدية الميناء، بعد أن سهل كرامي للأحدب بناء المقهى الذي امتلكه على أرض «الروضة» بجوار مقر بلدية طرابلس، إضافة إلى تمكينه من الحصول على عدد من الالتزامات، قبل ان يعود الرجلان ويختلفان لاحقاً.

لائحتان ومنفردون

وبالفعل ترشح كبارة للانتخابات البلدية التي جرت يوم الأحد في 14 تموز من العام 1963، على رأس «لائحة التضامن الشعبي» وضمت إليه كلاً من عبدالقادر أبو لبدة، جميل عصافيري، عبدالغني عبدالوهاب، سابا البواب، مهران كشيشيان، أحمد غازي، عبدالرزاق علم الدين، محمد درويش، أنور يحيى، جورج دوماني، فؤاد رفيع، جورج رطل، جورج عازار، وتتألف من 14 عضواً هو عدد أعضاء المجلس البلدي في الميناء آنذاك.

ويتبين من هذه اللائحة انها تضم ممثلين عن العائلات الميناوية، في حين تشكلت لائحة غير مكتملة تضم مؤيدين للقوميين العرب وهم ناصر الصالح (قاضي الشرع لاحقاً)، عبدالرحمن هاجر، أسامة زيلع، أحمد القروش، زهير دبوسي، أحمد العش، عبدالقادر خاروطه.

في حين تكتل المنفردون في لائحة ثالثة غير مكتملة بينهم مرشحون عن «الحزب الشيوعي»، وتضم صفا حمزة، عبدالله قطره، عبدالرزاق ستوت، وارطان بقاليان، البير مطرة، اسكندر مبيض، شحادة حداد.

وبلغ عدد المقترعين 3708 أشخاص من أصل 410164 ناخباً على جداول الشطب، وفاز من لائحة كبارة 6 أعضاء ومن لائحة المؤيدين للقوميين العرب 3 أعضاء ومن الشيوعيين والمنفردين 5 أعضاء، وسط تنامي الخلاف الأيديولوجي بين القوميين العرب والشيوعيين والذي اتسع لاحقاً وأثر على مسار المجلس البلدي.

أما الفائزون فهم: جميل عصافيري (2036)، أحمد ممتاز كبارة (1960)، عبدالله قطرة (1561)، صفا حمزة (1532)، عبدالرزاق ستوت (1523)، وارطان بقاليان (1464)، ناصر الصالح (1280)، عبدالرحمن هاجر (1197)، جورج دوماني (1190)، أسامة زيلع (1185)، سابا البواب (1182)، شحادة حداد (1159)، عبدالقادر أبو لبدة (1148)، محمد درويش (1134).

وبحضور المحافظ حليم أبو عزالدين جرى الاقتراع لانتخاب رئيس المجلس البلدي فترشح كبارة وحظي بتأييد الشيوعيين وفاز بعشرة أصوات في حين نال ناصر الصالح 4 أصوات، كما فاز المهندس جورج دوماني (توفي مؤخراً ايضاً) بمنصب نائب الرئيس بالإجماع.

ومن اللافت قيام أحمد ممتاز كبارة بعد حوالي الشهر على انتخابه مع رئيس الحكومة رشيد كرامي بتوزيع الشِباك الحديثة والمعدات البحرية على صيادي الميناء في احتفال حُمل فيه كرامي وكبارة على الأكتاف.

ونظم المجلس البلدي خلال ولايته أول مهرجان للتزلج المائي في الميناء العام 1966، مثل فيه الوزير بشير العثمان رئيس الجمهورية آنذاك شارل حلو، في إطار دعم السياحة في طرابلس والميناء. وكان من اللافت ان مطالب الميناء وخاصة ما يتعلق بتعميق وتوسيع مرفأ طرابلس قد تم تسويفها وعرقلتها زهاء 55 عاماً وقد ساهمت الحرب اللبنانية وما تلاها من أحداث محلية في طرابلس بتأجيل أعمال التنفيذ أيضاً. وإلى تلك الفترة تعود المطالبة بإنشاء الكورنيش البحري الدائري من البحصاص على طول شاطىء الميناء والذي تأخر تنفيذه عقوداً طويلة.

شهر العسل… انتهى وجاءت القطيعة!!

ولكن شهر العسل بين الرئيس كرامي ومجلس بلدية الميناء والذي امتد سحابة ثلاث سنوات ونيف، سرعان ما اعترته الخلافات والتباينات عشية إجراء الانتخابات النيابية التي تقرر إجراؤها في العام 1968.

فحوالي نهاية العام 1967 أعاد كرامي حساباته السياسية والمحلية في ضوء جملة من العوامل حددت علاقته بمجلس بلدية الميناء في مقدمتها تنامي قوة الشيوعيين واليساريين في الميناء المناهضين له، إضافة إلى رغبة عوني الأحدب بترشيح نفسه على رأس لائحة مناوئة لكرامي في طرابلس، الأمر الذي انعكس على علاقة الأخير برئيس المجلس البلدي في الميناء.

ويبدو ان الضغوط نجحت في تأمين استقالة ثلاثة أعضاء من المجلس البلدي هم الدكتور عبدالقادر أبو لبدة ومحمد درويش وجميل عصافيري إضافة إلى وفاة عضو المجلس وارطان باقليان، ونشطت الضغوطات لتأمين استقالة ثلاثة أعضاء آخرين ليفقد المجلس نصابه القانوني، حيث تعرض الأعضاء سابا البواب وجورج دوماني وشحادة حداد لضغوطات في هذا المجال، ولكنها لم تنجح.

وفي مرحلة متزامنة اعتبر ناصر الصالح مستقيلاً بعد تعيينه في القضاء الشرعي، كما قبلت استقالة صفا حمزة لعدم جواز الجمع بين عضوية المجلس ووظيفته كمحام للبلدية. وبذلك أصبح المجلس رهينة لاستقالة عضو واحد.

وبالرغم من انتهاء ولاية المجلس البلدي مع حلول العام 1970 وانقضاء ست سنوات على انتخابه، فقد تم التمديد له بفعل تعذر إجراء الانتخابات البلدية في حينه، بسبب الأوضاع الأمنية آنذاك، وفي أواخر العام 1972 تقدم عضو المجلس البلدي أسامة الزيلع باستقالته، ليصبح المجلس في حكم المستقيل، وقيل يومها ان الزيلع أراد من استقالته وهو من «القوميين العرب»، الإطاحة بهذا المجلس الذي يسيطر عليه الشيوعيون وحتى لا يشكل استمراره غطاء لهذه القوى بعد ان عصفت الخلافات الايديولوجية بين الطرفين في تلك المرحلة.

وبالفعل أعيد تعيين كبارة على رأس لجنة للقيام بأعمال مجلس بلدية الميناء وضمت نعيم خرياطي نائباً للرئيس والأعضاء حسن عيسى، عبدالقادر علم الدين، مصطفى حولا، جورج عبد، بشارة كرم. ووقع مرسوم التعيين رئيس الجمهورية سليمان فرنجية ورئيس مجلس الوزراء صائب سلام.

ولكن العراقيل عادت لتمارس على البلدية من خلال إعاقة مشاريعها ووقف مدها بالأموال المخصصة لها من صندوق الرسوم المشتركة، ما دفع بكبارة إلى تقديم استقالته، حيث جرت معالجتها وطويت بتدخل من فرنجية مباشرة، ولكن كبارة عاد وقدم استقالته بصورة نهائية في آب من العام 1972، وأُنيطت رئاسة اللجنة البلدية بالمهندس نعيم خرياطي بوصفه نائباً للرئيس، وبذلك يكون أول أرثوذكسي يتولى رئاسة بلدية الميناء منذ تأسيسها.

ويذكر ان عبدالقادر علم الدين الذي رئس اللجنة البلدية في الميناء في العام 1977 وعيّن وانتخب مراراً رئيساً للمجلس البلدي في الميناء وفور تبلغه بوفاة زميلة الرئيس أحمد ممتاز كبارة، عبر عن أسفه الشديد وردد «لقد كان رحمه الله خير مرشد لي في مسيرتي البلدية، واستفدت كثيراً من مواقفه ومشورته في تسيير أمورنا في المجلس البلدي».

Loading...