طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

في المستشفى الحكومي

مستشفى طرابلس الحكومي

عُرِف لبنان قبل الحرب بـ «مستشفى الشرق الاوسط» أو «مستشفى العرب» وقد تأثر هذا الدور قليلاً خلال الحرب اللبنانية بسبب صعوبة قدوم العرب إليه. بعد الحرب عاد لبنان تدريجياً إلى موقعه المرموق بما يخص الطبابة المميزة والخدمات الطبية. وفي طرابلس تحديدا تنتشر الصروح الطبية بشكل طبيعي بين أحيائها ومبانيها. وقد ظلّت تجربتي الشخصية مع القطاع الطبي ضعيفة حتى وهلةٍ قريبة كوني لم أتعرض بعد لنكسات طبية كبيرة أولاً ومضمونة تحت ضمان زوجي مع نقابة المهندسين ثانياً.

منذ شهرين بدأت أول تجربة لي مع الهمّ الطبي حين رنّ هاتف منزلي في الليل وكان المتكلم أخي وهو في حالة حرجة من الألم والخوف معاً، ظناً منه أن البروستات عنده قد انفجر، راودني حينها قلق قوي علماً مني أن أخي غير مضمون، ولم أجد سوى حل واحد وسريع هو طلب الصليب الأحمر وإدخال أخي المستشفى عن طريق الطوارئ وهذا ما فعلت. بعد دقائق التقيت بالمسعفين في بيت أهلي وقد أتوا مشكورين بالسرعة المطلوبة كعادة مؤسسة الصليب الأحمر. توجهنا بسيارة الإسعاف إلى أقرب مستشفى لافاجأ أن حالة الطوارئ لم تعد مدعومة من وزارة الصحة أو ربما المستشفيات لم تعد مرتبطة بهذا الدعم مباشرة. طُلب مني في المستشفى إيداع مبلغ إحتياطي قيمته ثلاثمائة دولار أمريكي كدفعة أولى، أما بما يخص الحصول على تغطية وزارة الصحة فقد أصبحت عملية معقدة تعتمد على مبيت أخي بالمستشفى ليلة أو ليلتين مع إيداع مبلغ مليوني ليرة، بعدها يتم البحث بالملف من الوزارة، إضافة إلى أن الإدارة في المستشفى قد رفضت تحديد عدد الليالي المطلوبة وتعرفة مبيت الليلة فيها، وبتقديري أنّ ليلتها تعتبر أغلى من ليلة فندق خمس نجوم. كما أسرَّ لي بعضهم بأنه يمكنني تسريع هذا الملف بالاتصال بأحد النواب أو الوزراء وطلب دعمهم ووساطتهم على الطريقة اللبنانية.

بدأت دوامة البحث عن الحلول والاتصالات الهاتفية والاستشارات إلى أن سألني أحد الأصدقاء: هل تقبلي بإدخال أخيك إلى المستشفى الحكومي في القبة؟ وتذكرت لحظتها الإعلان الذي أنزلته في الملحق الصحي لجريدة «التمدن» منذ فترة وجيزة ويُذكر فيه أن المستشفى الحكومي بات يملك أحدث الوسائل والتجهيزات الطبية، إضافة إلى أنّه الحل الوحيد المتبقي لدينا بعد كل هذه المفاوضات العقيمة. فوافقنا على الفور وتوجهنا إلى عيادة الطبيب الجراح في «الحكومي» الدكتور هيثم المصري الذي استقبلنا مبتسما على غير عادة الجراحين، وبعد الفحص أنجز اوراق طلب العملية الرسمية وصعدنا بها رأسا إلى المستشفى عن طريق الطوارئ.

مباني المستشفى جميلة وعريقة مثل كل المباني القديمة في القبة ومنها كلية الآداب وكلية العلوم، فهي أشبه أن تكون على الطراز الفرنسي، ومداخلها تتوسطها حديقة (شجرية) تمتدّ حولها مبانيها، وعلى يمين مدخلها مبنى ينتظر ترميمه ويبدو من آرمته القديمة أنه كان كافيتريا ومطعم للمستشفى.

دخلنا إلى قسم الطوارئ وقدمنا أوراقنا وأول ما لفتنا هناك نظافة المكان نسبة إلى كل مداخل الطوارئ التي تعج بالمرضى والمصابين. وعندما ذهبنا أنا وأختي إلى الصندوق لإتمام المعاملات تفاجأنا بالحشود الموجودة كما تفاجأنا بزهادة التعرِفات التي لا تتجاوز العشرين ألف ليرة، وكأننا عدنا إلى أيام عز الليرة اللبنانية.

في هذه الأثناء تمت معالجة أخي من طبيب الطوارئ د. مقصود وتم تحضيره للعملية في اليوم التالي. غرف المستشفى واسعة وممراتها شرحة تعج بالممرضات والممرضين والأطباء. في اليوم التالي تمت العملية بنجاح وسلاسة كما مرت الأيام الخمسة التي قضاها أخي براحة تامة وإشراف تام من قبل الدكتور الجراح ومتابعة رئيس مجلس إدارة المستشفى د. فواز حلاب الذي يقوم يومياً بجولة صباحية وأخرى مسائية على أقسام المستشفى كافة للإشراف على سير العمل فيها وتنظيمه.

وآخر المفاجآت كانت في نهاية تجربتنا مع المستشفى الحكومي عندما قمنا بتسديد فروقات الأتعاب والتي حددت بعشرة آلاف ليرة لبنانية فقط لا غير. لا بد أنه حلم أو رضا من الله أن يتم إسعاف أخي وطبابته خلال خمسة أيام من فريق مختص ومحترف وبهذا المبلغ الزهيد الذي من خلاله تُحفظ حقوق الطبقة اللبنانية الوسطى المتبقية بالعيش الكريم، تلك الطبقة التي تناضل للبقاء على كرامتها دون التزلم والتبعية للزعامات والقوى الفاعلة.

فالشكر الكبير لطاقم هذا المستشفى ولإدارته التي ناضلت خلال سنوات لتحسين إدائه على المستويين الطبي والإنساني، وإعادته إلى وظيفته ودوره السابقين أيام الزمن الجميل حين كانت هناك دولة لبنانية تظلل الشعب وتحميه

نهى نيكرو سنكري

Loading...