طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

بين جمانة شهال تدمري وتراث طرابلس حكاية عشق

رئيسة «الجمعية اللبنانية للمحافظة على تراث طرابلس» جمانة شهال تدمري

د. جمانة شهال تدمري اسم بات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية تراث طرابلس. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت نشاطاتها الثقافية موعداً ينتظره الكثيرون بشوق، وهي تعبر عن حماسها وإيمانها بالمدينة وبثرواتها. معها نستعرض ما حققته «الجمعية اللبنانية للمحافظة على تراث طرابلس» في باريس في الحوار التالي:

هل من تعريف بـ «الجمعية اللبنانية للمحافظة على تراث طرابلس»؟

«تأسست «الجمعية اللبنانية للمحافظة على تراث طرابلس» عام 2009 في باريس وكانت غايتها الأساسية التعريف بتراث طرابلس.

في البداية، كانت طموحاتنا تقتصر على إظهار المدينة بصورتها الراقية والجميلة، من هنا انطلقت الجمعية وهي المبادرة الوحيدة التي تُعنى بتراث طرابلس من خارج المدينة.

تنفرد جمعيتنا بالعمل الذي تقوم به من تعريف بالمدينة ومحاولة الحفاظ على تراثها بطريقة علمية، فعملنا ليس عشوائياً. في البداية نظرنا إلى تجارب مدن أخرى في المحافظة على التراث وتجميله وإبرازه وكان هدفنا الاستفادة من تجاربها. لنعرف ما هي الخطوات التي يجب القيام بها وما هي الأولويات.

عقدنا مؤتمرات مع: الدبلوماسية الفرنسية، مجلس الشيوخ الفرنسي، «معهد العالم العربي»، ومع رئيس جمعيتنا الفخري «جاك لانغ» وأخصائييين من جميع أنحاء العالم، كما تمت دعوة مسؤولين في البلدية ووزارة الثقافة ومديرية الآثار و«مجلس الإنماء والإعمار»، عرّفناهم أولاً بتراث طرابلس وخرجنا بـ 3 توصيات مهمة جداً والتي أصبحت بمثابة خارطة طريق لنا:

– أولاً أهمية الجرد لمعرفة ما تحتويه طرابلس، وهو أمر بالغ الأهمية لأن لا أحد يعرف كل ما يوجد في المدينة، إذ لم يتم الجرد بعد.

– ثانياً التوعية على تراث طرابلس وضرورة لفت انتباه المواطنين واقناعهم بأهمية الحفاظ عليه.

– ثالثاً ما نسميه تجميل وإبراز التراث لشد النظر إليه وتغيير نظرة الناس إليه».

محطة القطار في طرابلس حيث جرت احتفالية «تراثي تراثك» لصيف 2018 بعنوان «وصل الترين» وذلك من تنظيم «الجمعية اللبنانية للمحافظة على تراث طرابلس»

ما هي برامجكم والنشاطات التي تقومون بها؟

«نعمل على التوصية الثانية وهي للتوعية، وذلك ضمن برنامج «تراثي تراثك» المقام في المدارس. هذا البرنامج هو برنامج اليونيسكو، إعتمدته وزارة التربية، وهو الآن في سنته الثالثة. يتكون «تراثي تراثك» من ثلاثة أجزاء، الأول يتطلب من التلميذ اكتشاف تراثه العائلي الخاص، من هنا يتم الانتقال إلى تراث المدينة في المرحلة الثانية، ومن ثم إلى المشروع (أغنية، فيلم، عرض) يقدمه الطالب في المرحلة الثالثة في آخر العام الدراسي.

بدأ المشروع في طرابلس ثم انتقل إلى عدة مدن وبلدات في محيط المدينة كالكورة وزغرتا قبل أن يتم تعميمه هذه السنة على كل الشمال، من البترون إلى الحدود السورية. هو طبعاً يُعنى بتراث طرابلس ولكن بعض المناطق التي اشتركت فيه أحبت ان تضيف أيضاً تراثها الخاص وهو أمر مرحب به ويُغني البرنامج.

عدا عن ذلك، رأينا ضرورة دمج مجهود التوعية على التراث مع التوعية على النظافة وبالأخص عن ضرورة المحافظة على نظافة الأماكن التراثية.

بعد نجاح مشروع التوعية في المدارس، انتقلنا إلى التوصية الثالثة وهي  تجميل وإبراز التراث، فتطلعنا إلى الأفكار التي أثبتت نجاحها في الخارج من هنا انطلق نشاط «خان العسكر». جمّلنا ورممنا ونظفنا هذا الخان وأوصلنا إليه الكهرباء. لم يكن بعض أهل طرابلس يعرفون «خان العسكر» وللأسف حتى النواب والوزراء لم يعرفوا أين يقع حين تمت دعوتهم إليه.

مع نجاح نشاطنا بشكل كبير، قررنا ان نجعل منه موعداً سنوياً أسميناه «أيام طرابلس التراثية» وسجلنا هذا الموعد في وزارة الثقافة وأصبح بمثابة «ربيع» للمدينة.

في السنة التالية قمنا بنشاطات ثقافية مميزة في «برج السباع»، وهذه السنة كبرت أهدافنا أكثر مما كنا نتوقع ودخلنا إلى محطة القطار والتي شكلت تحدياً كبيراً، فقد وجدناها في حالة يرثى لها وتطلبت منا مجهوداً كبيراً كي نهيئها لتستقبل الزوار. عملنا في محطة القطار كان مميزاً إذ تضمن طاولة مستديرة شاركت فيها «الجامعة اللبنانية» و«LAU» وتم عرض مشاريع لطلابهما في الهندسة تتناول المحطة. تعريفنا عن هذه المعالم التراثية من خلال نشاطاتنا السنوية يسلط الضوء عليها، فبعد النشاط الأخير مثلاً تلقينا عروضات تمويل ومشاريع لهذه المحطة من الدولة التركية.

ومؤخراً استغليّنا وجود أعضاء الجمعية في طرابلس لقضاء عطلة الصيف للقيام بمشروعنا الجديد، «كزدورة وصورة». الفكرة ليست جديدة ولكنها فعالة في لفت النظر إلى تراث طرابلس. فنحن ذهبنا 3 مرات بالاسبوع في تمام الساعة السادسة صباحاً لنتمشى في المدينة القديمة ونلتقط الصور، إخترنا أن نفعل ذلك في الصباح الباكر أولاً كي نرى شروق الشمس فوق معالمنا الأثرية، وثانياً لنرى المدينة نظيفة، وثالثاً كي نتجنب الزحام وكثرة الناس فنمعن في تفاصيل وجمال تراثنا، وقد نشرنا الكثير من الصور على مواقع التواصل الاجتماعي».

كيف تقيمين تجاوب الناس وردة فعلهم على ما تفعلونه؟

«نظرة الناس إلى عملنا تغيرت كثيراً في السنوات التي مرت، فمن الـ 2009 إلى الـ 2018، حين كانت المعارك في طرابلس في أوجها، كان الناس يضحكون في وجهي. أنا أتحدث عن التراث وأنه مستقبل طرابلس، والناس تظنني جننت وتتهمني بالعيش في قصري العاجي، منفصلة عن الواقع. كانوا ينصحوني بتقديم المساعدات لأهل طرابلس الفقراء الذين يموتون في المعارك بدلاً من الاهتمام بالثقافة والتراث.

كانت لدي الرغبة في مساعدة مدينتي رغم غربتي عنها، وكان بإمكاني تقديم المساعدات المادية أو الغذائية كما فعل الكثيرون، ولكن وجهة نظري كانت دائماً مختلفة، فبدل تأمين مساعدات مالية، أريد تأمين فرص عمل من خلال انعاش الاقتصاد وتحريك العجلة الاقتصادية عبر التراث والسياحة، التراث يجلب السياحة وهو ثروة طرابلس الوحيدة ومصدر دخل لها.

منذ العام 2015 تغيرت نظرة الناس ووصلت الفكرة إلى شريحة كبيرة منهم. وهذا واضح من عدد المتابعين على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي وأعداد المشاركين في نشاطاتنا. والمؤشر على ذلك أيضاً هو عدد الجمعيات الأخرى التي تعمل الآن بنفس طريقتنا وهذا أمر مطلوب وايجابي ومرحب به».

ماذا عن التوصية الأولى، أي الجرد؟

«موضوع الجرد يتطلب قدرات أكبر من جمعية تعمل لوحدها، فالبلدية لسوء الحظ رافضة رفضاً قاطعاً لهذا الموضوع ليس فقط لأنه مكلف، بل أيضاً لأنه يتطلب مجهوداً بشرياً  كبيراً. نحن بامكاننا أن نساعد ونقدم أشياء كثيرة ولكن يجب ان يقتنع الرئيس ومسؤول لجنة الآثار في البلدية بأهمية هذا الموضوع وهما غير مقتنعين. المشكلة ليست أنهما لا يريدان الجرد أو لا يريان أهميته ولكن أنهما غير مقتنعين بأن هذا الأمر هو أولوية الآن.

الجرد، يتطلب مجهوداً كبيراً ولكنه أيضاً يجلب الكثير من الأمور الايجابية لطرابلس. عدا عن أننا نتعرف على تراث مدينتنا، وهو حق، بل واجب وطني، فنحن أيضاً نعي ونتعلم من خلال هذا العمل، ما هي الأولويات في الترميم ولماذا يجب ترميم ذاك المبنى عوضاً عن غيره والطريقة الصحيحة والعلمية السليمة لترميمه دون إحداث أي تشويه.

جميعنا نتفق على أهمية المحافظة على المدينة وترميمها وعدم هدم أي شيء، ولكن هناك من هم غير مقتنعين بأهمية الدراسات العلمية والجرد السليم لنرمم ما يجب فعلاً ترميمه وبطريقة علمية صحيحة تحافظ على طابع المدينة القديمة. المحافظة على تراث مدينتنا يحتاج إلى مجهود وتمويل كبيرين وإلى موافقة وإرادة حقيقية من المسؤولين وهذا غير متوفر حالياً لا من البلدية ولا من الوزارة، فهم لا يرون في هذا أولوية.

البلدية غير مهتمة بدعم برنامج كـ «تراثي تراثك» بينما بلدية زغرتا مثلاً تعتبره من أهم المشاريع التي تقوم بها حالياً. ونطالب هنا، عبر منبر «التمدن» أن تتبنى بلدية طرابلس مشروع «تراثي تراثك» وأن تدعمه بالتمويل والعنصر البشري أسوة ببلديات أخرى، فدعم الوزارة لا يكفي لأنها لا تُعنى فقط بطرابلس، ومن واجب البلدية دعمه والاهتمام به وإدراك مدى أهميته فنحن بأمس الحاجة إليه».

لماذا ترين في هذا العمل أولوية؟

«حين نقوم بهكذا عمل، نحتاج أولاً إلى عنصر بشري، هناك أحياء في طرابلس تصل فيها البطالة إلى 60%، يمكننا أن ندرب هؤلاء الأشخاص ونعلمهم مهنة لها علاقة بالمسح والجرد والحفاظ على التراث والترميم.

وهناك أصحاب الشهادات كالمهندسين وعلماء الآثار والمؤرخين في الفن نستطيع أن نوفر لهم فرص عمل.

إضافة لفرص العمل، نخلق وعياً لدى الناس الذين يقومون بالعمل على التراث، مما يحثهم على الغيرة على مدينتهم والولاء لها ومعرفة قيمتها. فاليوم هناك من يقتلع ويبيع الحجر والأشياء الأخرى من المعالم التراثية، إما من بيته في المدينة القديمة أو من محله وهو غير مكترث أو ربما لا يعرف قيمتها وأهميتها لمدينته. يجب أن نغير هذا الواقع».

هنا نتطرق إلى دور المواطن في الحفاظ على تراث المدينة، ما أهمية هذا الدور؟

«للمواطن دور كبير يلعبه، فهو من يجب ان يعي أهمية التراث فيأخذ على عاتقه الحفاظ عليه، لهذا السبب دخلنا المدارس مع «تراثي تراثك» لنزرع هذه الفكرة في الجيل الجديد منذ الصغر. لهذا السبب أيضاً أضفنا شق النظافة إلى البرنامج بعد أن استدركنا أن القمامة والتراث لا يتماشيان، وأن النظافة أساسية لتجميل وإبراز التراث. ولا يقتصر دور المواطن على هذا، بل واجبه أيضاً ان يربي أطفاله على حب المدينة والافتخار بها وبتراثها».

ماذا عن دور الدولة، هل هناك تعاون من قبلها أم هي فعلاً مقصرة؟

«الدولة هي المقصر الأكبر، ليس فقط على صعيد طرابلس، بل على صعيد التراث في لبنان ككل، فهي يجب ان تلعب دورها في موضوع الجرد الذي من المستحيل أن تقوم به جمعية لوحدها. إضافة إلى ذلك نحن كجمعية نتعاون كثيراً مع اليونيسكو ولكن لا نستطيع لعب دور الدولة، فلسنا مخولين ان نتقدم من اليونيسكو بطلب ترشيح طرابلس لتصبح مدينة معتمدة لدى هذه المؤسسة الدولية، الدولة يجب ان تقدم الملف وتدعمه وهذا لم يحصل. هذا عدا عن ان المدينة يتم تشويهها بالترميم غير المدروس والدولة لا تقوم بواجبها بإيقاف ذلك.

الدولة لا تنظر إلى لبنان سوى كدولة خدمات بالرغم من أنه فقد دوره الخدماتي في المنطقة ولم يعد يتميز بذلك.

ونحن بحاجة لتنمية نوع آخر من السياحة، السياحة التراثية التي نمتاز بها عن بعض الدول في المنطقة، ولكن الدولة لا تعي ذلك.

الأجنبي أو الأوروبي الذي يأتي غير مكترث بالفنادق الفخمة وناطحات السحاب. هو يأتي ومعه حقيبة على ظهره، ويريد النزول في فندق صغير ورخيص، يريد زيارة متاحف وقلاع وآثار وجوامع وكنائس ومدن قديمة تراثية.

يريد شراء منتجات حرفية بسعر مقبول. الأجنبي حين يأتي إلى الشرق، هذا الشرق القديم، مهد الحضارات، يبحث عن التجربة الشرقية، لا يبحث عن أشياء تشابه بلاده الغربية، لا يبحث عن المول والمراكز التجارية.

بالرغم من ذلك الدولة تهمل التراث تاريخياً، ولا تريد تسليط الضوء على أي شيء يُذكر بحقبات معينة من تاريخ لبنان، ولكنه واقع، وهذه الحقبات هي مراحل من تاريخنا لا يمكننا محوها وإدارة ظهورنا لها. لا يجب الاتجاه فقط لما هو جديد وعصري».

ما هي العوائق التي تواجهونها في عملكم؟

«من العوائق طبعاً الإمكانيات المادية المحدودة التي تحد من قدرتنا على التصرف ومن فعاليتنا، فكلما ازداد التمويل، كلما ازدادت قدرتنا على إحداث تغيير أكبر.

وهناك عدم اكتراث الكثير من المسؤولين عن طرابلس بوضع التراث فيها، حتى بتنا نشعر أحياناً أننا نزعجهم بعملنا وبدعوتنا إليهم للحضور.

يجب ان يقتنع المسؤولون بأهمية ما نفعله. فنرى مثلاً البلدية تصرف مالاً كثيراً وجهداً كبيراً على مجسمات وزينة العيد التي ستبقى فقط بضعة أيام وبالمقابل مشاريع إنمائية مهمة كالتي نقوم بها لا يتم تمويلها أو دعمها أو الاهتمام بها من قبلها.

هذا هو الانماء الحقيقي، ليس وعود المستقبل، بل مشاريع اليوم، في التراث، في الآثار، في التوعية، في الاهتمام بالصناعة الحرفية التراثية الخاصة للمدينة».

ماذا عن المرحلة المقبلة؟

«خلال العشر سنوات التي مضت كنا في مرحلة دراسة وترقب، كنا نتقدم بأفكار وندرس ما يمكننا فعله. كان هدفنا الأساسي تغيير نظرة الرأي العام تجاه التراث. ولكن ما الحل المستدام لانقاذ تراث مدينة طرابلس؟ برأيي الحل هو اليونيسكو، أي تسجيل المدينة كتراث عالمي، مما سيجلب لها التمويل والاستثمار الأجنبي والسياحة.

في غياب ذلك، الرحلة المقبلة لجمعيتنا ستتضمن ترميم بعض الأبنية بمواصفات عالمية مما سيشكل، إن شاء الله، خطوة ايجابية يُحتذى ها. إضافة إلى ذلك، سنلعب أيضاً دور فريق ضغط أو لوبي على المسؤولين المعنيين بالتراث في طرابلس، وسنكمل عملنا كصلة وصل بين الأشخاص المهتمين والنافذين والأفكار الجديدة والاستثمار في الغرب وفي طرابلس».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.