طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«جمعية عاهدة البيسار»: تمويلنا خاص ولا نقبل أي دعم مالي من أي شخص أو جهة

رئيسة الجمعية د. لبنى عطوي

الدكتورة لبنى عطوي اسم برز في المجال الأكاديمي على خطى والدها المرحوم الدكتور فوزي عطوي، وهي أستاذة علم الاجتماع في «معهد العلوم الاجتماعية» في «الجامعة اللبنانية – طرابلس» لكنها لم تكتف بذلك فحسب، بل انطلقت لتترك أثراً طيباً أيضاً في المجال الخيري كرئيسة لجمعية «عاهدة البيسار الخيرية» وللميتم التابع للجمعية. «التمدن» أجرت معها الحوار التالي:

ما الذي يميّز جمعيتكم و ميتمكم عن الجمعيات والمياتم الأخرى؟

«أولاً نحن لا نميّز طائفياً أبداً، عملنا مدني بحت وليس لدينا أي طابع ديني لهذا العمل. إضافة إلى أن نطاق عملنا يركّز على الطفل أولاً. فطريقة تعاطينا مع الأطفال تختلف من حيث الخدمات التي نقدمها لهم.

مثلاً نسجلهم في مدارس خاصة وهذا أمر لا نراه عادة في دور الأيتام الأخرى، كما أنهم يحظون بساعتين من الدعم الدراسي يومياً، ويحصلون أيضاً على عناية طبية من الفئة الأولى، تؤمّن لهم متابعة كاملة مع جميع اللقاحات اللازمة. ما يميّزنا أيضاً وبشكل كبير هو أننا لا نتلقى أية مساعدات، محلية كانت أم خارجية. تمويلنا خاص، لا نقبل من أي شخص أو جهة أي دعم مادي ولكن يمكن أن نقبل هدايا كألعاب للأطفال أو ما شابه. فالتمويل الخاص يترك لنا مساحة من الحرية دون تدخلات قد تؤثر سلباً على عملنا. وبسبب هذا التمويل الخاص فنحن نحتضن عدداً من الأطفال اللقطاء، وهذا أمر نتميّز به عن مياتم أخرى، فدور الأيتام عادة ما تتجنب احتضان هؤلاء الأطفال ولا تغطي إقامتهم فيها، ويعتبرون أنهم  قد يجلبون لهم صعوبات معينة كتأمين أوراق ثبوتية.

أخيراً، ان هيكليتنا الإدارية وفريق عملنا متخصصاً، إذ نقسّم العمل بشكل واضح، فلكل منا دوره، كما نقسّم الأطفال إلى فرق كل فريق مؤلف من 6 أولاد تعتني بهم مشرفة».

د. عطوي ولولوة مجذوب مع عدد من أطفال الجمعية

ما الأمور المباشرة التي تقدمونها للأطفال وما أهميتها؟

«بطبيعة الحال، نحن نهتم أولاً بالخدمات الأساسية كالمأكل والملبس والدراسة والطبابة، فبالإضافة إلى ذلك، يحتاج الأطفال إلى الترفيه والرياضة لذا نسجّلهم في مخيم صيفي خلال عطلة الصيف.

يتلقى الأولاد دورات كومبيوتر، ونشدد كثيراً على أهمية التكنولوجيا. نجد أحياناً لدى بعض الأطفال ميولاً تجاه نشاطات أو حرف معينة كالحرف اليدوية أو الميكانيك أو الرياضة، فنحرص على تنمية هذه الميول لديهم ليس فقط كهواية، ولكن أيضاً كاحتمال اتجاههم لها كمهنة في حال عدم الرغبة في إكمال الدراسة بعد صف البريفيه.

والجدير ذكره أن أطفالنا اشتركوا وبرعوا في عدة مباريات على المستوى الوطني، فقد شاركنا مثلاً ببطولة لبنان للجودو وفاز من عندنا 5 طلاب بميداليات. وشارك أحد طلابنا بمسابقة الحساب الذهني السريع، بطولة الـ «آي سي ماس»  (ACMAS) حيث فاز بالمركز الثاني على مستوى لبنان.

أهمية إشراك الأطفال بهذه النشاطات تكمن أولاً في ما نسميه في مجال السوسيولوجيا بـ «سوسيولوجيا أوقات الفراغ» وضرورة أن يكون للولد أوقات فراغ يملأها بما يحب، الأمر الذي يساعد الطفل على الانخراط بالدراسة النظامية بشكل فعال وسليم. إضافة إلى ذلك، هناك حاجة نفسية و اجتماعية لدى كل طفل أن يشعر أنه مثل غيره من الأطفال ولا ينقصه شيء عنهم مما يسهّل عملية الاندماج السليم في المجتمع لاحقاً».

الأطفال الفائزون في مسابقة الحساب الذهني ACMAC مع لولوة مجذوب وإلى يمينها الطفل الحائز على المرتبة الثانية على مستوى لبنان

ما هي شروط الاحتضان لديكم و إلى أي سن أنتم مستعدون أن تساندوهم؟

«هناك شروط معينة، أولها أن يكون الطفل يتيماً أو على الأقل يتيم الأب.

الشرط الثاني هو أن يتراوح عمر الطفل ما بين 3 و13 عاماً، ما عدا حالات اللقطاء الذين احتضناهم وهم رضّع.

آخر شرط هو أن يكون الطفل خالياً من أي إعاقة جسدية أو ذهنية وذلك لأننا غير مؤهلين لإستقبال أطفال ذوي إعاقة، الدار ليست مجهزة لذلك وليس لدينا فريق عمل مؤهلٌ ومدربٌ لهكذا حالات. أما الحد الأقصى لبقائهم في الميتم، فنحن حتى اللحظة لم نضع عمراً معيناً كحد أقصى لاهتمامنا بأطفالنا.

الأهم بالنسبة لنا هو أن نصل بهم إلى شاطئ الأمان، فحين نشعر أن الشبان أو الشابات وصلوا إلى مرحلة يستطيعون فيها إعالة أنفسهم من خلال ايجاد وظيفة أو الزواج (مثلاً)، حينها يمكنهم الانفصال عنا وإكمال حياتهم بإستقلالية».

تكلمت عن تمويل خاص، حدثينا عن تاريخ الجمعية وعن عرّابها رجل الأعمال كامل الزرقا.

«تأسست الجمعية في العام 2006 بفكرة رجل الأعمال كامل الزرقا المموّل الوحيد للجمعية، فالزرقا رجل أعمال فرنسي ناجح يملك شركة «فالكون» للتمويل البديل، وهو من أم طرابلسية هي المرحومة عاهدة نديم البيسار ووالد سوري هو المرحوم محمد الزرقا.

كانت فكرة إنشاء جمعية «عاهدة البيسار الخيرية» تخليداً لذكرى والدته. بداية الجمعية كانت على نطاق محدود جداً إذ إقتصر عملها على المساعدات العينية كالحصص الغذائية أو الأدوية وغيرها، إلى أن في العام 2014 مع تفاقم الأزمات الأمنية الإقليمية، اتخذ الزرقا القرار بانشاء دار رعاية للأيتام. أتت الفكرة تحديداً بعد مشاهدته برنامج تلفزيوني سلّط الضوء على وضع الأطفال الكارثي في المنطقة، عندها قام الأستاذ كامل بالتواصل معي وطرح فكرة إنشاء دار للأيتام تابعة للجمعية. كانت رغبته معاملة هؤلاء الأطفال كأطفاله وتقديم خدمات لهم على أفضل مستوى».

يوم ترفيهي

في الميتم أطفال نازحون من حروب وغيرهم لم يمروا بهكذا ظروف، هل لمستم فرقاً بين الأطفال النازحين والأطفال الآخرين؟

«طبعا هناك فرق كبير جداً. الأطفال الذين مروا بتجربة حرب نلاحظ دائماً عليهم آثار نفسية جراء العنف الذي شاهدوه وتعرضوا له. دائماً يقومون بما نسميه بالاسقاط، أي رمي ذلك العنف على الآخرين. لدينا أطفال مروا بتجارب مروعة، فمنهم من شاهدوا أهلهم يُقتلون أمام أعينهم، ومنهم من هربوا من سوريا في خنادق تحت الأرض ووصلوا إلينا في حالة يرثى لها، وحاولنا نحن متابعتهم مع أخصائية نفسية، ولكن إلى اليوم هناك منهم من لم يستطع الخروج من حالة الحرب ونلاحظ أنهم ما زالوا يقومون بسلوكيات حربية.

أما الأطفال الآخرون فلديهم أيضاً مشاكلهم ولكنها تختلف بطبيعتها فهي تنتج عن التفكك الأسري، إذ نرى أن مفهوم الأسرة لديهم مشوه جداً، هم أيضاً مُتابعون من قبل الأخصائية النفسية التي تحاول، بالتعاون مع فريق عملنا، التخفيف من وطأة تلك المشاكل والآثار النفسية المدمرة. الاخصائية تتدخل مع الأطفال بشكل فردي وجماعي حيث تقوم بمحاضرات وبرامج توعية ونرى تحسناً ملحوظاً لدى هؤلاء الأطفال.

الفائزات في الجودو

ما هي مشاريعكم المستقبلية؟

«نحن الآن بصدد البحث عن مكان مناسب للانتقال إليه. نريد الانتقال إلى دار حديث تنطبق عليه شروط دور الأيتام الحديثة. نبحث عن مبنى معد لتلك المهمة ونحن جاهزون لكي نطوره قدر المستطاع. الهدف من ذلك أن نوسع نطاق عملنا ونزيد عدد الأيتام الذين نستطيع العناية بهم. اليوم لدينا 94 طفلاً ومشروعنا أن نصل إلى الإهتمام بـ 200 طفل. إضافة إلى ذلك، نطمح دائماً إلى تطوير أنفسنا من خلال دورات تدريبية ومن خلال التعاون مع مؤسسات أخرى من الناحيتين المجتمعية أو التربوية. مثلاً يمكننا أن نتعاون مع «معهد العلوم الاجتماعية» الذي أدرّس فيه بأن يتدرّب الطلاب لدينا، مما يفيدهم أكاديمياً ويفيد الأطفال. هذه هي أهم مشاريعنا في المستقبل القريب.

هل ساعدتك دراستك في العلوم الاجتماعية على تأدية مهامك مع الجمعية؟

«نعم بالطبع، ضمن علم الاجتماع هناك اختصاص علم اجتماع التربية وهو كان اختصاصي الثاني في الجامعة، ساعدني ذلك على التعامل بشكل علمي مع الأولاد وعلى التشخيص في أحيان أُخرى خاصة عند وجود حالات معينة. من ناحية أخرى ساعدني اختصاصي في علاقاتي مع الموظفين ومع الادارة والعكس صحيح، فقد أثّر عملي مع الجمعية على طلابي الجامعيين، فتجد أبحاثهم تتمحور حول موضوع اليتم وهذا ممتاز لأنهم يستفيدون من الدار لأبحاثهم ودراساتهم الميدانية، ونحن في الوقت نفسه نستفيد من نتائج أبحاثهم ومقترحاتهم. كما أن الأولاد يرتاحون للطلاب فيخبرونهم عن مشاكلهم وإذا كان هناك ما ينقصهم مما يلفت نظرنا لأمور ربما لم نكن نلاحظها».

ما هي المشاكل والصعوبات التي تواجهونها؟

«نواجه بعض الصعوبات مع الذهنية المجتمعية لدينا ونظرة الناس إلى الطفل اللقيط مثلاً. كما نواجه بعض الصعوبات مع المدرسة فنعاني أحياناً من مشاكل سلوكية لبعض أطفالنا، خصوصاً أولئك الذين يُعانون من آثار نفسية جراء تجارب حرب أو عنف أسري مروا بها، فيُسقطون ذلك على الآخرين من خلال سلوكيات غير سوية. لكننا نبقى دائماً على تواصل مع المدرسة لمتابعة تلك الحالات.

بالنسبة إلى الأولاد الذين ينضمون إلينا في عمر متقدم نوعاً ما وقد تكوّنت لديهم سمات شخصياتهم وهم من خلفية أسرية صعبة حيث لا تنشئة اجتماعية، ممكن أن نواجه مع هذه الحالات مشاكل أكثر من غيرهم، لذا نفضل أن يأتي إلينا الأطفال في عمر مبكر.

ونلاحظ أيضاً تراجعاً (نوعاً ما) حين يذهب الأطفال للنوم عند أسرهم أو تمضية النهار معهم، فيعودون أحياناً دون العادات التي كنا نشدد على اكتسابها في الميتم، إذ لا توجد متابعة أسرية في المنزل.

من ناحية أخرى، لدينا صعوبة في ايجاد مربيات ومشرفات، خاصة أن العمل يتطلب البقاء في الدار ليلاً ولا يتقبل الأهل هذا الأمر وهذا يخلق لدينا مشكلة. فنحن بحاجة لموظفات يحملن شهادات ومتخصصات في هذا المجال ولا نوظف أحداً غير مؤهل. لكن من يحملن الشهادات ربما يفضلن التعليم أو التدريس في المؤسسات التربوية أو أي نوع عمل آخر لا يتطلب البقاء ليلاً.

هل تتعاونون مع الدولة اللبنانية في إطار عملكم؟

«نعم، تعاقدنا مؤخراً مع وزارة الشؤون وكان هدفنا من ذلك تأمين مظلة قانونية لعملنا. نتعامل أيضاً مع محكمة الأحداث التي تحيل لنا الأطفال اللقطاء والأطفال الذين لديهم حالات إجتماعية معينة، ونحن ملزمون بقرارات محكمة الأحداث».

ماذا يمكن للناس أن تقدم لمساعدتكم؟

«نرحب بالهدايا للأطفال وبالقيام بنشاطات مع الأولاد كتنظيم يوم ترفيهي لهم، أو زيارتهم في الميتم للعب معهم، أو سرد القصص أو الرقص. هذه مبادرات جميلة وعمل تطوعي نرى فيه أهمية ليس فقط للأطفال بل للتعاضد الاجتماعي في مجتمعنا ككل».

Loading...