طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

تنورين.. بلدة بِقُرىً كثيرة

في أعالي بلاد البترون وعلى قمة جردها، تتربع بلدة من كبريات البلدات اللبنانية، أرضاً وشعباً؛ والّتي فيها الكثير من الآثار التي تدلّ على تنوّع تاريخها وعلى تعاقب الممالك والدّول التي مرّت عليها. كما أنّ طبيعتها خلّابة وجذّابة، يقصدها القاصي والدّاني ولا ينساها من زارها مرةً.

أساس تسمية تنورين من المرجّح أن تكون من جغرافيّة البلدة، والّتي تشبه التنّور بشكلها المحدّب والدائري.  ومن هنا، فإنّ اسم تنّور(ين) نسبةً لوجود تنّورين التحتا وتنّورين الفوقا، ممّا يبرّر استعمال صيغة المثنّى.

تجمّع بلدات

وبالواقع، فتنّورين هي تجمّع بلداتٍ وليست بلدةً واحدة، أكبرها تنّورين الفوقا تليها تنّورين التحتا ومن ثمّ شاتين فوطى حوب، إلى العديد من المواقع والمحلّات التي تؤلّف – جميعها – ما يُعرف بتنّورين.

مساحة تنورين هي 92 كلم مربّع، وتمتدّ من دوما إلى حدود اليمّونة، ومن حدود العاقورة إلى حدود بشرّي وحدث الجبة، وتقع بين واديَين هما: وادي القديسين ووادي نهر إبراهيم، وبين أفقا وأرز الرّبّ. وترتفع تنورين عن سطح البحر كمعدّلٍ وسطيّ 1450 مترًا.

اقتصاد زراعي

يرتكز اقتصاد تنورين على الزراعة، وأبرزها زراعة التفاح.

كما تحتوي تنورين على عددٍ من المؤسسات الخاصّة والمطاعم والمقاهي، أقدمها وأشهرها مطعم ملتقى النّهرين.

أمّا أبرز المؤسّسات الكبرى والذائعة الصّيت في تنورين فهي مستشفى حكومي في تنورين التحتا.

آثار من حقباتٍ مختلفة

وفي تنورين عدد كبير من الآثار التي تعود إلى الحقبات الفينيقية والرومانية واليونانية والمسيحية، نذكر منها:

– نقوش على الصخر في وطى حوب، تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، عليها تمثال رجل ضخم يتوسط شخصين صغيرين.

– دير مار أنطونيوس في حوب، يحفظ بقايا معبد ورسـوم فينيقية.

– كما عُثر عام 1936 على بقايا هيكلٍ بحجارةٍ متقنة النحت وجرن كبير كان يستعمل لحفظ دم الضحايا يتوسط فسحة مبلّطة حولها مقاعد من الحجر.

– كما وجدت بين الأنقاض، أيقونات نقش عليها اسم الإسكندر المقدوني ورسم الإله القديم المشتري، يحمل رمز الصاعقة في يمينه وصولجانًا في يساره. وأخرى كتب عليها «اسكندر الملك والإله والأب العطوف»، إضافة إلى رسوم نسرٍ ورأسَي رجلٍ وامرأةٍ مع كلِمَتَي «إلهان أخوان».

– فيها أيضًا كتابات رومانية تمجّد القيصر أدريانوس، وأخرى تحذّر من قطع أنواعٍ معيّنةٍ من الأشجار.

– إضافةً إلى حمّاماتٍ وبيوت صحّةٍ، وحصونٍ مشيّدة لحماية القوافل من غزوات البدو.

– وفي تنورين آثار حائطٍ رومانيٍّ يشكّل اليوم حدًا فاصلًا بين تنورين والعاقورة.

– كما بنى فيها الرّومان أيضًا مرقبًا يعرف بمرقب عيتموت، وكان هذا البناء يطلّ على ما يجاور تنورين ليتصدّى لمن يقدم على قطع الأشجار.

أمّا الآثار اليونانية، فهي عبارة عن: أيقونات عليها رسم الإلهة إيزيس حامية الملاحة، لها قرنان وتحمل في يدها شـراع نفخة الريح، وكتب عليها بالأحرف اليونانية بيبلوس.

تحوّلت تنورين في أواخر القرن الخامس الميلادي إلى بلدةٍ مارونيّة، فانتشرت فيها الكنائس والأديار، نذكر منها:

– دير مار أنطونيوس حوب: يقع على رابيةٍ في منطقة حوب، تشرف على وطى حوب وأجزاء من تنورين وشاتين، شُيّد سنة 1749، وانتقل إليه رهبان من الرهبانية اللبنانية المارونية سنة 1785، وقد شيّد على وقفية للشيخ سليمان أبو نصر الهاشـم العاقوري الذي وهبها للرهبان سنة 1700، وقد تسلّمت الرهبانية هذه الوقفية بشكلٍ نهائي سنة 1748.

– أضف إلى ذلك ثلاث وقفياتٍ أخرى وهبها للرهبانية كلّ من أمّ فضل وأولادها، الأمير يوسف شهاب ووقف مار ضومط الذي تسّلمته الرهبانية من أهالي البلدة.

– أمّا ما يحكى عن وجود دير حوب قبل التاريخ المذكور، فهو عبارة عن بناءٍ صغيرٍ كان مؤلّفًا من كنيسةٍ صغيرةٍ وغرفةٍ سكنيّة، ويقال إنّه كان مبنيًا على أنقاض كنيسةٍ قديمة، لكنّ هذا الدّير ألغي عام 1787، ليحلّ مكانه دير مار أنطونيوس الحالي.

– كنيسة مار شليطا: أثرية من الفترة الصليبية.

– كنيسة مار سركيس: أثريّة بيزنطية، كانت ذات ثلاثة أسواقٍ ودهليزٍ ومرصوفةً بالفسيفساء، شيّدت بقرب كنيسةٍ جديدة.

– كنيسة مار أنطونيوس الجديدة.

– محبسة القديسة بربارة.

– كنيسة سيّدة الانتقال في وسـط تنورين الفوقا.

– دير راهبات العائلة المقدّسة المارونيات، الذي يحوي كنيسـة سيّدة العتيقة في حرمه.

– محبسة مار سركيس.

– كنيسة مار بطرس.

– كنيسة مار ميخائيل.

– كنيسة مار جرجس.

– دير مار ماما.

– معبدا سيّدة حريصا القديم والجديد، ومن هناك انطلقت تسـمية سيّدة حريصا.

الطبيعة الخلّابة

ومن ناحية طبيعتها، فحدِّث ولا حرج عن جمالات تنورين.  فمساحتها الشّاسعة وتضاريسها المتنوّعة وطقسها الجبليّ، عوامل تجعلها أرضًا خصبةً جدّا، تغزوها الخضرة، وتنتشر في أرجائها الأشجار.

وأشهر معالمها الطبيعية، اثنان:

– غابة أرز تنورين: التي تعتبر الأكبر مساحةً وكثافة أشجارٍ على صعيد لبنان.

– بالوع بلعا: المعتبَر الأجمل عالميًا، والمعروف بـ «بالوع الجسور الثّلاثة».

سكّانها وعائلاتها

عدد سكّان تنّورين اليوم يناهز 16000 نسمة.وكما تبيِّن الآثار، فإنّ النطاق الجغرافي لتنورين كان مأهولًا منذ العصور الفينيقيّة والرّومانيّة.

ولكنٍ لا يوجد أيّ دليلٍ قاطعٍ على أنّ هذا الوجود كان متواصلًا أو منقطعًا.

الثابت أنّ عدّة عائلاتٍ كانت تسكن تنورين في القرن الثالث عشر (للميلاد) قبيل حملة المماليك على جبل لبنـان؛ وأبرز تلك العائلات: مطر وغوش وشمعون وحريق وصدقه ولايا، وبعد الحملة بقيت عائلات غوش ومطر ورعيدي (آل رعيدي من سلالة آل مطر)، إذ أنّ الكثير من أحفادهم لا يزالون في نطاق تنّورين. أمّا باقي العائلات المتواجدة حاليًّا في تنورين، فمعظمهم من سلالة جرجـس أبي قرقماز الثالث، الجدّ الفعلي لأكثر من 60% من أهل تنّورين.

وإلى هؤلاء، تضمّ تنورين أيضًا العديد من العائلات، التي قدِمت من عدّة قرىً وبلداتٍ لبنانيّة والعائلات الحاليّة في تنورين عددها خمسًا وعشرين، وهي: حرب، مراد – الشاعر، يونس، طربيه، داغر، مطر، غوش، رعيدي، يعقوب، كرم، كسّاب، قمير، فضّول، بكاسيني، عقيقي، فاضل سركيس، أبي عبده روفايل، أبي خليل، آل الهاشم، بشارة، خوري، عاقوري، عزيز ابراهيم، عنكسوري، زغيب. وفي معظم هذه العائلات أجباب.

إنّ جولةً في تنورين، لمتعة للباحث عن الرّاحة في أحضان الطبيعة والاستكشاف في أرجاء المعابد والهياكل القديمة.

Loading...