عن «جامعة البلمند» وطرابلس «المدينة»

«تقدم، نمو، نجاح، إنجازات، إبتكار، وثقة». هذه هي الشعارات التي كُتبت باللغة الإنكليزية على يافطات كبيرة، ورُفعت على جوانب شوارع الحرم الرئيس لجامعة البلمند، في قضاء الكورة، في لبنان الشمالي، وجاء ذلك قبل الإحتفال بذكرى تأسيس الجامعة الثلاثين، الواقغ في 4 حزيران لعام 1988.
لقد أسس البطريرك هزيم، (1920-2014)، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، جامعة البلمند. وقد إعترفت الدولة اللبنانية، رسمياً، بالجامعة، في 4 حزيران 1988، بالمرسوم الرقم 4885.
وتجدر الإشارة هنا، إلى ان البطريرك هزيم، كان قد ألّف لجنة من قادة الأرثوذكس في العام 1983. وكان الرأي السائد، لدى أعضاء اللجنة، ان تُبنى الجامعة في بلدة المنصوريّة، في قضاء المتن، لأنها قريبة، إجمالاً، من بيروت العاصمة.
إلاّ ان البطريرك أصرّ أن تقام الجامعة على تلة البلمند، حيث الدير الأثري والتاريخي. ونجح في ذلك…
حرم البلمند نصف مليون متر مربع
لقد تم بناء حرم جامعة البلمند الرئيس على مساحة من الأرض الصلبة، تصل إلى نصف مليون متر مربع، خصّصته له البطريركية الأرثوذكسية. وتطل الجامعة، من على تلة البلمند، على مدينة طرابلس الأثرية والتاريخية، وكذلك على الشاطىء الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وتبعد عن طرابلس نحو 10 كيلومترات.
وتجدر الإشارة إلى ان البطريركية تعتبر جامعة البلمند، بمثابة هديتها الإنمائية والحضارية إلى لبنان، وإلى الوطن العربي، وإلى بلدان الإنتشار كافة.
الجامعة تتوسع لبنانياً وعربياً
ولقد أدّى نجاح جامعة البلمند، في الحرم الرئيس، إلى توسّعها وإمتدادها على صعيد لبنان، ثم إمتدت إلى الإمارات العربية المتحدة.
والآن نذكر بالإيجاز، فروع الجامعة:
في عكار، لبنان الشمالي، أسست الجامعة «كلية عصام فارس للتكنولوجيا»، وتلبي هذه الكلية الإحتياجات الخاصة لمحافظة عكار، وسائر المناطق الريفية، في لبنان الشمالي.
وفي سن الفيل، في قضاء المتن، إنضمت كلية «ألبا»، أي الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، إلى جامعة البلمند، وكانت أول مؤسسة وطنية لبنانية للتعليم العالي في بيروت، حيث تأسست عام 1937، وكان مؤسسها، ألكسي بطرس، وتهدف إلى إنماء ذوق الشباب اللبناني في كافة أنواع الفنون، وتضم وحدها 25% من جملة الطلبة في كافة كليات الجامعة، وذلك للعام 2016.
وأسسّت الجامعة فرعاً في منطقة سوق الغرب، في قضاء عالية، وجاء ذلك في إطار تلبية إحتياجات الطلبة، في المنطقة.
وفي منطقة الأشرفية، في بيروت، أسست الجامعة كلية القديس جاورجيوس للإختصاصات الطبية، وكلية الطب والعلوم الطبية، في العام 2000، بالتعاون مع مستشفى القديس جاورجيوس.
وأما في خارج لبنان، فافتتحت الجامعة فرعاً لها في دبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث بدأت الدراسة فيه عام 2017.
تطور عدد الطلاب
وتشير الأرقام، إلى أن عدد الطلاب آخذ في الازدياد خلال العقود الثلاثة الماضية، ففي العام الدراسي الأول 1988-1989، مثلاً، كان عدد الطلبة 135، وإرتفع العدد في عام 2000-2001 إلى 2124، وفي العام 2010-2011 إلى 4850، وفي عام 2017-2018 إلى 5675 طالباً وطالبة.

توزع الطلاب على المناطق
والسؤال الآن، من أي مناطق في لبنان وغيره، يتوافد الطلبة إلى جامعة البلمند؟
تشير الأرقام، إلى توزع الطلبة في الحرم الرئيس بالكورة، في السنة الدراسية 2016-2017:
- محافظة لبنان الشمالي: 55%.
- محافظة بيروت: 19%.
- محافظة جبل لبنان 11%.
- محافظة البقاع: 2%.
- محافظة الجنوب: 2%.
- مناطق خارج لبنان 11%.
ومن حيث الجنسية، بلغت نسبة الطلبة كالآتي:
- من اللبنانيين: 89.44%،
- والطلبة العرب: 5.29%،
- والطلبة من بصلدان أخرى 5.27%.
وذلك حتى فصل الخريف لعام 2017.
الجامعة وطرابلس
ولا بدّ هنا من الإضاءة على علاقة الجامعة بطرابلس، فلقد احتلت «الفيحاء» مكانة عالية جداً في فكر الرئيس البروفيسور ايلي أديب سالم، الذي ترأس إدارة الجامعة منذ عام 1993 حتى استقالته مؤخراً.
ولقد تجلّى عشقه لمدينة طرابلس، الأثرية والتاريخية، والعاصمة الثانية للجمهورية اللبنانية، بإصدار مجلد ضخم وقيّم، بعنوان «طرابلس مدينة كل العصور»، أصدرته الجامعة في الطبعة الأولى عام 2011، وهو مؤلف من 252 صفحة من القطع الكبير، وهو باللغتين العربية والانكليزية، ويُعد هذا الكتاب من أهم الكتب التي أصدرتها الجامعة وعددها 127 كتاباً خلال 30 عاماً.
ويبدو ان حب الرئيس سالم، لمدينة طرابلس، يعود إلى أنه درس في مدارسها عندما كان مراهقاً. وقال إنه يتوق إلى «زيارتها والسير في شوارعها وأزقتها وإرتياد مطاعمها الشعبية المميزة».
ويضم الكتاب، فيما يضم: المراكز الثقافية، والجامعات، وتاريخ المدينة، والقلاع، ودُور العبادة، والأسواق والحمامات والمقاهي، والحرف، والمهن التقليدية، وغيرها. وأنجز التصوير لهذا الكتاب الفنان الراحل ماريو سابا.
وجاء في مقدمة الكتاب التي كتبها د. ايلي سالم:
«منذ مجيئي إلى جامعة البلمند، كرئيس لها في مطلع التسعينات من القرن المنصرم، وأنا أنظر من على هذه التلة البلمندية الخلابة إلى مدينة طرابلس، التي دَرست فيها خلال سني المراهقة، والتي أتوق إلى زيارتها، والسير في شوارعها وأزقتها، وارتياد مطاعمها الشعبية المميزة.
كنت أفكر دائماً بوضع كتاب يُعرِّف عنها، كتاب مصور يشد القارىء إليها، صور تتكلم ببلاغة الصمت، عن هذه المدينة، العريقة، المعروفة بالنسبة إلى التاريخ، منذ أن دُوّن التاريخ.
لقد راجعت العديد من الكتب الموضوعة عن طرابلس، الأركيولوجية منها، والتاريخية، والجغرافية، والسياحية، لكنني وجدتُ ان هذه الكتب، مع أهميتها ورصانة، ما جاء فيها، لا تعطي عن المدينة الصورة الثقافية المتعددة الأوجه التي تميزها، فكان القرار بأن تتبنّى جامعة البلمند، إصدار كتاب خاص عن طرابلس، بروحية جامعية تستحقها منا الفيحاء، كتاب يتكلم من خلال الصور، كتاب تطل طرابلس على محبيها من خلال شعبها وأبنيتها وشوارعها، ومساجدها، وكنائسها».
«طرابلس محط أنظاري منذ طفولتي»
يتابع د. سالم: «يتكلمون عن طرابلس، كالعاصمة الثانية للبنان، بعد بيروت، ويسمونها المدينة الثانية، قبل صيدا وصور وغيرهما من المدن. أما بالنسبة إلي، فطرابلس هي المدينة، هي العاصمة، هي محط نظري منذ طفولتي. كنت أسمع المرحوم والدي يقول: «لننزل إلى المدينة». ولا حاجة للتسمية، لأن المدينة هي: طرابلس.
من فضائل التاريخ عليّ، أنه أوجدني في الكورة وقادني إلى وضع كتاب عن المدينة. كما وفقني الحظ ان أجد، من بين أصدقائي وزملائي، المجموعة المؤهلة لدعم قراري بإنجاز هذا الكتاب، وإخراجه على أجمل شكل. وفي هذا السياق، أتقدم بعمق الشكر للدكتورة الأستاذة هند أديب، أستاذة الأدب العربي في الجامعة اللبنانية، التي عملت إلى جانبي، فقامت ببحث معمّق، وضعت على أثره تصميماً للكتاب، ومقدمة عامة ترشد القارىء إلى طرابلس، ماضياً وحاضراً.
وبما أن هذا الكتاب هو كتاب فني بالدرجة الأولى، فالفضل في ذلك يعود إلى الفنان ماريو سابا، الذي عمل ليلاً نهاراً، لالتقاط آلاف الصور عن المدينة، في فصول مختلفة ومن جوانب عديدة، اخترنا منها القليل، مما يتسع له الكتاب. ومن المؤلم لنا جميعاً بأن ماريو سابا قد فارق الحياة قبل شهر من إصدار هذا الكتاب، بعد أن أكمل مهمته الفنية الطرابلسية.
وفي انتقاء الصور وإختصارها، صعوبة، خاصة أنني تجنّبت – وهذا ليس سهلاً عليّ – التكلم عن الجامعة، التي أرأس، والتي أحب، ذلك لأن الجامعة تقع خارج حدود طرابلس الجغرافية، على الرغم من أنها الجامعة الطرابلسية بامتياز، إذ تستقطب أعداداً كبيرة من شباب وشابات الفيحاء.
آملاً، ان يلقى هذا الكتاب استحسان الطرابلسيين، الذين يفخرون، عن حقّ، بتاريخهم وتراثهم وواقعهم» .
إيلي أديب سالم
طرابلس: مدينة جامعية ومركز ثقافي
وبالإضافة إلى ما كتبه رئيس الجامعة، بالنسبة لموقع طرابلس المميز في حياته، منذ أن كان طالباً في مدارسها، إسمحوا لي ان انشر القسم المتعلق بالمراكز الثقافية والحُرُم الجامعية في مدينة العلم والعلماء، كما جاء حرفياً في كتاب «طرابلس مدينة لكل العصور»: «حملت طوال تاريخها هموم الثقافة والمعرفة وإنجازاتها لم تتوقف طرابلس يوماً عن أداء رسالتها السامية، بل استمرت، وعلى الرغم من الظروف والمحن، في لعب دورها الثقافي والمحافظة على موقعها، كصرح ينقل العلم من جيل إلى آخر. طرابلس، خزّان للمعرفة، إذ إنها تحتضن مراكز ثقافية، ومدارس، وجامعات مشهود لها بجدّيتها، وهي، بذلك، مدينة اللامركزية التربوية بامتياز. وقد تمكّنت من بلوغ الاكتفاء الذاتي، مانحة لشبابها إمكانية الحصول على أعلى الشهادات الجامعية.
وخلال عقود قليلة، وفي خضم المحن التي أصابتها، تحوّلت طرابلس، بجهد أهلها المتواصل وإرادتهم الصلبة، إلى مدينة جامعية ومركز ثقافي يؤمّها، من كل أنحاء لبنان والعالم العربي، كل طالب علم، وكل باحث عن الثقافة والفن»