«ثانوية روضة الفيحاء» ووسام المواطنة للشباب لسنة 2018

كان لا بد لـ «التمدن» من التوجه إلى «ثانوية روضة الفيحاء» لهدف جديد، تميز بالرونق الاجتماعي العام، يوم استجابت لمشروع السفارة الفرنسية: Prix du civisme pour la jeunesse – Année 2018 في مباراة طلابية بين المدارس على صعيد خدمة المجتمع، على كامل الأراضي اللبنانية.
يُذكر أن «ثانوية روضة الفيحاء» هي من ضمن سلسلة: Label FrancEducation التي تنظم أعمالها تحت رعاية السفارة الفرنسية بشكل مباشر، وبناء عليه وُجهت إليها الدعوة من قبل المؤسسة الوطنية لأعضاء النقابة الوطنية للجودة والكفاءة (L’association Nationale des membres de l’ordre national du mérite)، للمشاركة بالمباريات الطلابية لتلاميذ الصفوف الثانوية، وتهدف هذه المباراة المسماة «Prix de civisme pour la jeumesse» إلى مكافأة مبادرات المواطنة المميزة، التي ترتكز على زرع مبادىء الشجاعة، الأعمال البطولية، حب العطاء بلا مقابل، التفاني، الكرم، توحيد الجهود، التطوع وواجب التذكير بالواجبات.

عندما طُرح هذا المشروع على «ثانوية روضة الفيحاء» قامت المديرة التربوية الدكتورة رشا الجزار بالتوجه إلى رئيسة القسم السيدة ريما القيسي التي وكلت الآنسة إيمان عرب بالإشراف الكامل على ترميم وتأهيل وفرش خمسة بيوت في أحد الزواريب تحت قلعة طرابلس، بعد استشارات جرت مع الطالبات لاختيار هذا المشروع، حيث لا تتوفر في هذه البيوت أدنى الشروط الصحية اللازمة، وبالتزامن مع ذلك، اقترحن تأمين أبواب الرزق لتوفير حاجات يومية لأكثر من خمسة وعشرين شخصاً من ضمنهم خمسة عشر طفلاً. فأظهرت الطالبات تبنياً جدياً وإخلاصاً في العمل وقد كرسن جهودهن وأوقاتهن المدرسية والخارجية في خدمة تحقيقه وإنجازه، بكل جوارحهن وكفاءاتهن العالية.

وتُشكر السيدة فضيلة ذوق قمرالدين وجمعية «رعاية الأطفال» التي أرشدت فريق العمل على المكان الأكثر حاجة للمساعدة (طلعة الزعبية وتحت السباط) لخبرتها الواسعة في العمل الخيري في الأحياء الشعبية.

المديرة التربوية لثانوية روضة الفيحاء: «أبناؤنا اعتادوا على تخطي التحديات»
أمام ضخامة هذه المسؤولية، توجهت المجلة للقاء الدكتورة رشا جزار، التي ذكرت ان الإدارة شجعت مديرة القسم والمشرفة على المشروع والطالبات على المضي في هذا العمل على الرغم من الأعباء المتوقعة مادياً وعلى مستوى الجهد المبذول والوقت المتاح. لكن أبناءنا اعتادوا على اختيار التحديات الكبرى وهو بحد ذاته يؤشر على نجاح «ثانوية روضة الفيحاء» في بناء شخصية الطالب القيادية والشخصية في علاقته مع المجتمع والحياة.
كل ذلك كان بإشراف مديرة القسم ريما القيسي، والمشرفة إيمان عرب اللتين تابعتا ميدانياً تنفيذ هذا المشروع بحذافيره وبكل خطواته وأدق التفاصيل ولو في وقت متأخر من الليل.

لقد قمنا بتقديم كل التسهيلات اللازمة داخل المؤسسة وخارجها، إن لجهة جمع التبرعات كما في الـ Bakesale، أو في وضع سيارات المدرسة في خدمة الطلاب، والسماح لهم بتنظيم الإفطارات خارج المدرسة، أو من خلال تمهيد العلاقات مع المجتمع المدني للتواصل مع رجال الأعمال والتجار والمقاولين والمهندسين والبلدية. فتكاليف تأهيل البيوت الخمسة وصلت إلى ما يفوق الخمسة وعشرين ألف دولار، ناهيك عن التبرعات العينية التي سرعت إنهاء هذا العمل الشاق.
بدأ المشروع صعباً وكبيراً، لكن اندفاع الطالبات وقدراتهن في جمع مبالغ إضافية، جعل المشروع يتوسع من ترميم ثلاثة بيوت إلى خمسة بتبرعات جاءت من أسر الطلاب أولاً ثم من أبناء طرابلس الخيرين ورجال الأعمال والمقاولين، الذين تربطهم بـ «ثانوية روضة الفيحاء» علاقة ود واحترام. فنحن مؤسسة مستقلة إدارياً وتربوياً وهذا من الثوابت التي لا يتخلى عنها مجلس الأمناء، كما أننا في تواصل إيجابي مع كافة شرائح المجتمع، ليأخذ هذا العمل بُعده التربوي والاجتماعي المطلوب.
ريما القيسي: المشروع توّج كعمل إنساني متكامل تخطى فكرة الجائزة
وتقول المديرة ريما قيسي: لقد شعرنا بالقلق في بادىء الأمر، خصوصاً أن البيوت المستهدفة بالترميم تتواجد في منطقة أثرية، مما يضع أمامنا مجموعة من القيود والمحاذير، التي يجب ان نحترم؛ الأمر الذي فرض تكاليف إضافية.فقد قدمت لنا السيدة رندة قاوقجي، مديرة «لجنة الآثار في الشمال»، المعلومات اللازمة وسهلت لنا الحصول على التراخيص المطلوبة وهي مشكورة، وأخص بالشكر بلدية طرابلس المتمثلة بشخص رئيس البلدية الأستاذ أحمد قمرالدين، على مساعدته المادية والميدانية، فقد تبرعت البلدية بمجموعة من الأدوات الكهربائية، كما وضعت بعض آلياتها في خدمة المشروع لإزالة الردميات من محيط العمل.
كان لهذا المشروع أثره الطيب على التلاميذ، فقدم لهم، إلى جانب التسهيلات المقدمة من المدير العام الأستاذ مصطفى المرعبي والمديرة التربوية د. رشا الجزار زكريا، مهارات عديدة مثل: دقة التخطيط وإحكام التفاصيل والصبر والتفاؤل بالإنجاز والتواصل مع الآخرين، مما كان له قيمته المضافة على تحصيلهن الدراسي، حتى ان هذه المشاعر الإيجابية عمت الطلاب كافة في جميع المراحل والأقسام فمدوا سبل التعاون أو المساعدة لزميلاتهم وشجعوهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الدعوة إلى جمع التبرعات مما أظهر تنافساً إيجابياً كل حسب موقعه وقدراته.
لا ننسى الدور المهم للمهندسة ندى العمر، التي تبرعت بجهدها في الإشراف على خرائط المشروع والأعمال الميدانية للترميم. فكانت طرابلس كلها في ورشة عمل اجتماعي خيري لإنجاح هذا العمل.

المشرفة على المشروع إيمان عرب: جيل اليوم كفيل بالثقة لمستقبل أفضل
عند سؤالها عن الصعوبات التي واجهتها في عملها، تجيب المشرفة المباشرة على المشروع إيمان عرب عن ردة الفعل الأولى لدى الطالبات حين رأين الوضع المأساوي لمجموعة تتألف من خمسة وعشرين فرداً يعيشون في منزل واحد، لقد بكين وتفاجأن بحجم المسؤولية المطلوبة لإنقاذ هؤلاء بعزم إرادتهن وشجاعتهن واندفاعهن، فصار العمل كما في خلية نحل، حيث تتالت النشاطات داخل المدرسة وخارجها، في تنظيم عمليات بيع قوالب الحلوى التي صنعنها في منازلهن، وعدن منها بأرباح ممتازة. كذلك شاركن في تنظيم إفطار في «دار القمر» خلال شهر رمضان، ما زاد في جمع المبالغ بشكل متصاعد وكبير.
كما لجأت بعض الشابات إلى صناعات يدوية خفيفة جنين منها مبالغ إضافية ما كانت في الحسبان، ساعدت في تنمية قدراتهن على اقناع المجتمع من حولهن في تسويق المشروع. كان عامل الوقت ضاغطاً بالنسبة لنا، فاضطررت للتواصل مع جميع الفرقاء وترتيب حسن تواصلهن بعضهن مع بعض، وفجأة وجدت نفسي على احتكاك مباشر بالورشات خصوصاً مع السكان الذين خافوا رمي أغراضهم المهترئة، فاستوجب ذلك مني دعمهم النفسي الدائم وتأكيدي لهم، عبر زياراتي اليومية واتصالاتي المتكررة، أننا فعلاً سنقوم بشراء البدائل المناسبة الجديدة تعويضاً عن حاجاتهم القديمة. فتم فرش البيوت الخمسة «من الباب حتى المحراب».
أخيراً وبعد تعرضنا لتلك الشدة المتمثلة بإلزامية التعاطي مع كل المتعهدين، لحسن تنفيذ العمل الميداني هناك والتي لازمتنا ما يزيد على الأشهر الثلاثة، تكلل هذا المشروع بالإنجاز قبل التاريخ المحدد من قبل المؤسسة الفرنسية، الذي وافق ليلة عيد الفطر، فشعر سكان هذه البيوت الخمسة الصغيرة بفرحة العيد في البيت الجديد.
في النهاية أحب ان أنهي كلامي بشهادتي لهذا الجيل الصاعد بأنه كفيل بالثقة وجدية الوعود، مثمر بالأخلاق السامية والكرم بالعطاء وجودة العمل، وهو يستحق منا كل التقدير ويشعرنا بالأمان بوجود هذا النموذج من الشباب لمستقبل أفضل.
نماذج من إنجازات الطلاب
قبل وبعد عمليات الترميم والتأهيل وتأثيث البيوت
