طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أوجه الشمول في التربية الكلية

كفايات تكوينية (بنائية – إنمائية) لشخصية الناشىء

بعد أن أوضحنا مكونات الشخصية البشريبة (في المقال السابق) لا بد من تحديد العوامل المؤثرة في هذه المكونات، والعاملة على: تكوينها وبنائها وإنمائها. لكن قبل ان نشرع في ذلك، نتوقف أمام كلمتين وردتا في العنوان أعلاه: الكلية والكفاية.

نبدأ بالكلية منطلقين من دلالة الكلمة لغوياً. جاء في لسان العرب، والوسيط:

– الكل: اسم يجمع الأجزاء.

– والكلي ما يُنسب إلى الكل أو يُطلق عليه،

– والكل أيضاً اسم موضوع لاستغراق أفراد المتعدد أو لعموم أجزاء الواحد على انه كل.

– كلية الشيء: يقال: أخذه بكليته أي أخذه بأجمعه.

– والكلية: هي مدرسة تعلم جميع أو مختلف العلوم.

من هذا التعريف اللغوي نرى أن تفكير الإنسان تفكير كلي إجمالي، فهو يُدرك الأشياء بكليتها ثم يحللها إلى أجزائها، ثم يلاحظ الجزء الواحد، وهذا أسهل عليه من ملاحظة الكل، بعد الانتهاء من ملاحظة الجزء ينتقل إلى غيره ثم غيره… وأخيراً يجمع هذه الأجزاء في عملية تركيبية، ليؤلف منها كلية أو قاعدة عامة.

وقد قدمنا مثلاً واقعياً لتفكير الإنسان الكلي أو الإجمالي في المقال السابق تاركين أمر التفصيل عنه إلى المقال اللاحق. ولكن لا بأس من تقديم مثل آخر في هذه العجالة:

إنسان يرى شجرة، فيلقي نظرة كلية إجمالية عليها فيعرفها بكليتها على أنها شجرة، ثم يبدأ بتأملها وملاحظة أجزائها جزءاً بعد جزء: جذعها، أغصانها الكبيرة المتفرعة عن الجذع، وأغصانها الصغيرة المتفرعة عن الأغصان الكبيرة، وأوراقها، وأثمارها… مع وصف كل جزء وتحديد وظيفة كل جزء، فهذه التجزئة للكل وهذا التفريع لمكونات الكل، ضروري في التربية الكلية وخصوصاً المعرفية منها. وإن كانت مدرسة «الجشتالت»، وهي التي اكتشتفت التفكير الكلي، لا تؤمن بهذه التجزئة، لاعتقاد أربابها أن التجزئة تأتي على رونق الكل، فمن يسمع أغنية صدر حكمه عليها على أنها كلّ، فيستحسنها أو يستقبحها أو يستوسطها من دون أن يجزئها إلى: كلمات، ولحن، وأداء، وصوت، وإحساس الخ…

أما عن الكفاية فقد تداولها المربون منذ مدة قصيرة، وتحدثوا عنها طويلاً، حتى صارت تُطلق عشوائياً من دون تدقيق في مدلولها، فاختلفوا حول أمرين فيها حول صحة تعريبها عن الفرنسية (Competence) ثم اختلفوا حول مدلولها، وتساءلنا وسألنا: أهي هدف وغاية نسعى إلى تحقيقهما؟ أم هي نتيجة لاكتساب معلومات معينة بصورة كافية؟

وأخيراً استخلصنا مفهوماً دلالياً لكلمة من مجموعة آراء جمعناها وكوّنا منها تعريفاً، منطلقين من المبادىء التربوية السابقة واللاحقة والتي تدور كلها حول الكل والشمول، لذلك لا بد من أن تكون «الكفاءة» (كما وردت في مجلة الطفولة الكويتية) أو «الكفاية» ذات بعد كلي شمولي.

هناك إجماع شبه تام على أن «الكفاءة» أو «الكفاية» عبارة عن مجموعة من القدرات والمهارات والأهداف يكتسبها الناشىء فتؤثر في شخصيته وتُسهم في تكوينها وإنمائها من جهة، ومن جهة ثانية تمثل مستوى من الوعي ودرجة من الإدراك الفكري يستطيع معها الناشىء توظيف مختلف أنواع القدرات والمهارات المكتسبة، والأهداف المعرفية وخصوصاً اللغوية منها، والرياضية، والتواصلية بتنوع وضعياتها، في مجالات الحياة المتعددة (سيتم التركيز على الأهداف في الكفايات المعرفية اللاحقة) نعود إلى التحدث عن الكفايات المهمة في تكوين شخصية الناشىء وإنمائها.

1- كفاية التواصل اللاعلائقي الإنساني

لهذه الكفاية منزلة رفيعة في مجال التربية الكلية إذ عليها تبنى سائر الكفايات، وتتمثل في الاتصال المباشر الذي يتم بين اثنين أو ثلاثة أو مجموعة من الأشخاص، وعلى مستوى هذه العلاقة القائمة بين المتواصلين، يرتكز نجاح أو فشل هدف التواصل. وللتواصل وضعيات مختلفة ومستويات متغيرة، ولا نغالي إذا قلنا إن التواصل  الناجح هو أساس نجاح العملية التربوية برمتها، لأن التواصل الهادف إنمائياً يحتاج إلى: شفافية في العلاقة، كما يحتاج إلى تعاون، والتعاون الناجح يفرض تبادل المحبة، والمحبة تستدعي التسامح، فبالتواصل التعاوني والمحبة والتسامح نبني إنسانية إنسان، وبها تتوزان شخصيته وتتكامل. وفي هذا النوع من التواصل الإنساني يأتي دور اللغة ثانياً، فالدور الأول فيه يكون للعواطف النبيلة والسلوك المثالي.

مستويات التواصل

وسنذكر بعض مستويات هذا النوع من التواصل:

– تواصل بين قطبي العملية التربوية: (المعلم والناشىء)، الناشىء باعتباره محور العملية التربوية والمعلم بصفته موجه هذه العملية ومنظمها. وينقسم إلى قسمين:

– تواصل إنساني علائقي وهو ما يهمنا هنا.

– وتواصل هادف إلى إكساب كفايات وأهداف معرفية سنتحدث عنه لاحقاً.

– تواصل اجتماعي يبدأ بين التلاميذ بعضهم مع بعض، وينتقل إلى تواصل في الأسرة ثم إلى تواصل اجتماعي واسع.

لا يمكننا الفصل بدقة بين التواصل الإنساني والتواصل التعليمي إذ من المفروض تربوياً ان يتكاملا، فالثاني يرتبط نجاحه بنجاح الأول، وليس العكس صحيحاً بالضرورة. ولكن لا بد من التوقف عند المعلم منظم العملية التواصلية مع الناشئين في الصف، لذلك سنصنف ثلاثة مستويات من التواصل، بالنسبة إلى المعلم، لأنه هو المبادر إلى هذا التواصل.

أ- التواصل الإكراهي

ويمثله ذلك المعلم الذي سُدت في وجهه أبواب الرزق فلم يحصل على وظيفة «تليق به»، فلجأ إلى التعليم ليكون جسراً يعبر عليه إلى وظيفة أرقى. فهذا المعلم طارىء على التربية أتى إليها مكرهاً فيؤدي عمله مكرهاً، تحكمه نظرية: «بديك وبلا ديك بدو يطلع الضو»، أي انه إذا اشتغل أو لم يشتغل سوف يقبض معاشه في آخر الشهر، فهذا التواصل السيء ينعكس سلباً على التلاميذ ويسبب ضرراً لهم، إذ يكرهون المعلم ويكرهون المادة التي يُعلمها، ويكرهون المدرسة وقد يتخلون عنها ويهجرونها.

ب- التواصل الواجب أو الموجب

ويتمثل بالمعلم الذي يقوم بواجبه التعليمي، ولكن كأنه آلة تسجيل تخرج الكلمات من بين شفتيه جامدة لا حياة فيها، مكتفياً بالتواصل الوظيفي. وهذا أيضاً لا يعوّل عليه في تحقيق أهداف التربية الشاملة.

ج- التواصل الشفاف

ويمثله المعلم المربي الذي يعيش الكلمة وهو يتلفظ بها، وتخرج من قلبه نابضة بالاحساسات والمشاعر فتصل إلى آذان التلاميذ وتلامس مشاعرهم. هذا هو المعلم الذي يُطلب منه كي يكون مربياً مثالياً، ولا بأس من تعداد ما يجب ان يتصف به:

أن يُقر بمبدأ التساوي بينه وبين التلميذ، على الأقل، بالصفة الإنسانية الجامعة بينهما، فيتخلى عن النظرة الفوقية المتعالية، وعن الشعور أنه القائد في الصف وهو الحاكم المسيطر.

هذه النزعة التسلطية لا مكان لها في التربية الشاملة الكلية، فكما يريد المعلم ان يحترمه التلميذ، عليه هو أن يبادله هذا الاحترام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.