«أطوار العمران» بين قلعة طرابلس ومعرضها

كل من زار معرض «أطوار العمران» الذي ينظم توازياً بين معرض رشيد كرامي الدولي وقلعة طرابلس، يدرك من اللحظة الأولى أنه أمام عمل فني مختلف، سواء من حيث الشكل أو التقديم أو المضمون. ثقافتان مختلفتان تتكلمان لغة واحدة: لغة الفن والإبداع، وترسلان من طرابلس إلى العالم رسالة مفادها أن هذه المدينة لم تكن يوماً إلا ملتقى للحضارات، ومهداً للجمال والتألق والحوار. حول هذا المعرض، تحدثت لـ «التمدن» مديرة قطاع العزم الثقافي فاديا دوماني، خاصة وأن «العزم» و«مؤسسة ميقاتي» هي الداعم الأساسي لهذه الفعالية الثقافية.
من لبنان إلى المكسيك
في استعراض سريع لبدايات الفكرة، لفتت دوماني إلى أنها وليدة الرغبة في التبادل الثقافي الفني بين «Beirut Art Residence» في لبنان و«PAUS» في «غوادالاخارا» في المكسيك.
ولقد استضافت كل من المؤسستين فنانين ليُقيموا بين البلدين ويستوحوا أعمالاً من قلب المجتمعين. وأثنت مديرة قطاع العزم الثقافي فاديا دوماني على التعاون البنّاء بين مؤسسة منصة Studio Cur/Art القيّمة على المعرض بين لبنان وفرنسا كارينا الحلو، وبين أنيسة تواتي التي كانت تعمل بين فرنسا والمكسيك، الأمر الذي أتاح تشارك وجهات النظر والمقاربات حول موضوع «أطوار العمران»، علماً أن المعرض استغرق 18 شهراً من العمل المتواصل.
وأشارت دوماني إلى أن «الهدف من تنظيم «أطوار العمران» هو الدفع باتجاه التفكير بواقع الإنسانية في عصرنا، بعد أعوام من أوهام التقدّم التي تنذر بالانهيار في حال استمرار وتيرة الإفراط في الانتاج كما هي عليه، إضافة إلى إحياء مشروعٍ معماريّ شكّل منذ القِدم رمزاً مثالياً ومُنطلقاً لبلدٍ جديد»، مضيفة بأن «أهميته تكمن في الإضاءة على الدور الحيوي للفنّ، في كونه مساحةً للتلاقي بين الأفراد والمجتمعات والثقافات، وبالتالي ترجمة الأفكار وقائعَ اجتماعية مترابطة». وتوجهت دوماني بالشكر إلى محافظ بعلبك الأستاذ بشير خضر، ابن طرابلس الذي كان داعماً للمشروع منذ بدايته.
«أطوار العمران» في سطور
يقدم «أطوار العمران» 20 مشروعاً، بينها 9 أعمال فنية مفوضة وأحد عشر عملاً أنجزها فنّانون مشهورون عالمياً من لبنان والمكسيك، تحت إشراف مؤسِّسة منصة Studio Cur/Art القيَمة كارينا الحلو. وقد تواصلت القيّمتان الحلو وتواتي مع عشرات الفنانين بين لبنان والمكسيك، وبعد جوجلة للأفكار والاعمال، اختارتا الفنانين الذين تصب أعمالهم في عمق فكرة «أطوار العمران».
ويضم المعرض أعمالاً لفنّانين لبنانيّين ومكسيكيّين مشاركين، بشكلٍ حصري، في المعرض، وهم: إدغاردو أراغون، علي شرّي، جوزي دافيلا، جوانا هادجي توما وخليل جريج، لمياء جريج، فريتزيا إيريزار، جورج منديز بلايك، داميان أورتيغا، مروان رشماوي، غبريال ريكو، ستيفاني سعادة، روي سماحة، جلال توفيق، وزاد ملتقى، في معرض رشيد كرامي الدولي، وكذلك كلّ من ريان ثابت، هايغ إيفازيان، إيمانويل توفار، وبابلو دافيلا في قلعة طرابلس التاريخية.
لماذا «المعرض» و«القلعة»؟
أما لماذا اختير هذان الموقعان دون غيرهما من معالم طرابلس، فيجيب المنظمون أن الرسالة من وراء ذلك إعادة التواصل بين معرض رشيد كرامي الدولي المقفل أمام الجمهور لفترات طويلة من السنة، والقلعة من جهة، وبين أهالي المدينة من جهة أخرى، إضافة إلى الرغبة في تفعيل الحوار بين فلسفة التاريخ والتراث الذي تمثّله هذه القلعة، وبين الفن الحديث المتمثل في هياكل معرض رشيد كرامي التي بناها أحد أشهر المهندسين المعماريين في القرن العشرين وهو البرازيلي أوسكار نيماير.
إلى جانب المعرض
وبالتوازي مع المعرض، أقيمت أنشطة ثقافية متنوعة تصدرها مؤتمر بعنوان «معرض أوسكار نيماير في طرابلس: إرث حديث في خطر» عقد في متحف سرسق ببيروت، في 27 أيلول الماضي، وتحدث فيه فارس الدحداح المتخصص في الهندسة الحديثة وعضو «مؤسسة نيماير» والمهندس اللبناني برنار خوري. كما نظمت محاضرة في العاشر من تشرين الاول الجاري، عن المهندس المعماري المكسيكي لويس براغان، تحدث فيها خوان بالومار مؤسس جمعية «براغان»، إضافة إلى تنظيم ورشة عمل لطلاب الهندسة في «جامعة العزم» في طرابلس، لمدة ثلاثة أيام بعنوان: «كيف يمكن للهندسة ان تغيّر المدن اليوم».
لذة التحدي
ولم يكن لعمل كهذا ان يمر دون صعوبات وتحديات، في مقدمتها التمويل، الذي كانت مؤسسة ميقاتي الداعم الأول لتجاوزه، وتشجيع الممولين الآخرين على «الإقدام»، على غرار السيد روبير متّى و«بنك بيمو» وشركة «ألفا» ولي بنك Libank.
إلى ذلك، كان لا بد من صعوبات لوجستية تمثلت في الاستفادة من مباني المعرض غير المؤهلة لفعاليات مماثلة، ولكن الرغبة في تقديم عمل مميز، والحافز الكبير لدى المنظمين، كانا كفيلين بتجاوزها.
تجربة أكثر من مشجعة
وفي تقييم سريع للمعرض، يؤكد المنظمون أن الإقبال كان مرضياً جداً من قبل الجمهور الذي تخطى حتى الآن سبعة آلاف زائر من مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى زيارته من سياح أجانب يقصدون طرابلس للمرة الاولى.
كما أثار المعرض الكثير من الكتابات الإيجابية في الصحافة العربية والأجنبية، خاصة لجهة الحركة الفنية التي صنعها «أطوار العمران» في الشمال. كما أثنوا على توظيف مباني المعرض من حيث توزيع الأعمال التي تتناسب مع هوية كل مبنى كما هو حال عمل الفنان زاد ملتقى مثلاً في المسرح التجريبي.
وهنا، يرى المنظمون أنه لا بد من التنويه بالمساعدة السخية من «متحف بيروت للفن BeMA» متمنين أن تكون بادرة خير لتنظيم معارض فنية كبيرة في طرابلس المدينة التاريخية الغنّية بالثقافة والفن والادب.
باختصار، يمثل «أطوار العمران» نقلة نوعية في العمل الفني لجهة تنوع المعروضات وتعدد الهويات الفنية: تعدد يليق بمدينة طرابلس وأهلها الذين يحق لهم أن يقدموه إلى العالم كشاهد على حبهم للحياة والجمال والفن.
