طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

ماريو سابا.. أن تكون «بوهيمياً» في طرابلس العتيقة

من فيلم MAR10 – I’m bored. Aren’t you bored?

MAR10 – I’m bored. Aren’t you bored?

فيلم قصير للمخرج فراس الحلاق تخليداً لذكرى الفنان ماريو سابا وحسب وجهة نظره «تخليداً للمدينة التي ماتت معه» وهو عبارة عن تركيب صور (مزدوجة أحياناً) لماريو وهو ينفذ مجسم الإعصار. ويذكر فراس في صفحته أنَّ العمل مثبت في معرض “In-Prospective” في MACAM. ويقدِّم هذا الفيلم تجسيداً رائعاً لتراث ماريو ، ووصفاً حقيقياً لحياته كفنان، كحالم وكروح حرة ومتمردة. وقد شكرفراس كل من عاونه بإتمام هذا الفيلم ومنهم سعد عباس، ربيع الاحمر، كريستو سابا (الإبن) وشكري حصني الذي يتحدث عن ماريو في هذا الفيلم. وماريو هو مرشد لفراس وللكثيرين من تلامذته  وهو من ألهم فراس بالتوجه إلى  الفنون.

بعض الناس يشكلون إشكالية خاصة في محاولة فهمهم للوجود والدنيا من حولهم، في تحليل مستمر لما حولهم من ثقافات مغايرة تطبع سنوات العمر وبراحات التفكير ومسافات الأحلام وحتى الكلمات، التي تشكل محطات على ألسنة من يلفظها، بلا تدقيق أو تركيز فيما يعبّر عنه، ولكن في الواقع هي نسيجه وإرثه الإنساني والثقافي والديني والاجتماعي، أدرك ذلك منتقدوه أو لم يدركوا…

لقد قرأت عن ماريو سابا الكثير من النقد الممزوج بدهشة الإعجاب والإكبار، فهو تجرأ على ما لم يتجرأ عليه الكثير من فناني عصره، فتوقف عنده النقاد بحيرة، يُظهرون إبداعاته واختلافه، دون المساس بمحاولة فهمه حقاً كإنسان بسيط متجرد عن فنه، يبحث عن هوية خاصة ترتاح لها نفسه.

لقد حاول ماريو سابا أن يدرس علم النفس مثله مثل الكثيرين من الشباب الذين ما إن يحصلوا على الشهادة الثانوية، حتى يكون هذا العلم هو أول ما يخطر بذهنهم، ربما لارتباط علم النفس بمرحلة الشباب والتي فيها يريد المرء ان يفهم فيها نفسه ومحيطه وعالمه بطريقة متجرّدة بعيدة عن العادات والتقاليد والموروثات القديمة والتي تشكل سداً منيعاً في وجه أي تجديد أو تغيير تفرضه الظروف المعاشة، فيبحث الإنسان السويّ عن إجابات منطقية ومفسّرة لهذا الوجود الغامض المليء بالأسرار والأرواح العالقة في فضاءات البلاد، وهي التي تجعل الوجود كله ضغطاً لا يطاق وصيرورة حتميّة نحو الفناء بنظره.

لقد أُعجب الكثيرون بما تبقى في طرابلس من أعمال ماريو وهو »الإعصار« الذي جسد فيه تجميع الحواسيب والآلات المفككة والأسلاك المجموعة، في حركة لولبية متجهة نحو الغرب (بحر الميناء)، وعلى رأس ذلك كله دراجة وحذاء رياضي، مستشرفاً بروحه الشفافة، ذلك الإنغماس الكامل المستقبلي بعالم الكومبيوتر والانترنت، دون ان  يعيش ليرى عالم الفيسبوك والتواصل الاجتماعي وما سيصنعه بهذا العالم سلباً أو ايجاباً.

لطالما رأى ذلك الفنان نصف الكوب الفارغ وأظهر رغبة في تدمير المدينة ليُبقي على أبنيتها فقط ورسمها الخارجي في حلم مزعج تُباد فيه الناس هناك «بقنبلة نتروجينية» كانت تفاجئه ثورته في أحيان كثيرة فيسقط غضبه على شجر نخل تذكره «بالصحراء» فيرفض أمامها أن تحنطه في دلالتها. وبعد أن يعود إلى نفسه الإنسانية، يندم ويحزن عليها لأنها كانت هناك يراها «من لما خلقت». هذا التدمير والتخريب لما حوله، ليس دائماً هو من يفتعله… فشجرة التنابل في منشية طرابلس وقعت بفعل الزمن، بعد مئات ثلاث، فانهار الرجل حزناً متأثراً بكلّ من جمعت حولها من فقراء وبسطاء وهامشيين، وأراد «أن يصبرها» وينقلها إلى الكورة، وكأنه في رثاء لكل ما يشعره بالحنين إلى الماضي والذكريات.

رغم تناقضه… ظل ماريو مبصراً. ورغم كل منهجه وسلوكه العنفي أحياناً، يُشعرك بإحباطه وافتقاده لأن يرى الوجود الصادق والجميل والذي وفى له في باطنه حتى توفي، فلا هو ترك «المنافقين والحرامية» الذين يعيشون دينهم بكلمات «دينية»، تمثل حياتهم المعاشة بين الناس في وضح النهار. لقد تساءل كثيراً عن سبب صيام وصلاة الناس ولماذا لما يزالون يفعلون ذلك؟ في تعبير منه عن خواء وحاجة ملّحة لوجود الإله في حياته. أسئلته تلك كان يطرحها وهو في حالة الإنسان الحزين الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع.

لقد ذهب إلى أبعد أطراف تفكيره وتحليله وتدميره وتكسيره ليرجع بعد ذلك كله إلى جمعه وتلوينه، كأنما يريد أن يخلق عالماً جديداً للناس.

ويسود صمت… مهما كنت فناناً فإن الدنيا ليست لك تقلبها كيفما تشاء… ليس سهلاً أن تعيش ببساطة إلى حد البوهيمية في طرابلس، فتقنع بائعي القهوة انك صحافي يقابلهم في مساءاتهم في الشوارع، أو تقنعك نزوة أن يثمل فنان مع أي ثائر على القوانين والشرائع ليبرر أهواءه الخاصة ثم ليفرضها فرضاً بشكل ممنهج ومقبول للنسق المجتمعي العام. ليست كل حرية أو نزوة مقبولة في طرابلس، هذا ما كان يعرفه ماريو جيداً ويدركه.

أمّا كثافة غضبه، وحركات جسده المتوترة المنفعلة أمام محدثيه، فلم تسعفه حين قبل أن يصبح فناناً مشهوراً ومعلماً في جامعة البلمند.

كان لا بد من تحليل ماريو كإنسان كما كان يفعل، عبر تدميره لكل ما حوله «حتى نلملم منمنماته الدقيقة الحساسة ونصوغ منها لوحة على طريقته للمستقبل». هو من كان يواجه، بل كان يشعر ويبتعد بروحه باحثاً عن أجوبةٍ ليست هناك… كان يبحث عن ذاته وهويته وأفقه الخاص، متسائلاً عن الدين «بتصلي وبتصوم ومنافق وحرامي ونصاب».

لكن أحداً لم يجاوبه. كان حاقداً بكل حب. لم يستطع ان يخون طرابلس، بل جمعها قرميدة قرميدة، تنكة تنكة، مفتاحاً مفتاحاً.

فأي وفاء ذلك لطرابلس القديمة وعشق؟ لو عرف الطرابلسيون كيف يُفهمون الآخر أنفسهم، بل كيف يفهمون أنفسهم ودينهم بلا تناقض نفسي، لما غرق الرجل في أزمة هوية.

نجح ماريو سابا في إثارة الساكن وتحريك المبادىء التي يؤمن بها من انتهج فكر المساواة الطبقية والعدالة المجتمعية الكاملة، والشيوعية لكنه لم يستطيع أن يعيش فيها حقاً، فطرابلس التي كانت «المصيدة»، لم تلفظه يوماً بل احتملت رعونة الفنان ولم تكبحه أبداً. وقد أدرك ماريو ذلك بأعماقه، فلم يتركها حتى إلى أقرب منطقة: «العاصمة حيث الانفتاح أكبر والآخرون المتعددون بالانتماءات أكثر تلوناً وتقبلاً».

فلا تعجب منه إن جمع مفاتيحها القديمة وخردواتها وأحجارها، وصاغ منها لوحاته الثمينة، وأبهر بها بيئة الثقافة والفن من حوله، هو قال ما عنده بألم وصدق وهم رفعوه إلى الشهرة، ليمتشقوا سلم فنه وجنونه، معلنين نبوغه وعظمته.

مرّت على طرابلس حروب طويلة واقتتالات عنيفة، قامت بعدها منهكة تبحث عن حياة اقتصادية واجتماعية لائقة. لكن ماريو كانت «الحرب في رأسه»، طائر في غير سربه، يبحث عن إجابات لأسئلة من بديهيات الإيمان عند أهل المدينة.

للعلم… «لم تهجم طرابلس القديمة على الحديثة» قط، لقد كانت حاضرة دائماً في الواقع والمستقبل. وقد قالها ماريو في إحدى تناقضاته:

«نحن نعيش التراث ولم نطلع منه حتى نتذكره ونحن اليه».

التراث كان العامل المؤثر في حياة ذلك الإنسان الذي أحبه ولم يفهمه، كان في دائرة الشعور وليس في دائرة الطمأنينة والقرار.

قتل قلب ماريو الذي يبحث عن العشق الروحي صاحبه الذي يفتش عن الحقيقة، وقد اختزل الرجل تجربته المهزومة بجملة معبّرة:

»أنا ضجرت، إنت ما ضجرت؟!«.

لقد غاب ذلك الضجر الندمان، ذلك الباكي المدمّر، الذي كسر رأسه وخياله في محاولة فهم واقعه المزيّف… ولم يُنقذه أحد! تشبهه كثيراً وجوه المجانين… لذلك «هم فقط من رسم وجوههم». آمن بالحياة بعد الموت لذلك أحب المومياء وإعادة زرع أرواح الشجر في أماكن أخرى… مع الأسف لم يصل إلى نهاية بحثه ومات قبل أن يعرف حقيقة الوجود، لِمَ جاء؟ وأين سيرحل؟ وكيف يخلد؟ حاول أن يحقد ويكره ويخرب ويهدم، أما روح الإنسان فيه فظلت نظيفة «ما فيك تكره يلي خلَّفك» وأزيد: ولا «يلي خلقك!».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.