غسان بكري العائد إلى سفن أبيه وبحر المدينة

لا يستطيع أي أب ان يعرف أي من أولاده سيتأثر به، أو سيكون ساعده الأيمن في عمله، هي الأيام والالتصاق اليومي بالأب، ما يكشف، وللناس جميعاً، قوة ذلك التعلق والاندماج، إلى درجة تخمر المدركات القديمة، وإعادة صوغها تطوراً جديداً وفناً وعملاً إبداعياً. فغسان بكري ليس الولد الوحيد لأبيه، لكنه الذي عشق البحر وسفنه عبر رؤيته المكثفة للمراكب والسفن التي كان يؤويها والده في أرض بور، حيث كان يقوم بصناعتها أو بترميمها، لتعود إلى البحر من جديد.
لقد مر غسان بكري الشاب، ابن السنوات الأثنتي عشرة، بمرحلة مراقبة طويلة لهياكل السفن من الداخل، فكان ذلك بمثابة العمليات التشريحية للطبيب، والدليل العملي الأكيد، لأي هاوٍ قد يصبح مع الأيام محترفاً مهماً.
الشهادة وحدها لا تكفي
بدأ الأمر تساؤلاً وبحثاً عن أجوبة وانتهى تجديداً في مهنة أصيلة متجددة. إذا حركك الفضول، فاعلم ان المهندس غسان بكري، قد تخرج من «كلية العمارة والفنون» كمهندس معماري، لكنه لم يعمر أي مشروع في طرابلس ولم يتعامل مع أي مهندس محلي أو عالمي ولم يستلم أي منصب هندسي ضمن دراسته، وهو رغم انتسابه للنقابة، لم يعرف كاسم ضمن مشاريع الهندسة، بل كغسان الشخص الذي يصنع مجسمات السفن الشراعية، وهو الوحيد في لبنان ممن يتميز عمله بالدقة والتقنية والحرفية، مستعملاً لذلك رسم خرائطه الخاصة وصوره الثلاثية الأبعاد، متحدياً بذلك أن ينافسه مهندس في إخراج أي مجسم مصور من الخيال إلى أرض الواقع التطبيقي.
تفتقت القريحة
يستذكر بكري أيامه الأولى، حين بدأ يقص الخشب وكان يومها ابن أربع عشرة، حين سأله والده مرة: «من أتى بهذه القطعة؟».
كان الخوف من الأب يعادل خوفه من فشله في عمله، لكن الأب الناقد، أفرغ للمجرب الشاب مكاناً في محترفه، بعد ان حقق سفينته الأولى والتي كانت بطول خمسة وعشرين سنتيمتراً. الإيجار صار أفضل، كلما تقدمت سفينة عمله أكثر، فها هو ابن خمس عشرة سنة سيبيع سفناً صغيرة لمدينة جبيل، ويقبض ثمنها كأي تاجر ناجح، ثم ها هو يساعده أبوه في تحسين وتجويد العمل عبر الدهن وقص الأشرعة، حتى جاءت الفرصة، فصنعا مجسمات لافتتاح مغارة جعيتا، وقدما مجسماً لمركب له رأس وذيل حصان، يسير بمجذافين، جلست فيه شابة جميلة في لوحة فنية رائعة، ومجسم ثانٍ تمركز على باب المغارة أُلبس النحاس.
عالمي ولكنه متواضع!
وكرّت السبحة، ولمع نجم المهندس الشاب، راحت السفن تكبر والتوصيات عليها تزداد، فالمجسمات التي صارت بطول المتر، أذاعت خبر الفنان على طول البلاد وعرضها، حتى وصل العمل للعالمية.
ففي عام 2007 أجرى تلفزيون لبنان، ضمن برنامج مرايا الشمال، مقابلة معه عن محترفه ثم تبعه ظهوره على قناة LBC في برنامج حلوة ومرة، ولقاء مع قناة MTV وفيلم توثيقي على «الجزيرة» وتلفزيون MBC، وتلفزيون دبي والتلفزيون العربي، فمقابلات الجرائد المكتوبة: المستقبل، نهار الشباب، رويتر، الشروق ومجلة الصياد.
وفي عام 2012، أرسى الفنان سفنه التاريخية والحديثة، على شاطىء مدينة جبيل، حيث عرض Club des Voiliers، وهو متحف لتاريخ السفن من أيام الفينيقيين حتى يومنا هذا، وكان لقربه من القلعة دلالته الجمالية والذي هدف من خلاله جمع الللبنانيين كلهم في نقطة وصل وسطية.
أما عام 2015، فقد ظهر وأبيه في فيلم «بحر المدينة» الذي عُرض في مهرجان كان، وكان نصفه يتحدث عن بداية السفن والشخص الذي كان يصنع المراكب مقابلة مع الأب وابنه معاً.
عام 2016، أجرى تلفزيون الحرة مقابلة مع المهندس غسان بكري، كما وظهر في كتاب الروتاري في طرابلس وأجنحة الأرز الذي يوزع على طائرة الميدل إيست.
أما من أهم من اشترى منه، فهو الشيخ ميشال بشارة الخوري مهدياً مراكبه لوزير سويسري، وقنصل مولدوفيا الذي زاره في محترفه في الميناء.
سألناه عن رأيه في العمارة في طرابلس فقال:
«شو يعني طرابلس الفيحاء؟ لماذا لا تكون مسطحة تظهر فيها السماء؟
تعكس صورة مجتمع يحب الاحتكاك والاختلاط، طرابلس متحف في الهواء الطلق، لكن العمارات فيها لا تخلق مسافات للتلاقي.
بيوت للبيع والايجار، لا تحمل أي روح. أعتب ان تذهب مثل هذه المدينة بطريقة سريعة. لماذا لا يدرسون لها بنية مجتمعية صحيحة».
ما دور المهندسين في ذلك؟
«لا أجد هندسة حقيقية. قديماً كان هناك محترف فيه تُجرب المسائل ثم تُقص وتُعمل، أما اليوم فالحداثة الزائدة قتلت القصص الحلوة.
الأصح ان تنطلق من الأصل إلى ضفة الحداثة لأن الإنسان إذا ارتفع في الهواء لأمتار لا بد ان تكون له أرضية صلبة لتحتويه إذا عاد أو انكسر».
هل للحرب أثر على العمارة عندنا؟
«كثيرة هي البلدان التي تعرضت لحروب مميتة، لكنهم تجاوزا ذلك لأنهم كانوا على استعداد لذلك، المشكلة عندنا أننا فقدنا الأرضية القوية وعلى الفنان أن يرفع الصوت حتى يعي الناس الاتجاه الصحيح. هذا المجتمع الناقص لا يرتبط بجيله القديم، وأهم ما يربط الناس هو ذلك السؤال عنك كل يوم ممن حولك.
علاقتك بمن حولك واطمئنانهم عن حالك هو الجامع بين الناس».

الولد سر أبيه
وعن الفن ينهي المقابلة: «الفن هو علاقة البشر ببعضها، وحتى تعرفي عمق هذا الفن، يجب أن تعرفي ذلك منذ ثمانين سنة، عمر والدي، الذي اكتشف بفطرته هذه المهنة واشتغلها بلا دراسة، وبلا أية علاقة مع الحرفيين، لقد سافر على ظهر السفن أيضاً للتجارة والترانزيت».
وقبل أن نغادره، شاهدنا صورة لوالده، موضوعة أعلى الحائط، فسألناه عنها فقال:
«أنا أضع صورته في محترفي وهو يضع صورتي في محترفه».
تُرى أين يسكن الأب في قلب ابنه العبقري؟ أم أين يسكن هذا الابن الوفي في قلب أبيه أولاً؟؟