الشيخ علي الشلبي… في حضرة «المنصوري الكبير» أباً عن جد

قضى الشيخ علي الشلبي طفولته كلها مقيماً في منزل أبيه الشيخ توفيق الشلبي إبن الشيخ محمود الشلبي الأثري الملاصق لـ «الجامع المنصوري الكبير»، ومن شيوخ والده أئمة الجامع الكبير: الشيخ عباس المصري، عبدالمجيد المغربي، الشيخ إبراهيم السندروسي، الشيخ محمود منقارة والشيخ عبدالغني جوهرة، وقد أخذ بالإضافة إلى العلوم الشرعية والدينية، علم الأنساب على يد شيخه خليل صادق، علاّمة زمانه ثم صار إماماً ثانياً لـ «الجامع المنصوري الكبير».
كان الشيخ توفيق ينادي ولده الشيخ علي «بجنابكم» وقد تعلق الفتى قلبه بالمسجد ولم يكن يتركه في صلاة أو إقامة أو أذان. حتى أنه يروي عن ماضي أيامه وهو بسن الثالثة عشرة، يوم كان الناس يلتمسون هلال العيد في اليوم الأخير من رمضان، شتاء والسماء ملبدة، والمؤذن يدعو لصلاة المغرب: أنه كان على سطح المئذنة ينظر للسماء، فلمع أمامه الهلال مرات عديدة، فنزل إلى أبيه يخبره، والناس فتجمهرة عند «قهوة التل العليا» وجامعها، حيث المحكمة الشرعية. الكل هناك ينتظر «التلغراف» من بيروت. فقال والده: «خذوه إلى المحكمة الشرعية وليروا ما رأى».
فأدخلوه إلى عشرين من الشيوخ والعلماء والناس خارجاً ينتظرون الإفتاء، ليخبرهم من أين سطع النور فزكّاه الجميع وقبلوا شهادته وراح الناس في اليوم التالي يترقبون الهلال وقد رأوه ظاهراً بلا غيوم، في المكان الذي إليه أشار.
«هل تعلم؟»
- أن البيوت الطرابلسية القديمة لها فُسح سماوية (سقفية) للتهوئة، كان الطرابلسيون ينامون فيها أيام الصيف الحارّ.
- أن «المنزول» هو عبارة عن صالة ملحقة ببيت الطرابلسي الوجيه، لاستقبال الناس ليلاً ونهاراً يتداولون في قضايا الدولة الاجتماعية والسياسية والمعيشية.
- أن الطرابلسيين صنعوا «الكنافة» بالبطاطا والسمنة عام 1941 أي خلال الحرب العالمية الثانية، وكان سُكَر الإعاشة لونه أسود.
- أن جميع المآذن في طرابلس كانت تخصص نصف ساعة قبل أذان الفجر، للتسبيح والذِكر، وكان وجهاء الطائفة المسيحية يوقفون أوقافاً للمؤذنين لانشراحهم بأصواتهم الرائعة.
- وأن الوقف قد يكون عدة أشجار يعود ريعها لفلان وذريته.
- أن الشيخ عباس المصري هو أستاذ لأكثر علماء مدينة طرابلس، سكن طرابلس ثلاثين عاماً ومات فيها سنة 1875 ميلادي. وكان مصرياً كفيفاً، يُتقن القراءات الأربع عشرة، كفيفاً، وهو شيخ والدي توفيق، وقد استقال والدي من عمله مدرساً بالرشدية حين احتلت فرنسا لبنان، رافضاً أن يأخذ منها المال.
- أن عائلات «الشبطيني»، «الجسر»، «ميقاتي»، و«الدبوسي» سكنوا قرب «مدرسة الرجيّة»، قرب «جامع العزم والسعادة» حالياً، في «باب الرمل»، وان العائلات المعروفة سكنت «النوري» الذي كان مركز العلم والحياة الثقافية.
- أن مهمة المرأة الأولى في طرابلس، كانت إطعام عائلتها، فبعد شراء الحنطة من السوق، تجلس المرأة مع أبنائها وجيرانها لتنقيته، ثم يُنقل إلى المطحنة ليعود إلى البيت على ظهر الدواب، حتى يُنخل ثم يصير عجيناً صالحاً للخبز.
- أن كلمة «زوالي» تعني وقت بدء ابتعاد الشمس عن كبد السماء، وأن كلمة «غروبي» تعني وقت غروبها. وأن البلاد العربية كانت تعتمد التوقيت الغروبي، فينام الأطفال عند آذان المغرب، بعد أن تحضروا للنوم.
- أن الغني والفقير لبسا الثياب المرقعة وقت الحروب العالمية، وأن الثياب عموماً كانت تبقى في الاستعمال لمدة خمس عشرة سنة.
- أن العروس الثرية هي من تتجهز باثنتي عشرة مخدة وأربعة فرش وثلاثة ملاحف مزركشة، وخمس عشرة فستاناً شتوياً وصيفياً.
- أن كلمة «أنغاري» تعني صحناً مع غطائه وكلمة «يسطقية» تعني وجه المخدة وكلمة «قيشاني» تعني الصحن الصيني و«السبت» صندوق خشب مزركش و«السوّكة» جاكيت رجالي، و«الشروال والقمباز» من لبس الرجال.
- أن العلوم الشرعية لا تُفهم من الكتب وحدها، لذلك يتلقنها الطالب من شيخ إلى شيخ، ولكل علم أستاذه الخاص فيعطيه إجازة موقعة من الشيخ، بعد عدة سنوات بعد أن يكون عين له الكتب وامتحنه فيها، فتكون الأسئلة شفهية، والإجابات أصعب.
- أن الطرابلسيين أتقنوا اللغتين التركية والفارسية من خلال دراسة الشعر والأدب والرياضيات عند جلال الدين الرومي وهو منشىء أول المولويات في العالم الإسلامي وقبره في «قونية» التركية.
- أن طرابلس كان فيها ثلاثمئة وستون مدرسة دينية من «النوري» حتى «الصياغين»، وأنها جميعاً تقريباً تحولت إلى محلات تجارية، بعد ان أزيلت معالمها، وأن ما يقارب مئتي مسجد صغير، كانت متواجدة حول «الجامع المنصوري الكبير» لتعليم الخط والتاريخ واللغة العربية.
- ان لكل مدرسة دينية قبراً للمدرس فيها ولخادم الجامع إن كان للمدرسة جامع، ومن أهم عائلات «النوري» في عام 1950: السندروسي، جوهرة، الشيخ محمود المغربي، الشيخ أمين منقارة. وكان لإسماعيل أفندي المغربي منازيل واسعة فيها برك ماء له فكانت مركزاً لكل الناس للاستضافة والراحة.
- أن بالقرب من حمام عزالدين، كانت مدرسة دينية وفيها مصلى للناس، فصارت نادياً للرياضة رغم أن فيها فسحة سماوية تغطيها القبور الطرابلسية فسُقفت وانمحت، وأن محيط «جامع العطار» كله قبور مدروسة للمسلمين ولغير المسلمين….! وفي أول مدخل «تحت السّباط» قبور ثلاثة لأولاد الظاهر بيبرس.
- أن الدواب كانت تعادل السيارات والطنابر تعادل الشاحنات، دواليبها من خشب يحيط بها الحديد، وهناك مختصون بهذه الصناعة.
- أن حول الأشجار كانت تُرمى النفايات الطبيعية ولا تلوث البيئة لأن العائلات كانت تأكل كل طعامها حتى لا يفسد وكان الطرابلسيون يصنعون ورق الزبدة من جيلاتين عظام الحيوان.