رائحة الصابون الطرابلسي أعادته إلى «مملكة» جده
«عمر هذه المصبنة يعود إلى سنة 1940، حين أقامها الجد «نيازي المقدم» على نهر أبو علي.
يوم «الطوفة» (فيضان النهر) راحت براميل الزيت تسبح في المياه، فأخذ العمال والجد يزيحونها إلى الأماكن الآمنة، ومن ذلك التاريخ، انتقلت المصبنة إلى الزاهرية، إلى هذا العقار، ثم توفي جدي مورثاً ولديه أبي نزيه وعمي نبيل هذه المهنة، باسم «صابون سلوى» الذي هو اسم أم جدي الميمون.
كانت صناعة جدي تراثية قديمة، اكتفى فيها بانتاج صابون زيت الزيتون وصابون الجفت الأخضر (المستعمل في الجلي والغسيل) وبرش الصابون. ثم استمر والدي وعمي من بعده على هذا العمل، قائمين بحق وراثة هذه المهنة عن أبيهم، حق قيام. ثم صارا ينتجان أيضاً الصابون المطيّب أي المعطر.
وهكذا تطورت ظروف المهنة وراحت المصابن تطبخ منتوجاتها على البارد، وتُحسن من نوعية الصابون وتقنية صناعته، فكنا من أوائل من أخذ بهذه الطريقة، مستخدمين زيوت الطعام مثل زيت النخيل وزيت جوز الهند وزيت الزيتون، فحافظنا بذلك على انتاج صابونة نظيفة ومعطرة بعيارات حساسة ودقيقة ومختلفة عن أنواع الصابون المضاف إليه مختلف الزيوت العشوائية المعاد استعمالها، فالزيت لا يُعرض للحرارة العالية، أي عدم غلي الزيت مع الكوستيك، فيحافظ على خصائص ونوعية وجودة الزيت المختار».
هكذا بدأ رامي نزيه المقدم حديثه عن مصبنة جده وأبيه وعمه، وكان معه هذا الحوار:
بعد أن عشت هذا الجو الحميم، كيف أثر ذلك على عملك؟
في بداية الأمر، وبعد تخرجي من إدارة الأعمال في جامعة البلمند، عملت كموظف في مصرف ثم انتقلت للعمل في بيروت.
لكن التأثر بالمصبنة كان عميقاً، سيما أنني كنت أنزل من سن العاشرة مع والدي إلى العمل، وكان يعاملني بجدية كبيرة وكأني عامل آخر، مما رسخ في ذهني الكثير من المعلومات التي عدت بفضلها إلى تطوير صناعة الصابون، مضيفاً إلى منتوجاتنا نجاحات جديدة.
كيف كانت النتيجة؟
التجارب كانت كثيرة وبالمئات. وأحياناً تكون النتائج خاسرة ومكلفة مادياً. وفي مرات كثيرة، كان أبي يرى أنني أدخل أبواباً ليست من اختصاصي، لكنني لم أتوقف يوماً عن طرح الأسئلة على محيطي وتكوين الخبرات والتجارب لتطوير وتجهيز ما يلزم لصناعة الأصناف الجديدة المطلوبة في السوق.
وبالنتيجة شهد معملنا ظهور أنواع كثيرة مثل صابون كبريت، شبّة، صابون غار، حبة بركة، الشاي الأخضر والشفاف (Glycerine)، واليوم أعمل على إنتاج صابون سائل من زيت الزيتون والزيوت النباتية.
هل ستُبقي على اسم «سلوى»؟
«سلوى» هو اسم تجاري خاص بوالدي وعمي ومازالت البضاعة تُصنع وتُباع في السوق المحلي تحت هذا الاسم، بنفس الشكل والنوعية منذ أربعين عاماً.
اليوم أعمل على تأسيس اسم خاص بي وصابونة جديدة أحاول من خلالها المنافسة مع الصابون المطروح في الأسواق والذي في الحقيقة ليس له أية حسنات وفوائد للبَشرة. فهو ينشفها (يجففها) ويسد مسامها ومسحوب منه الغليسيرين (المادة المطرية للجلد). لا بد من طرح صابون جديد بامتيازات جديدة لنبقى على سكة المنافسة.
من أين يأتي الغليسيرين؟
عملية التصبين تنتج الغليسيرين مع الصابون بشكل طبيعي، لكن الصابون التجاري يُضغط عبر الآلات وتُسحب منه هذه المادة للاستفادة منها في مواد التجميل، مما يؤثر سلباً على جودة الصابون، إذ أن الكثير منه مصنوع أصلاً من شحم البقر Sodium tallowate.
كيف تجد الإقبال على منتوجاتكم الجديدة؟
في النهاية نحن صناعيون صغار، يجب على الدولة أن ترعانا. لقد كانت منتوجاتنا تُباع وتُطلب في الثمانينات بشكل واسع، ثم دخلت علينا المنتوجات التجارية المستوردة والرخيصة، فتراجعت أعمالنا كثيراً في سنة 2000، لنا تجارب بسيطة في التصدير. واليوم هناك الكثير من المحلات التي تأخذ طلباتها من عندنا لاسمها الخاص. كما ان فكرة تقديم الصابون كهدية، بدأت تغزو الأعراس والمناسبات المختلفة.
اليوم مازلت أعمل على اسم صابون جديد بلا مواد حافظة ولا شحوم حيوانية ولا أصباغ. مكتفياً بالماء والعطر والزيوت بالإضافة إلى الكوستيك الذي يحوّل هذه المواد إلى صابون. اللون في الصابون هو للزينة والتسويق فقط.
يتحدث رامي عن تجربته المستجدة في حقل الصابون التراثي في المعمل وعن دهشته من اهتمام الناس بالصابون البلدي، لذلك قام بصناعة صابون جديد سيباع قريباً في المحلات التجارية الكبيرة، مصنوع من الحامض واللافندر وأنواع كثيرة جديدة. فقد بدأ عمله عام 2016 حين اكتشف أن قوالب السيليكون الخاصة بالحلوى، بإمكانها ان تخدم هدفه في إخراج أشكال جديدة من الصابون لمختلف المناسبات. فصار من المطلوب والطبيعي ان تجد من يحمل سلة صابون معطر بمختلف الروائح والأشكال وهو يتوجه لعيادة مريض أو ليبارك لعروسين أو ليتمنى لأحدهم خروجاً سريعاً من المستشفى.
لكل هدية عبارتها الخاص وغلافها المناسب، خصوصاً ما يُقدم قبل ولادة الأطفال وبعدها للأم والطفل من أشكال مناسبة، فأهتم بمنتوجاتنا أصحاب شركات الأعراس والهدايا والديكور. فبعضهم يجب أن يُترك للمدعوين صابونة فوّاحة بكيس خاص وبعضهم يصنع من الصابون زاوية للعرض في منزله وحتى أن هناك من يُهتمّ بشراء البرش من الصابون المفروم لإزكاء المكان بالرائحة العطرة.