طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

سيارات تحولت إلى «حالة» (Status)

تجبرك زحمة السير الخانقة، خصوصاً في وقت الذروة، على تسلية نفسك بعيداً عن كل أصوات «الزمامير» الضاغطة ومحاولات السائقين حولك في التجاوز والإفلات من كل رقابة أو إحساس بالذنب… فلا يعود أمامك إلاّ ان تتقوى بالصبر والانتظار والتلفت يمنة ويسرة مرة، أو التحديق بمؤخرات السيارات والحافلات مرات كثيرة…

تضحك لما يكتبون، تعذرهم فيما يفكرون وأحياناً تستفزك العبارات! لقد تغير الزمن حتى وصلنا إلى تعابير جديدة واضحة وجريئة وصادمة من قساوتها، لم يعد السائق يتورع في استعمال كلمة «حمار» مثلاً ويضعها على سيارته المتجولة في أرجاء المدينة ولم يعد الكثيرون يلقون للكلمات البذيئة والصور الفاضحة أي بال… فأين نحن؟

لا بل من نحن؟ نحن مازلنا طرابلسيين نعيش في مدينة العلم والعلماء… فاصبر لما ترى!

هذه حافلة تتنقل يومياً من طرابلس إلى بيروت وبالعكس، تحاصرك كتابات على زجاج السائق وفوق رأسه يميناً وشمالاً، وحتى بين المقعدين الأماميين:

«لا تحط أجرك فوق»، كل ذلك يقدح قريحتك ان تبحث أكثر عن عبارات جديدة، يكتبها السائق على سيارته، من الداخل أو من الخارج على حد سواء…

لقد انتهى عهد:

– «يا رضا الله ورضا الوالدين»،

– و«لا تلحقني مخطوبة»،

– و«Follow me» (اتبعني)،

كما راحت إلى غير رجعة جملة:

– «عين الحسود فيها عود»

– «تروح وترجع بالسلامة»

– «لا تسرع الموت أسرع»

– و«رضاكِ يا أمي»،

نحن في أيام جديدة تخص مشكلات هذا الزمن، وتعبّر عن أفكار أهله ومشاعرهم، فصرنا نقرأ العربية بالحروف اللاتينية:

– Ma fi wafa (ما في وفا)،

– Ma cha Allah (ما شاء الله)،

– Allah ybarek (الله يبارك).

لا تتفاجأ بوقاحة الرسوم! فهذا يؤشر إلى موقع وضع البنزين وذاك يكتب كلمتين من أغنية ويصور شبحاً بقبعة، يرفع أصابعه بلغة لا يعرفها إلاّ شبان هذا الزمن، وذلك يرسم سحاباً على حافلته السياحية الصغيرة ليقول لك على طريقته: «الباب سحّاب».

إن رأيت يوماً أصابع خمس وتحتها هذه العبارة: «In your eyes»، فافهم أن معناها: «خمسة بعيون الحاسدين».

أما هذه الجملة الطويلة المكتوبة بالحروف اللاتينية: «Mili mayalek abou 7adid 5ayyelek» فهي: «ميلي ميالك أبو حديد خيّالك».

قد تقف لدقائق متسائلاً ما معنى «Clam»؟ ثم تضحك حين تكتشف بنفسك أن من كتب العبارة على السيارة، قصد بها «Calm» «الهدوء»؟

فتصير الجملة بمعنى: «Keep Clam and… Okay not that Clam».. «حافظ على الهدوء و… حسناً ليس ذلك الهدوء» وقد رسم خطاً فوق الكلام يشير إلى توقف عمل القلب عن الحياة، بمعنى آخر يريدك ان تهدأ فقط، لا أن تموت.

لم تكن عملية مراقبة السيارات المارة بسرعة بالأمر السهل أبداً، خصوصاً أن السيارات العامة لا تقف إلاّ قليلاً، مما لا يساعد أبداً على النزول وأخذ الصور الواضحة. فمثلاً مرّت بنا سيارة سجلنا ما كتب عليها:

«فيك تكون كل شيء، فيك ما تكون شي، فيني حطك برمشي، فيني أدهسك وأمشي».

كلمات وعبارات، أسماء رجال ونساء وأدعية وذكر الله، كلها تعبر عن المزاج العام للسائق في المدينة وتصف تغير طرق التفكير والغزل والمزاح.

لقد استنتجنا أخيراً ان الجميع يحب أن يكتب بالحروف اللاتينية، حتى من لا يعرف أية لغة، بات يميز ان كلمة «For Sale» على السيارات معناها للبيع، كما ان الكثير من السيارات تكتب أرقام هواتفها على الزجاج للاتصال بها والحجز، إنه عصر الاتصال والتواصل بامتياز، والتعبير عن كل الدنيا وبكل الوسائل المتاحة…

يبقى شيء أخير: أنتبه أيها السائق:

«قل لي ماذا تكتب أقل لك من أنت».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.