طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«السترات الصفراء» تلهب فرنسا وتربح رهانها… فماذا عن لبنان؟

السترات الصفراء في فرنسا

ماذا يحدث في فرنسا؟

بالنسبة لمن يتابع ما يحدث عن بعد، يبدو المشهد مثيراً للقلق. متظاهرون غاضبون، سيارات تحترق، معالم أثرية يتم تخريبها، محال تجارية تُقتحم… إلاّ أن هذا المشهد ليس غريباً على الفرنسيين، انه مشهدٌ رآه مراراً و تكراراً من يتابع السياسة الفرنسية. فثقافة الاحتجاج مترسخة في الفكر والمخيلة الفرنسية منذ الثورة الفرنسية، والدليل على ذلك أننا رأينا على مر السنين الاحتجاجات والتظاهرات الصغيرة والكبيرة تعم شوارع فرنسا في عدة مناسبات ورداً على عدة محاولات من الحكومات بتمرير إصلاحات أو قوانين غير مرحب بها.

ولعل أشهر تلك الاحتجاجات، تلك التي وقعت في أيار 1968 والتي دخلت التاريخ في بلد حقوق الإنسان لضخامتها ومدتها ونتائجها. وغالباً ما تضطر الحكومة للتراجع عن قرارات، تكون قد اتخذتها، استجابةً لغضب الشارع.

حسب عدة مراقبين، المشاهد التي نراها اليوم تشبه مشاهد أيار 1968. كما أن السيناريو الذي يحدث وطريقة تفاعل الحكومة مع الاحتجاجات أيضاً مألوفين، فلطالما اضطرت الحكومات المختلفة إلى الاستجابة لغضب الشعب.

التظاهرات الأخيرة اندلعت في 17 تشرين الثاني 2018 بعد إعلان الرئيس الفرنسي «امانويل ماكرون» عن فرض ضرائب إضافية على سعر المحروقات، وهي خطوة اتخذتها حكومته لمحاولة الحد من استعمال الفرنسيين للمحروقات وتوجيههم إلى الطاقات البديلة القابلة للتجديد والتي تعتبر «خضراء». من هنا أتت الشرارة التي ألهبت الشارع الفرنسي فبدأ الغاضبون ينظمون أنفسهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي واتخذوا رمزاً لهم «السترات الصفراء» التي هم مجبرون، بحسب القانون، على اقتنائها والاحتفاظ بها في كل سيارة في فرنسا.

… وفي لبنان

أخذت التظاهرات طابعاً تخريبياً وعنيفاً  في أماكن معينة، وتفاقمت الأمور حتى خرجت عن السيطرة مما اضطر الحكومة إلى تقديم التنازلات ومن ثم التراجع تماماً عن الضرائب. لكن الموضوع كان قد أصبح أكبر من مشكلة ضريبة المحروقات فتحول إلى غضب شعبي عارم، وفقدت التظاهرات تركيزها على هذا الهدف فأضحت تضم متظاهرين ذوي ميول سياسية تتراوح من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لديهم مطالب ورؤى مختلفة عن بعضهم البعض. هنا تكمن الخطورة، برأي بعض المحللين، فان لم تكن هناك من أهداف ومطالب واضحة، كيف ستستطيع الحكومة وضع حد لتلك التظاهرات، خصوصاً بعدما أصبحت تضم عناصر مخربة؟

يبدو أن الوقت قد يكون الحليف الأكبر لماكرون إذ أن أرقام المتظاهرين بدأت تتقلص وقوة الاندفاع تبدو إلى انخفاض، فأرقام المتظاهرين السبت 29 كانون الأول لم تتعدَ الـ 32000 في كل فرنسا، بعدما كان أول يوم تظاهر في 17 تشرين الثاني قد جمع 282000 متظاهر.

هناك عدة عوامل قد تفسر ذلك، فلقد استجابت الحكومة للمطالب الرئيسية وألغت الضريبة المضافة. كما أن «ماكرون» وعد بزيادة الحد الأدنى للأجور والغاء زيادة الضرائب على المتقاعدين ذوي الدخل المحدود واجراءات أخرى تهدف إلى تعزيز القوة الشرائية للفرنسيين. إضافةً إلى ذلك، كانت الحكومة الفرنسية قد طلبت (دون أن تمنع) من المتظاهرين عدم النزول إلى الشارع لأسباب أمنية بعد اعتداء «ستراسبورغ» الذي أوقع حتى اليوم 5 ضحايا.

لكل تلك الأسباب قد تكون حركة «السترات الصفراء» اقتربت من نهايتها وهي تُعتبر قد سجلت انتصاراً وحققت أهدافها. رغم ذلك الانخفاض الحاد في الأعداد، إلاّ أن معظم الناشطين يؤكدون أن الأمور لم تنته بعد، فالتباطؤ ناتج فقط عن فترة الأعياد والزخم سيعود بقوة في السنة الجديدة. أرقام المتظاهرين السبت 5 كانون الثاني تبين فعلاً عن ارتفاع في الأعداد، مع نزول 50000 متظاهر إلى الشارع في كل الأراضي الفرنسية، لكننا نبقى بعيدين عن أعداد التظاهرات الأولى.

في لبنان، ألهمت التظاهرات الفرنسية العديد من المقارنات مع الوضع هنا. فها هم الفرنسيون، الذين ينعمون بالكثير من الخدمات التي ليس باستطاعتنا في لبنان سوى الحلم بها، والذين يعيشون بمستوى جداً متفوق عنا وفي ظل دولة حقيقية وقوية تحمي وتصون حقوقهم، ها هم يفورون ويثورون غاضبين في وجه تلك الحكومة التي تريد فرض ضرائب إضافية عليهم، رغم أنهم يستطيعون أن يروا بأم أعينهم أين وكيف تصرف الحكومة أموالهم. وها نحن مسلوبون من أبسط حقوقنا، تحت رحمة طبقة سياسية غير مسؤولة قادت البلد إلى حافة الهاوية، دائمو القلق على مستقبلنا ومستقبل أولادنا في لبنان، ها نحن تَرانا خاضعين قانتين هادئين، فما السر؟

السر أننا في بلدٍ مركبٍ بطريقةٍ تعرقل العمل الجماعي وتحول دونه.

فنحن منقسمون ولا نثق بالذين ينتمون للطوائف الأخرى. ونحن لا نملك تصوراً موحداً للبنان. فيصبح من الصعب جداً تنظيم أي نوع من التحرك الشامل لهذا السبب بالضبط.

بالطبع الصعب ليس مستحيلاً، قد نستطيع في يومٍ من الأيام القيام بفورة غضب غير مسيّسة أو بالأحرى ضد الطبقة السياسية بكل ألوانها، لكننا أصبحنا عاجزين حتى أن نتخيل ثورة كهذه. الحقيقة هي أننا فقدنا القدرة على تخيل غدٍ أفضل للبنان، فبتنا نجيب باستلشاق لكل من يدعو للتظاهر:

هل تظن أن هناك من يكترث؟

هل تظن أن هناك من يسمع؟

بتنا لا نؤمن بقدرتنا على إحداث أي تغيير عبر الشارع، وربما ساهم بذلك الحال الذي آلت إليه الأمور في بلاد الربيع العربي، فصرنا نخاف من فكرة النزول إلى الشارع ولا نظن أنه الطريق السليم لتحسين حال البلاد.

لبنان ليس فرنسا، لكلٍ من البلدين خصوصيته ووضعه. المقارنة هنا قد لا تكون في محلّها. اللبنانيون أثبتوا قدرة على تحمل الكثير من الضغوطات وقد تعوّدوا على الحال كما هو، لا نحرك ساكناً في وجه انتهاكات واضحة وفساد وصل إلى حدّ الوقاحة. لقد تمكن اليأس بنا فبتنا راضخين. الشعب الفرنسي، على العكس، يؤمن بأن الحقوق التي لا يدافع عنها تصبح عرضةً للانتهاك ويثق بقدرته على التحكم بمصيره ولديه السوابق التاريخية التي تثبت ذلك.

أما نحن فالتاريخ والمحاولات السابقة أثبتت أن قدرتنا على إحداث أي تغيير ضئيلة، وأن مسؤولينا لا يخافون غضبنا ولا يسمعون صوتنا، وأن مهمتنا صعبة ان لم تكن مستحيلة.

*ماجستير في الشؤون الدولية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.