طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أوجه الشمول في التربية الكلية – تابع (3/4)

كفايات تكوينية نفسية (انفعالية – عاطفية – سلوكية)  وتأثيرها على توازن الشخصية، وعلى التحصيل المعرفي.

تعريف العواطف

هي صفات نفسية مكتسبة مثل طرائق التفكير ومثل أي عادة أخرى يكتسبها الطفل من محطيه المنزلي أو المدرسي أو الاجتماعي، عبر ممارستها أمامه وتشجيعه على أن يمارسها شخصياً، نذكر من هذه العواطف المحبة والصدق والإيمان وعمل الخير، والإحسان إلى المحتاجين، والرفق بالضعفاء والحيوان، وحب المجتمع والوطن، والحق والعدل، والكراهية للعنف، ولكل ما هو قبيح  كالظلم والاستبداد، والاعتداء من أي نوع كان، والتعاطف مع المصابين والمنكوبين، مبتدئين بالبيئة القريبة ثم البعيدة حتى نصل إلى العالم أجمع، فيصبح التعاطف إنسانياً. كيف نكسب الناشئين منذ الطفولة هذه العاطفة النبيلة الشخصية والإنسانية؟

التمثل بالأهل

– بالتمثل بالأهل في البيت… فالطفل الذي يتربى في منزل يُطبق أهله ما ذكرنا سابقاً، يكتسب منهم هذه الصفات وخصوصاً حين يشجعونه على ممارستها في علاقاته المحصورة في إطار البيت والمدرسة، لكنه سيحملها معه لتصبح جزءاً من حياته الاجتماعية وعندما يكبر، لا سيما ما له ارتباط بمساعدة الآخر إذ تتحول إلى خدمة المجتمع، فينخرط في المؤسسات الخيرية والاجتماعية، وهي متوافرة في المجتمعات.

والعكس صحيح، أورد هذه الحادثة حين كنت منسقاً في إحدى المدارس الخاصة تأتيني يوماً إحدى معلمات الصف الثاني وتعرض لي تزويراً أقدم عليه طفل عمره سبع سنوات، تبين لنا أن والده يعمل في مهنة تساعده على التزوير.

– نضمنها النصوص المقروءة في الكتب وفي القصص التي يطالعها الأطفال، حتى اننا نسعى إلى تضمينها قصداً طالبين من الكتّاب ومؤلفي الكتب كي يثبتوها،  فيكتشفها المتعلمون من بين السطور، ونفردها ونكسبهم إياها على أنها مهارات سلوكية.

التواصل بين المعلم والتلاميذ

– بالتواصل العلائقي القائم بين المعلم والتلاميذ والمحبة التي تنشأ بينهم فيدعو المعلم هؤلاء الناشئين بالارشارد والتوجيه، وبالكلمة الطيبة الناصحة، إلى التمسك بهذه العواطف على أنها فضائل تجعل الإنسان مثالياً أمام الرفاق والناس في المجتمع.

– بالاقتداء بالمعلم وجعله مثالاً يُحتذى: بالنسبة إلى الانضباط واحترام النظام، والتقيد بالقانون.

الغيرية

– قد نرتقي بالتلاميذ إلى المستوى المثالي، فنحثهم على تغليب العواطف الاجتماعية والمعنوية والإنسانية على العواطف الذاتية المقتصرة على المعلم والأهل والأقربين، وتسمى هذه المرحلة بالغيرية إذ تبلغ حد الإيثار والتضحية بالنفس من أجل الوطن أو العقيدة أو المجتمع…

العاطفة الخلقية

ومن أرقى العواطف، العاطفة الخُلُقية، أو ما يسميه بعضهم الضمير، وإيقاظه في نفوس الناشئة فمن أهم أهداف التربية الشاملة عموماً والكفايات الإنمائية خصوصاً، إنماء هذه العاطفة لتصبح عنصراُ من عناصر شخصية الناشىء، إذ تحمل صاحبها على إصدار أحكام أخلاقية نابعة من ضميره الحي، من دون النظر لمصلحة من يصدر حكمه، أو على من يصدره، ومدى علاقته به أو قربه منه أو بعده عنه. وهذه الأحكام تتضمن استحسان عمل أو استقباحه، اعتماداً على عاطفته الخلقية دون غيرها، فهو قادر على أن يحكم على ذاته، إذا أحسّ أنه مذنب، فيؤنبه ضميره، وهذا ما يُعرف «بتأنيب الضمير الذي يصبح عند بعضهم سوطاً يلسع».

التعاون بين المدرسة والبيت

كل عاطفة من العواطف التي أشرنا إليها سابقاً إذا استجاب لها الناشئة استجابة كلية، وترسخت في نفوسهم، فتتحول تدريجياً بعامل الاستمرار في تطبيقها، إلى مسلك عملي، يسلكونه فيصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصياتهم. ولتحقيق ما تقدم ينبغي ان تتعاون المدرسة مع البيت تعاوناً وثيقاً، من أجل تثبيت دعائم قواعد وقوانين وقيم أخلاقية تتلاءم مع البيئة، والمعتقدات الدينية والخلقية.

ومن الأهداف التي يسعى المربي إلى إكسابها الناشئة من ضمن الكفايات التكوينية الإنمائية، وتقتضيها التربية الكلية الشاملة، الالتزام بقضايا الإنسان، ومنها:

تنمية الطاقات

– تنمية طاقات الفرد وتعزيزها والتركيز على المهارات الحياتية فبالإضافة إلى ما ذكرنا يتم تنمية الوعي على البيئة المحلية المحيطة به إحاطة مباشرة، لينطلق منها إلى بيئة أوسع ثم الأوسع لتصل إلى البيئة العالمية. فالفرد الشمولي حين يُحافظ على بيئته القريبة يدرك أنه بعمله هذا إنما يمنع اتساع رقعة الأوزون، فهو بذلك يخدم البشرية كلها.

تنمية الوعي على حقوق الإنسان

– تنمية الوعي على حقوق الإنسان: الأفراد والجماعات وخصوصاً الأطفال، فيتوجب عليه أن يطالب بحرية المقهورين، والشعوب المحتلة أراضيها أينما كانوا وان يشعر معهم ويؤازرهم ولو بعواطفه.

– إكساب الناشيء المواقف التي يحترم فيها الآخر وخصوصاً أصحاب المهن وتقبل الآخر، وتقدير التنوع بين الناس، واحترام آراء الآخرين ومعتقداتهم مهما اختلفت عن آرائه الشخصية، ونبذ الفروق العرقية والدينية والعنصرية وغيرها.

تكوين وعي شامل

ونختصر فنقول إن الطريقة التي ينظر فيها الفرد الشمولي إلى نفسه بعد تربيته بالصورة السابقة تنعكس حتماً على الطريقة التي ينظر فيها إلى العالم الخارجي، ولو بعُد عنه، فيسعى إلى تكوين وعي شامل للمعاني السابقة، فلا يتمناها أو يطالب بها لنفسه فقط، بل يفعل ذلك من أجل غيره، سواء أكان قريباً منه أم بعيداً عنه.

Loading...