طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أوجه الشمول في التربية الكلية (3/4)

كفايات تكوينية نفسية (انفعالية – عاطفية – سلوكية)  وتأثيرها على توازن الشخصية، وعلى التحصيل المعرفي

ذكرنا في المقال السابق أن التربية بأوسع معانيها عملية «سيكولوجية» تهدف إلى إحداث أكثر ما يمكن من التغيير في طبيعة المتعلم الأولية. فالمتعلم عن طريق التربية  يكتسب الكثير من المهارات العقلية والنفسية: الانفعالية والعاطفية والسلوكية، والجسدية، إذ يُصبح باستطاعته أن يسيطر على عضلاته، ويتحكم بانفعالاته، ويُهذب عواطفه، ويكتسب سلوكاً إنسانياً محموداً، أو يتجنب آخر منكراً. بالإضافة إلى أن «السيكولوجية» قادرة على ان تجد حلولاً فعلية لمشاكل الاكتساب المعرفي، لأن الطفل يتمتع بليونة في قدراته الانتسابية وقابليتها للتربية والإنماء عبر التدخل والمساعدة عن طريق علم النفس، إلاّ انه لا يكفي أن يتمتع المتعلم بكفاءات معرفية وقدرات ذهنية وتوازن نفسي في شخصيته عاطفياً وانفعالياً، لكي ينجح في مختلف المهامات والانتسابات بسهولة، بل المفروض أن نجعله ينجح أيضاً في التوظيف الجيد لهذه الكفاءات والقدرات في شتى مجالات الحياة، من هنا يُفهم دور المعلم المربي في التربية الشاملة الذي لم يعد يكتفي بتدريس المضامين والمعارف الخاصة بتخصصات معينة، بل يجب ان يركز في هذا التدريس على: طرائق وأساليب في علم النفس التربوي، وإجراءات فكرية تيسر اكتساب المعارف وتساعد على توظيفها.

1- تعريف الانفعال

«حالة نفسية خاصة بالمنفعل لا يمكن وصفها، ولا يستطيع أحد منا ان يصف انفعال غيره. لكي يعرف الشخص معنى الغضب بدقة لا بد أن يجربه، والانفعال فطري وراثي آني، يزول، ويُهذب، ويوجه، ويحوّل من السيء إلى الحسن».(

والانفعالات كثيرة نذكر أهمها هي التي تظهر على الأطفال، ويستطيع المربي أن يلاحظها: العدوانية، الغضب، الخوف، والرعب، الفرح والحزن، الكآبة، الندم الشديد، الحقد والحسد، والخجل…. قد تتحول هذه الانفعالات إلى اضطرابات نفسية، وحالات مزاجية، وهذه بدورها تؤثر في السلوك، كما تؤثر  في الجسد فيمرض صاحبها، أو يصاب بالخمول، فينعكس ذلك على التحصيل المعرفي، وعلى الانتباه والمواظبة، وعلى أي عمل يقوم به، وقد تبين ان المشكلات النفسية المنعكسة سلباً على التحصبيل المعرفي قد تنتج عند الأطفال خاصة عند أبسط حادثة يتعرض لها الطفل في محيطه القريب، كأن يفقد واحداً ممن يحبهم أماً أو أباً أو صديقاً، أو أن يحصل طلاق بين والديه، أو يتعرض هو لتجربة شخصية: اعتداء، أو حادث سيارة، الخ…

يُخطىء من يعتقد أن المعلمة قادرة على أن تعالج هذه المشكلات جذرياً، إنما يُطلب منها أن تكتشف هذه الحالات عبر تصرفات الأطفال المصابين بهذه الأمراض النفسية أو عبر تأخرهم المدرسي، وأن تفهمها وتحاول ان تعوّض على الطفل المصاب بما ينقصه، ثم تحيله إلى المعالج النفسي.

 دور المربي

ولكن دور المربي يبقى كبيراً وحساساً من خلال مراعاته الفروق الفردية، فيصب اهتمامه العلائقي بتواصل خاص على الطفل المصاب، من دون ان يشعر الآخرون بذلك، فيسعى إلى أن يلطف تأثير الانفعال ويخفف من سلبياته، وذلك بتوجيهه إلى النواحي المستحسنة.

فالخوف مثلاً قد يصير هاجساً، ثم يتحول إلى مرض عقلي وهو التشاؤم من كل شيء، وقد يتحول إلى تطيّر من كل أمر وهذا ما يدفع إلى الانطواء على الذات، لكن قد يُهذب ويتحول إلى خوف من الله مثلاً، أو خوف من القانون، فلا يقع في خطأ لا يرضى عنه الله، ولا يخالف الأنظمة التي يعاقب عليها القانون، هذا التخفيف من المرض النفسي، ليس معالجة له، فهذه لها اختصاصيون كما ذكرنا سابقاً بل وقاية من استفحال سيئاته.

«العدوانية»

إنما نريد أن نركز على دور المربي في انفعال يقوى كثيراً عند الأطفال، ويضعف في الكبر خوفاً من الآخر، ألا وهو «العدوانية» L’agressivite التي قد تكون وراثية أو متولدة من الأنانية الحادة، وهي غريزة موجودة في الأطفال عموماً ولكن وجودها نسبي بينهم، وأكثر ما تظهر في الحب الشديد للتملك، وبالاعتداء على الأطفال الضعفاء ومن هم أصغر سناً، واكتشافها سهل جداً، من الضروري أن تقوم به المربية في الملعب خاصة حين تُراقب عن بُعدٍ تصرفات الأطفال، فتكتشف فوراً العدواني L’agressif من تصرفاته العنيفة، إذ يركض بعنف ويضرب كل من يراه أمامه.

كيفية المعالجة

إن معالجة هذه المشكلة النفسية ممكنة، وتقضي بضرورة إخضاع العدواني لمراقبة دائمة في الصف والملعب، وبالحد منها تدريجياً، وتحويل هذه النزعة إلى التعاون والمحبة والأخوة، من خلال تشجيع العدواني وحثه على الاشتراك في ألعاب جماعية. لكن لا بد من القول بأنه يجوز أن تلجأ المربية إلى أي نوع من أنواع العقوبات الجسدية، حتى ولو نالها شيء من نتائج هذه الانفعالات وخصوصاُ الغضب، لأنه بفرض العقوبات تخسر ثقة هؤلاء الأطفال فلا يتجاوبون معها، غير انها بالمحبة والتسامح قد تصل إلى نتيجة مرضية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.