طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

أوجه الشمول في التربية الكلية (تابع) 4/4

كفاية الإدراك المعنوي أو العقلي أو التجريد

تعريفه: هو كل تفكير يتضمن ادراك المعاني العامة التي تنطبق على جميع أفراد نوع من الأنواع أو جنس من الأجناس أو قاعدة من القواعد، كأن تدرك دلالة الأمومة أينما كانت الأم أو كأن تدرك دلالة الفاعل أينما وقع، أو دلالة المعدن على انه مادة قابلة للتمدد إذا وُضعت في النار، ادراكاً شاملاً ينضوي تحته كل أم، وكل فاعل، وكل معدن.

لكن كل تعريف من التعاريف السالفة لم يصل إلينا بمدلولاته المعنوية المدركة عقلياً إلاّ بعد تجارب واختبارات أجراها السلف من مفكرين أو علماء ونحاة، واستنتجوا منها مبادىء ومفاهيم أوصلوها إلينا في عمليات فكرية.

فالكلية، أو القاعدة المعروفة: «كل المعادن تتمدد بالحرارة» ما توصل العلماء إليها إلاّ بعد أن أجروا تجارب عديدة على عدد كبير من مواد معينة (سميت معادن فيما بعد) الواحد تلو الآخر، ولاحظوا أن كل مادة (معدن) وُضع في النار يحمرّ بتأثير الحرارة، ولاحظوا أيضاً انه إذا طُرق هذا المعدن تمدد، فقارنوا بين هذه المواد (المعادن) لمعرفة أيها أكثر تمدداً من الآخر، واستنتجوا ان هذه المواد كلها (المعادن) قابلة للتمدد بالحرارة، فعمموا قائلين: كل مادة أو (معدن) لها مواصفات هذه المواد تخضع لحكمها (أي أنها تتمدد بالحرارة)، فسموا هذه المواد المعادن، واطلقوا على كل معدن اسماً خاصاً به استناداً إلى صفات معينة يتميز بها عن غيره. هذه الطريقة التركيبية، المنطلقة من الجزء لتصل إلى الكل هي المسماة «الطريقة الاستقرائية»،

(La Methode inductive)، لأن الاستقراء induction) ‘(Lتعريفاً هو «الانتقال من الجزئيات إلى الكليات» في عملية تركيبية، يكون الفكر فيها تصاعدياً معتمداً على الملاحظة والمقارنة والاستنتاج، ثم التعميم والتسمية، وأخيراً التطبيق بالقياس على الكلية أو القاعدة.

والاستقراء في اللغة له هذا المدلول إذ جاء في الجذر قرأ: قرءاً وقراءة وقرآناً الشيء بُحث عنه فجمعه وضم بعضه إلى بعض ليخرج بكل. والقرآن يتضمن معنى الجمع إذ يجمع الآيات والسور، ويجمع ضاماً القصص والتاريخ والأمر والنهي والوعد والوعيد…، وكل شيء قرأته فقد جمعته.

يتبين لنا أن الاستقراء قد اتخذه العلماء طريقة في اختراعاتهم وتجاربهم العلمية، لكنهم ما كانوا في مجال التعليم، ولا في صدد ايصال معلومات إلى أناس آخرين يهتمون بافهامهم وجعلهم يدركون ويستوعبون، لذلك استعان المربون بهذه الطريقة وأدخلوها صلب التربية وجعلوها طريقة تعليمية تُطبق في إعطاء الدروس التي تستدعي اكتشاف قاعدة أو استنتاج كلية مثل استقراء نص من محادثة أو استقراء قاعدة من نص، إلاّ أننا نسجل ملاحظتين:

الأولى، لا يجوز البدء بالاستقراء أي بالانتقال من الجزء إلى الكل، لأننا أثبتنا سابقاً استناداً إلى علم النفس أن الإنسان ذو تفكير كلي لذلك يجب الانطلاق من الكل ليحلل إلى أجزاء، ومن ملاحظة الأجزاء نستنتج القاعدة الكلية فنسمي عندئذ هذه الطريقة التحليلية التركيبية.

والملاحظة الثانية هي: لكي تؤدي الطريقة الاستقرائية غايتها التعليمية والتربوية لا بد من اقترانها بالأسلوب (Le procede) التدريسي المنسجم معها باعتبارها طريقةعلمية هادفة، لذا يُفضل اتباع أسلوب الاستجواب القائم على الحوار الحي والفعال بين المعلم وتلاميذه لما يمكن أن يضفيه هذا الأسلوب من حيوية في الصف تدفع التلميذ إلى أن يكون ايجابياً ومشاركاً في عملية: الملاحظة والمقارنة والاستنتاج التي تفرضها الطريقة.

والاستقراء، كما هو معروف، هو الطريق الطبيعي في التفكير، فالبدء في ملاحظة الأمثلة – الأجزاء المقتطعة من نص متكامل مضموناً وتركيباً، للوصول إلى القاعدة، فيه يسير العقل من المحسوس إلى المعقول وهذا أجدى أسلوب للابداع والاكتشاف والاختراع.

وباقتران أسلوب الاستجواب بالطريقة الاستقرائية يتم اكتمال الطريقة الفضلى والمسماة الاستقرائية الاستجوابية.

ويقابل الاستقراء التركيبي، القياس والاستنباط القياسي (Deduction)، ويتمثل في استخراج أجزاء أو أمثلة تطبيقاً على قاعدة موجودة، أي ان الكل موجود نستنبط منه الأجزاء، وفي اللغة: النبط هو الماء الذي ينبط أي يُستخرج من قعر البئر، فالاستنباط على عكس الاستنتاج السابق فلا يصلح مع الصغار وفيه ينتقل الفكر من المعقول إلى المحسوس، من العام إلى الخاص، ومن الكلي إلى الجزئي، فالحركة الفكرية فيه متتالية، بعكس الاستقراء حيث تكون تصاعدية، والقياس هو بمثابة التحليل للبرهنة للكلية، وتتمثل بوضع القاعدة أمام التلاميذ، ثم وضع الأمثلة عليها لنشرحها بأسلوب تلقيني (على الأكثر). وإن كنا لا نشجع على اعتماد هذه الطريقة القياسية ولا الأسلوب التلقيني، خصوصاً مع الأطفال، إلاّ أنه لا مناص من استعمالهما في دروس الرياضيات خاصة وفي الصفوف العليا، يقول سبنسر:

«يجب أن نقلل من تلقين الأطفال بقدر المستطاع وأن نشجعهم على البحث بأنفسهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وأسلوب التلقين مرفوض رفضاً قاطعاً في الحلقة الابتدائية الأولى، وهو مرفوض في الحلقة الثانية، وغير مستحب في الحلقة الثالثة ومقبول في المرحلة الثانوية والجامعية، لأن التلقين لا يبني شخصية وبالتالي لا يبني مجتمعاً واعياً متماسكاً، فهو يُلغي شخصية الطفل ويسد عليه منافذ الفكر، ويقطع بينه وبين عوامل الابتكار والابداع، في حين ان التربية التي نسعى إلى تعميمها تجعل شخصية المتعلم: ايجابية، منفتحة، متفاعلة، باحثة، مدققة، ملاحظة ومكتشفة… الخ.

وفي رأينا، ومن خلال الفصل الدقيق بين الطريقة والأسلوب، يتبين لنا أن هناك طريقتين فقط، وفكر الإنسان إما أن يكون في حال تحليلية قياسية تنازلية، أو يكون في حال تركيبية استقرائية تصاعدية، لذا جمعناهما في طريقة واحدة سميناها التحليلية التركيبية. وقد يطغى التحليل أحياناً على التركيب كما في تحليل أو في دروس اكساب الأطفال الحرف بهذه الطريقة، وقد يطغى التركيب على التحليل كما في دروس القواعد والإملاء. أما الأساليب فعديدة وليست ثابتة بل تتغير بحسب الحاجة إلى الافهام للاستيعاب.

بعض الأساليب والوسائل الفكرية والعلمية:

– ارتباط الجزء بالكل، والكل أياً كان يتجزأ على أن يعاد دمج الأجزاء في هذا الكل: التعليلي: عملية عقلية يراد بها ذكر السبب أو العلة وربطه بالمسبب أو المعلول بهدف شرح الأحكام، والقواعد الكلية لتوضيحها أو تثبيتها أو التحقق منها وهذا يُطلب في التمارين التطبيقية، وأكثر الألفاظ استعمالاً هي: اللام، لأن ، كي، حتى، لذلك، لئلا.

– الاستدلال أي تقديم الدليل والبرهان على صحة قول معين حول مشهد أو كلام.

(يتبع)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.