طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

طرابلس عاصمة ثقافية 2023» في ندوة في كلية الاداب -الفرع الثالث… صفوح منجد: عددُ معالم المدينة التراثية والحضارية كان 172 وصار 70 معرضة للتخريب سابا زريق: من يتذمر من افتقار طرابلس لبعض المظاهر، لا يدرك على أية كنوز ثقافية نتربع

رئيس المجلس الثقافي صفوح منجد

اختتمت كلية الاداب والعلوم الإنسانية – الفرع الثالث في طرابلس فعاليات شهرها الثقافي «ألوان ثقافية»، والذي أقيم تحت رعاية رئيس الجامعة اللبنانية الاستاذ الدكتور فؤاد أيوب، حيث تضمن حفل الختام ندوة تحت عنوان «طرابلس عاصمة للثقافة العربية 2023»، والتي أقيمت في قاعة المؤتمرات في الكلية.

توما

وبعد النشيد الوطني اللبناني، ألقى الدكتور جان توما كلمة مديرة كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة الدكتورة جاكلين أيّوب، قال فيها: لماذا كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة مهتمة بإعلان «طرابلس عاصمة للثقافة العربيّة 2023»؟

ولماذا هذا الإصرار عند مديرة الكلّية الدكتورة جاكلين أيّوب على مواكبة هذا الحدث الذي يعيد إلى طرابلس صورتها الحضارية المتألقة؟

ان السبب واضح في هذه الوجوه الشّابة التي تضجّ بالحياة وتريد لبنان وطرابلس على قدْر طموحاتها وأحلامها، وفي هذا التواصل المتين بين مديرة الكلّية والشباب الطافر بالحيوية والرّغبة في الإسهام بنهضة المجتمع والمحيط إيمانًا منهم بأنَّ المستقبل الآتي لا بدَّ وأَنْ يكون مشْرقا وقادرا على مواكبة ما يتطلّعون إليه وما يرجون.

واضاف: أن تكون طرابلس عاصمة للثقافة العربيّة للعام 2023، هو حدث يجب أن تشتغل عليه الهيئات الرسميّة والأهليّة في تعاون مخلص وهادف بهمّة وزارة الثقافة التي تابعت هذا المـلف وحملته إلى المعنيين وتعمل اليوم لإعداد الـملف اللازم لتحقيق المرتجى، ولنا الأمل للإسهام المباشر في هذه الفعاليات خاصة وأن ابن هذه الكلّية الذي يعرف طاقاتها الدكتور علي الصمد هو مدير الشؤون الثقافيّة في وزارة الثقافة.

اندراوس

ثم قدمت للندوة الدكتورة ميريام اندراوس باللغات الثلاث العربية والانجليزية والفرنسية حيث لفتت الى ان طرابلس عاصمة الشمال المدينة الثانية، ستكون عاصمة للثقافة العربية بعد بيروت عام 1999، فطرابلس بنسيج عراقتها وغناها التاريخي وقيمتها الحضارية هي مدينة تستحق ثقافة الحياة.

زريق

ثم تحدث الدكتور سابا قيصر زريق رئيس الهيئة الادارية ومدير عام مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية فأضاء في محاضرته على فكرة الثقافة، وقال: غالبا ما نسمع نشاذ من يتذمرون من افتقار مدينتنا إلى بعض المقومات التي لو توفرت لشدتهم إليها أكثر، لكنهم لا يدرون على أية كنوز ثقافية نتربع.

وأضاف: ان مدينتنا تختزن من الثقافة أعرق وأصفى مكنوناتها، صقلتها السنون بتوافد الحقب وتنوع المجتمعات والشعوب التي طبعتها بحضارات مختلفة.

سابا زريق

ثم شرح مفصلا المكونات الثقافية في طرابلس ومنها الثروة اللغوية، والادبية والفنية حيث نشط التشكيليون الطرابلسيون، وقلة هم من يدرك أن اول من برز في عالم الغناء الطرابلسي منذ قرن هي سيدة طرابلسية الى مبدعين لا حصر لهم، كما شرح مكنونات الثروة الحرفية ووسائط نشر الثقافة من جمعيات أدبية اطلقت مئات النشاطات الادبية، الى المدارس والارساليات، والمكتبات الخاصة منذ اوائل القرن التاسع عشر، الى عشرات دور النشر . ونوّه بعائلات طرابلسية إشتهرت بكامل أبنائها او معظم أفرادها بالغناء وكذلك ذاع صيت موسيقيين من ابناء المدينة في ارجاء المعمورة.

وتساءل: في عودة إلى الزمن الجميل من منا لم يسمع بالمسرح الشعبي الطرابلسي مثل «الكراكيزي» و«انبوبا» او بالفرق التي كانت تتخذ من مبنى الإنجا المغدور في التل مسرحاً لها أو أولائك الكتاب المسرحيون الذين اثروا تراثنا بسيناريوهات محلية جميلة او مقتبسة من روائع الغرب المسرحية؟ وربما لا تعلمون ان اب السينما اللبنانية هو طرابلسي غادرنا في اوائل هذه السنة عن 94 عاما وعنيت الراحل جورج نصر، كما أعطت طرابلس للتلفزيون اللبناني مخرجين ولعالم الأفلام القصيرة محلقين.

وتحدث د. زريق عن الثقافة كمنبع للانتماء شارحاً مفهوم الانتماء الثقافي، ووسائل التعبير عن هذا الانتماء في طرابلس ومن بين ابرز مظاهرها اللكنة المحلية التي هي من سمات الهوية الثقافية.

ورأى ان رسالة الثقافة لا تقتصر على شحن الأدمغة بالمعارف إذ ان للتراث المادي الملموس الذي يتكون من مضامينها رسالة ثانية. ان الثقافة تولّد ما اعتبره تراثا عاطفيا ومعنويا يتكشّف عن فضيلة الإنتماء. نتلمس الشعور بهذا الإنتماء في قصيدة او رواية او صلاة او أغنية او مسرحية او رسم او منحوتة فما هو إذن هذا الإنتماء الذي يحتل قلب التراث العاطفي؟

ثم شرح دور الفن أو التعبير فنيا عن الانتماء الذي  ينعكس في لوحات الفنانين التي تبرز جماليات المدينة وغيرها من مظاهر التعبير كالاخراج السينمائي .

وقال: ان الإنتماء إلى مجموعة او مدينة او بلد موضوع يتصل بشكل وثيق بالهوية الشخصية يتمحور حول منظومة قيم وأخلاق ويستحدث بعداً إجتماعيا يبدأ مفروضا علينا عند الولادة ليتحول مع الزمن إلى خيار شخصي كإنتساب إنسان إلى حزب أو ناد أو إختياره مثلا لجنسية غير جنسيته الأصلية، كما وأن الإنتماء ليس قيدا في سجل مدني يثبت إنتساب فرد إلى عائلة أو نسب فهو دليل موضوعي له مفاعيل وحقوق مثل تحديد قلم الإقتراع الذي يدلي بصوته فيه أو إثبات نقل قيد فرد من سجل إلى آخر، أما الإنتماء الحقيقي فهو شعور لا ينتج حقوقا بل يرتب واجبات، مثل واجب الولاء والوفاء.

وتابع: قد لا يعبّر عن الإنتماء تصريح عاطفي من هنا أو كلام معسول من هناك قد تقصّر الكلمة عما ينضح به عمل فني أو أدبي فعلى حد قول كاتب فرنسي (مارسيل ارلان) ان الفن ليس عملا ظرفيا بقدر ما هو بوح وحلم ناطق بلسان صاحبه.

منجد وزريق يتوسطان توما واندراوس

وختم: قلما نجد مدينة تزخر بالثروات الثقافية كالفيحاء فالنشاطات الثقافية في بيروت هي ابعد ما تكون في كثافتها عن تلك التي نشهدها في طرابلس، لذلك ستبقى طرابلس على عادتها عاصمة للثقافة العربية.

منجد

ثم حاضر رئيس المجلس الثقافي للبنان الشمالي الاستاذ صفوح منجد الذي شكر في مستهل مداخلته مديرة كلية الآداب والعلوم الإنسانية الدكتورة جاكلين أيوب منصور، على استضافتها هذه الندوة ولما بذلته من جهد وإهتمام لإنجاح الموسم الثقافي الأول في الكلية بعنوان «ألوان ثقافية» والذي تضمن فعاليات غير مسبوقة إستمرّت لأكثر من شهر، وقد نجحت الدكتورة أيوب ونجح معها فريق العمل الذي ضم مدراء أقسام وأساتذة وطلابا في التأكيد على الدور الثقافي والتنموي والإجتماعي للجامعة اللبنانية بمختلف كلياتها.

وبعد أن تطرق لمحطات تاريخية من تاريخ طرابلس بدءاً من زيارة الرحّالة الفارسي ناصر خسرو إلى طرابلس سنة 1047، وصولا الى زيارة المستشرق الفرنسي لوران دارفيو الذي زار طرابلس بين العامين 1658 و1670 وزار قلعتها واسواقها.

وتوقف عند القصر الذي بناه في اواخر القرن التاسع عشر قيصر نوفل وهو قائم في ساحة التل بطرابلس ويمتاز بقرميده الأحمر، الذي جرى تحويل الطبقة الأولى منه إلى كازينو طرابلس وزبائنه من النخبة الأجنبية والمحلية وإشتمل على بروغرام فنّي راقص وحلبة رقص وله حديقة صيفية مشهورة (وهنا أشار منجد إلى المكان الذي يشغله اليوم كراج للأوتوبيسات وباعة السندويش) ثم توسّع ليضم صالتي سينما وبليارد خاصتين ورواده من كبار الضباط العسكريين الفرنسيين والمحليين في وقت لاحق، ثم تحوله إلى ناد مغلق لكبار موظفي شركة نفط العراق وعائلاتهم الذين كانوا بأكثريتهم الساحقة من البريطانيين واصبح الكازينو بذلك أكثر خصوصية وإنغلاقا وهو في النهار لأولاد العائلات حيث أقيمت فيه صالات تزلج «سكي» على الرخام وملاعب تنس وفي هذا المكان ايضا أقيمت أول حفلة لإنتخاب ملكة جمال من طرابلس إقتداء بإنتخاب مماثل جرى في بيت مري .

ثم تحدث عن العام 1908 بعد ان تم تعيين عزمي بك متصرفا تركيا في طرابلس وكان يتمتع برؤى إصلاحية وإشتهر بمتابعته تنفيذ عدة مشاريع عمرانية وحيوية في المدينة ومنها شق الطريق المعروف إلى اليوم بإسمه طريق عزمي الذي يصل مقر بلدية طرابلس اليوم إلى المرفأ . ثم توقف عند أجمل ما قيل في طرابلس نثرا وهو أقرب إلى الشعر وردد على لسان الشاعر نزار قباني في مطلع الخمسينات من القرن الماضي وكان مدعوا لإلقاء بعض قصائده في نادي موظفي شركة نفط العراق. وقبل أن يبدا قباني أمسيته الشعرية خصّ طرابلس بتحية قال فيها:  «حين سُئلت أن أعطي أمسية شعرية في مدينتكم الحلوة، لم أستطع أن أقاوم الدعوة المغرية، فطرابلس في هذه الأيام الربيعية هي قارورة طيب.. ومن ذا الذي يرفض السكنى في قارورة طيب؟ عند مشارف مدينتكم إستقبلتني رائحة زهرات النرنج والليمون، ملأت صدري وملأت ثيابي حتى خيّل إلي ان حدود مدينتكم مصنوعة من رائحة الجنة. هلى تريدون لمدينتكم حدودا أحلى من هذه الحدود التي لا تُرى ولا تُلمس. هذه أول مرة أقف فيها على منبر من صنع نيسان. هذه اول مرة أقرأ فيها شعري وأنا واقف على أجفان زهرة وأنا مختبىء في زهرة.. في طريقي إليكم كنت أفكر في القصائد التي سأقرأها عليكم. أحسست بالحزن حين رأيت المزارع على طول الساحل تشتعل بألوف القناديل البيضاء والحمراء وبألوف القصائد. وسألت نفسي: ماذا تستطيع قصائدي أن تفعل في مدينة تتسلق القصائد على أشجارها ونوافذها وسقوف منازلها. أنا حزين لأنني لا استطيع أن أضيف فلذة جمال واحدة إلى هذا المرفأ الذي يغزل الجمال كما يغزل العيون الإسبانية اللؤلؤ الاسود حسب قصائدي أن تكون نغمة صغيرة متواضعة في سمفونية النرنج والليمون التي تعزفها كل شجرة في مدينتكم الحلوة.

وسأل: ماذا فعلنا بمدينة قيل عنها أنها من رائحة الجنّة؟ أية جريمة إقترفوها بحق مدينتنا يوم إستغلوا طوفة النهر في العام 1956 ليستبيحوا المدينة ويقطّعوا أوصالها بغية تأمين وتسهيل عمليات دخول الآليات الأمنية إلى داخل المدينة القديمة ، دمّروا أحلى ما في المدينة من أسواق وتراث مادي وغير مادي فقط ليفرضوا الأمن كما زعموا وكأنّ الإستقرار والأمان والإطمئنان يرتبط فقط بالتواجد الأمني متناسين ألف باء الإستقرار الذي يرتبط أولا وأخيرا بالتنمية وبالمشاريع الحيوية وبتعزيز العلم والمعرفة وتوفير فرص العمل.

وأضاف: حتى وقت قريب كانت المدينة القديمة من الحدادين إلى التبانة مرورا بالاسواق والأحياء تعتبر نسيجا عمرانيا واحدا وكان بالإمكان التنقل في هذه الأحياء على مسافة 3 كلم وبعرض يتراوح ما بين مئتين إلى ثلاثمئة متر بواسطة الاسطح دون الحاجة إلى السير على االأرض.

فالمدينة التي كانت يوما تحتوي على أكثر من 172 معلما تراثيا وحضاريا ها هو العدد قد تناقص اليوم بحيث لا يزيد عن سبعين معلما تتعرض هي الأخرى للدمار وللتفتيت في محاولة لطمس تراث المدينة المادي وغير المادي.

وأردف: هل تعلمون ان طرابلس أصبح من المتعذّر حتما إدراجها على لائحة التراث العالمي والسبب بسيط جدا أن أصحاب القرار قد فعلوا فعلتهم ودمروا النسيج الواحد الذي كان يربط المدينة من أقصاها إلى اقصاها تماما كما هو الحال اليوم في معظم المدن والعواصم العربية التي فتكت بها الحرب.

لقد طالبنا في المجلس الثقافي ولا نزال باللامركزية الإدارية على ان يشمل ذلك إنشاء دوائر أو مصالح رسمية لوزارة السياحة والثقافة والبيئة والشباب والرياضة في طرابلس كما في سائر المحافظات اللبنانية وإقترحنا أن يتم الإستفادة من قصر العدل القديم الكائن ما بين السرايا الحكومية الحالية وبين قصر العدل الجديد لإقامة هذه الدوائر الرسمية.

وختم: نحن أيضا في المجلس الثقافي للبنان الشمالي ومنذ ثلاث سنوات نتحرك في إطار تفعيل قرار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) بإعلان طرابلس عاصمة للثقافة العربية للعام 2023 وننتظر الخطوات الإجرائية من قبل وزارة الثقافة ونعقد الآمال على سعادة المدير العام لوزارة الثقافة الدكتور الصديق علي الصمد وعلى معالي وزير الثقافة الجديد الدكتور محمد داوود لإتخاذ القرارات المناسبة في ما يتعلق بتشكيل اللجنة المحلية التي ستشرف على هذه الإحتفالية والتي ستضع بدورها برامج هذه الإحتفالية لإحالتها وفق الأصول إلى مقام مجلس الوزراء وبإسمكم جميعا نوجه الدعوة إلى معالي الوزير وسعادة المدير العام لزيارة طرابلس والإجتماع بالهيئات الثقافية للتداول بالأوضاع لاسيما في مسألة اعلان طرابلس عاصمة للثقافة العربية2023.

وفي الختام قدمت مديرة كلية الاداب الدكتورة أيوب، ورئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين دروعا تكريمية للمحاضرين زريق ومنجد، كما تم تقديم درع تكريمية للاعلامية في الوكالة الوطنية السيدة ليلى دندشي تقديرا لجهودها في تغطية الاحداث الاعلامية في طرابلس.واختتم اللقاء بحفل كوكتيل وقطع قالب الحلوى للمناسبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.