طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

رحل رجل المواقف الإنسانيّة والفكر الحر

الراحل خطار

من أين تبدأ سيرتك المجيدة، وكيف تنتهي قصّتك الفريدة؟

يا أندر الرجال وأقدر المناضلين، يا من بذلتَ كلّ عمركَ من أجل الآخرين، ونذرتَ جميع أيّامك للمقهورين والمنسيّين والمظلومين.

أنت، من أنت؟ أشعلة من العطاء، لا بل وأكثر.

أنت قبس من صدقٍ ولطفٍ ووداعة، مرّ في هذا العالم ثمّ رحل.

أنت الإنسان المجبول بالوفاء والاستقامة والشهامة والمروءة، والشخص المسكون بهموم الناس والمجتمع والوطن.

ملأتَ مركزك أينما حللتَ، ونشرت قيَمك حيثما وجدتَ، حتّى أحبّك من عرفك حبّاً جمّاً، واحترمك من سمع بك احتراماً كبيراً، وفاض أريج أعمالك الطيّبة في كلّ مكان.

أمّا ثقافتك الشاملة اللامحدودة فكانت مضرب مثل، وكتاباتك المجليّة توزّعت بين المقالات والتحليلات والدراسات والمدوّنات والشعر والنثر والتاريخ والآراء السياسيّة والاجتماعيّة.

ولم تكتفِ بطرق مجالٍ أو اثنين، ولكنّك أثريتَ منطقة البترون ولبنان بمواقف سياسيّةٍ إصلاحيّة وثوريّة، قلّ نظيرها وعزّ أن يطلقها غيرك؛ ناظراً إلى الأمام ومستشرفاً الأخطار المحدقة بالوطن والأمّة العربيّة.

حاضرتَ في كلّ مناسبة، وأطلقتَ المواقف الجريئة وخطبتَ الخطب الرنّانة، فكنتَ صريحاً ومباشراً وغير مهادن، مفوَّهاً ومعبّراً وملتزماً.

وبقيتَ كما أنتَ، لم تتغيّر قيد أنملةٍ عن ثوابتكَ، ولم تبدّل ولو تفصيلاً في منهجك العلمانيّ والعروبيّ والاجتماعيّ.

فأصبحتَ رمزاً للأحرار، ونبراساً للشرفاء، بسياستك الخالية من أيّة انتهازيّةٍ أو وصوليّة.

وبرحيلكَ، صُدم القريب والبعيد، وذرفت الأعين دموعاً سخيّة، ولم تصدّق العقول أنّ قامةً بحجم فادي خطّار قد غابت، وحلّ مكان ذاك الحضور المهيب فراغ يقلق المساكين والمحرومين، الذين كنتَ سنداً لهم على المنابر وفي قاعات المحاكم.

ففكركَ الجبّار وقلبك العطوف وشخصيّتك الغريبة، جذب إليك الأصدقاء والمحبّين وطالبي العلم والنصح والإرشاد، فلم تبخل بأيٍّ شيء، رغم أوجاعك الكثيرة ونوائب الدهر عليك.

وأنا واحد من هؤلاء، تلميذ في مدرستك النقيّة، ومنصت لكلمات الحكمة التي نثرتَها، وأمين على ميراثكَ العظيم، ورفيق لصيق بك، وأخ صغير لك، قادَته الأقدار إلى خلوتك المنوّرة بالحقّ والعدل والتفاني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.