رمضان ليس للجوع بل لإشباع الروح
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه (البقرة آية 184) آية عظيمة جاءت بعد قول الله عزّ وجلّ }يأيها الذين ءامنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون{ (البقرة 182) فالصوم ليس خاصةً من خصائص المسلمين وليس حكراً عليهم والمولى سبحانه وتعالى فرضه على جميع من آمن بالتوحيد ولكن الله اختص المسلمين من بين سائر الموحدين بصوم رمضان تحديداً ليرتقي بالنفوس، والعقول، والأجساد.
أما الجسد فهو يرتقي بالتحول من التبعية المطلقة للشهوة المتملكة منه إلى انضباط تام وتحكم شامل بالشهوات المسموحة والممنوعة، المتاحة والمنهي عنها، ففي هذا الشهر الفضيل يتحول الإنسان المؤمن من متّبِعٍ للشهوة إلى متحكم بها، فيقوى على شهوته وعلى رغباته ويعطي الأوامر للجسد بالتخلي عن الطعام والشراب بإرادة عالية لمدة زمنية محددة والشهوات المسموحة ضمن الأطر الشرعية مما يعيد للإنسان السلطة التامة للتحكم بجسده…
أما ترقية العقول فهي أمر آخر ومهم لا يمكننا التغاضي عنه فمن يخرج من رمضان دون الشعور بأنه فرد فعّال ضمن جماعة كونية واحدة تشكل منظومة متكاملة متعاونة يكون قد قصر بصيامه أو أخطأ مقاصد الصوم، فعلى الصائم أن يعي بأن التلاقي بالصلوات الخمس، الفرائض منها والنوافل كالتراويح، مع المسلمين جميعاً في مكان واحد ساجدين لخالق ٍ واحد وهو الله سبحانه وتعالى هو درس للتضامن والوحدة والوقوف صفا ً واحداً في شتى الظروف. وكذلك التساوي بالجوع والعطش بين الفقير والغني ليس الا لتعظيم منظومة العمل الجماعي المتكامل وبأن هذا الدين يرى الخير والتفوق في جميع أفراده وليكتسب المؤمن درسا بأنه وجد للإعمار في الأرض وتطويرها ولا يسعه ان يعيش على هامش الحياة فعليه ان يكون فرداً نافعاً في مجتمعه معطاءً لمحيطه لا يحق له ان يكون سلبياً منكفئاً عن مجتمعه بل عليه العمل الدؤوب لتطوير نقاط قوته وصقل الطاقة الموجودة في داخله وإنجاحها وتسخيرها في خدمة مجتمعه للرقي به ودفعه قدماً إلى الأمام، ورفع راية معتقداته ونشر غاية وجوده بعبادة رب العالمين وسل سيف العلم والاستنارة على رؤوس الجهل والجاهلين داخل الدين الإسلامي وخارجه، فالمسؤولية كبرى والتقصير الحالي أكبر فكل مسلم هو مطالب بالاتقان في عمله مها قلّ أو عظم شأنه.
أما اذا اردنا الحديث عن النفس فهي نفسها المطمئنة }يا أيتها النفس المطمئنة{ (سورة الفجر) وهي ذاتها الأمّارة بالسوء }وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم{ (سورة يوسف) وهي نفسها اللوامة }ولا اقسم بالنفس اللوامة{ (سورة القيامة).
لذلك فعلينا ان نعي أين أراد المولى ان يجد هذه النفس وكيف ارادنا المولى عزّ وجلّ إذ قال }وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى{ (سورة النازعات).
فنحن ما وجدنا على هذه الأرض عبثاً، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم الشهداء على البشرية لا يحق لنا السكوت عن الظلم المتفشي في الأرض اليوم كما أنه من غير المسموح ان نحاول رفعه بظلم اعظم والتجرؤ على الله ورسوله والعباد. لم يعد مسموحاً السكوت عن الجهل المتفشي في أمتنا.
بذلك كله تظهر عظمة الصوم، بتطبيق القاعدة الشرعية ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، هذا يعني التحكم بالنفس وصَهر مكنون قوتها وعظمة صفوتها لترتقي بتقوى الله ومخافة الرحمن تبارك وتعالى فمن لا يشعر بأنه معني بالوثنية العمياء المنتشرة في الأرض يتصادم مع معنى الصوم ومن يظن انه غير معني بالفساد الذي يعم البشرية فينقصه شيء من عظمة الصوم وترقية النفس ومن لا يتأكد بأنه مسؤول بشكل أو بآخر عن الجهل الموجود بين المسلمين اليوم فهو في الكارثة، علينا محاربة الجهل بشتى الوسائل الشرعية المتاحة بين يدينا وبالمقابل من يحاول تغيير هذه الشذوذات في المجتمع بالظلم أو بحد السيف فقد فاته كل الخير من ترقية النفس والرقي في سلم التقوى لأن الشهداء على البشرية بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة لا يظلمون ولا يطغون ولا يفسدون، نحن خير أمة اخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونحن ندعو إلى سبيل رب العالمين بالحكمة والموعظة الحسنة وكذلك نحن من نهينا ان نكون فظين غليظي القلب كي لا ينفض الناس من حولنا فقانوننا واحد متكامل لا بتجزأ وما أمرنا بالشدة والقوة وإرهاب الأعداء، إلا على من قاتلنا أو أجبرنا على العودة عن ديننا، وهذه معايير رمضانية إسلامية يجب أن تعمم وتكون معياراً لصوم المؤمن.