طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

مَن أحرق رغيف الفقراء؟

الحريق قضى على المكان بأكمله

فجر الأحد الماضي، في الرابع عشر من تموز، في مدينة طرابلس، كان معظم سكان المدينة نائمين، ومنهم أهالي باب الحديد والسويقة والجسرين وضهر المغر والدباغة وخان العسكر وسوق حراج وبركة الملاحة وخان الخياطين وجوار القلعة وتحت السباط ومحيط جامع محمود بيك وسوق الخضار ودوار أبو علي. فجأة وجد أهالي الأحياء المذكورة سابقاً أنفسهم وجهاً لوجه أمام جحيم ملتهب مجنون وعاصف فوق السقف التخريبي الذي شُيد على قسم من مجرى نهر أبو علي، محوّلاً إياه إلى مجرور كبير.
وكانت النار تأكل حوالي 300 بسطة والمحتويات الموجودة فيها، من ثياب وأحذية مستعملة وخضار وسلع كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى.
كانت النار تشتعل في كل الأمكنة، ومن كل الجوانب في نفس الوقت، بشكل يدفع إلى شك كبير بأن هناك من أضرمها وان الحادث مفتعل لأسباب شاع لاحقاً ان وراءها «مافيات» تتصارع على بسط النفوذ على تلك البقعة المهملة والمهمشة وغير المؤهلة وغير المعدة أصلاً لتكون سوقاً من هذا النوع.
بدقائق معدودة دُمّرت ممتلكات البائعين الفقراء أصلاً، والرازحين تحت وطأة الجمود الاقتصادي من جهة، والخوات من جهة أخرى، والديون التي تثقل كاهلهم من كل الجهات.
الحادثة مأسوية لأنها التهمت جنى العمر عند الكثيرين، ولأنها رمتهم فجأة على رصيف البطالة والعوز والحاجة الماسة إلى ما يسدّ جوع عائلاتهم.
فمن المسؤول عن هذه المأساة المريعة؟
بالطبع، شاغلو هذا السوق العجيب ليسوا هم المسؤولين عما حدث والنتائج الكارثية التي أسفر عنها.
وبالطبع أيضاً تندرج المسؤولية من الذين أصلاً خططوا لسقف النهر كجزء من «مشروع الارث الثقافي» الذي شوّه المدينة القديمة ولم ينته التشويه بعد، ثم هناك مسؤولية البلدية التي وافقت وروّجت لهذا الأمر خلال 2004-2010، بدعوى ان ما سيكون على هذا السقف هو برك للمياه واستراحات ومحلات للحرفيين ومقاهٍ نظيفة ومؤهلة ومناسبة للزوار والسياح، ثم تنسحب المسؤولية أيضاً على المجلسين البلديين اللذين توليا المسؤولية بعد مرحلة التأسيس التخريبي، أما المسؤولية الكبرى فيتحملها سياسيو المدينة الذين تدخلوا دائماً بل فرضوا إقامة بسطات واكثر من بسطات لمنتفعين يحيطون بهم، فيما هؤلاء المنتفعون يؤجرون هذه البسطات والمساحات ويفرضون الخوات في ما يُشبه «المافيا» الحقيقية المسيطرة على المكان.
وبالأرقام تقول سجلات بلدية طرابلس ان عدد البسطات المرخصة لا يزيد عن 140 بسط،ة فيما واقع الحال يقول ان البسطات التي احترقت لا تقل عن 280 بسطة، فمن الذي أنشا بسطات جديدة، ومن الذي أجّر المرخصة وغير المرخصة، ومن الذي فرض الأتاوات على شاغليها المسحوقين، ومن الذي صارع منافسين له يتبعون لمافيات أخرى لمدّ النفوذ داخل المكان، ومن المستفيد من الحريق وما الهدف الذي يراد الوصول اليه عبر خلط الاوراق بهذه الطريقة الكارثية، في هذه البقعة المهملة وفي هذه المدينة المسكينة؟
عندما نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة، وعندما نستطيع محاسبة كل من ساهم في جعل هذا المكان بالشكل الذي وبالإهمال المقيم فيه، عندما نحصل على الإجابات، من المؤكد اننا عندئذ سنعرف من أحرق رغيف الفقراء المساكين وشردهم وخرب بيوتهم.

الاطفائيون الذين بذلوا جهداً استثنائياً واصيب ستة منهم بحالات اختناق

مَن وماذا وراء حريق بسطات سقف نهر ابو علي؟

 

تبارى سياسيو المدينة في ابداء «الاسف» و«اللوعة» و«التضامن» الكلامي مع اصحاب البسطات المحروقة على سقف نهر ابوعلي، فيما هم يتحملون مسؤولية كبيرة عن الوضع الذي آلت اليه هذه المنطقة في طرابلس. ولهذا السبب قد لا يكون مفيداً نشر تصريحاتهم. وفي المقابل ابدى عضو مجلس بلدية طرابلس سابقاً محمد شمسين رأيا مهماً في القضية، رأت «التمدن» ان نشره قد يكون مفيداً، وقد يلفت النظر الى امور كثيرة في هذا الملف.
يقول شمسين: ««استيقظت طرابلس الأحد في 14 تموز 2019، على مشهدٍ مروعٍ إثر ما حدث ليلاّ، مع اندلاع حريق كبيرٍ وضخم، في منطقة جسر نهر أبو علي، أدى إلى احتراق عددٍ كبيرٍ من المحال والبسطات الموجودة ضمن مشروع سقف النهر الذي انطلق قبل نحو ثلاث سنوات.
ومع تعاطفي مع الفقراء العاملين على سقف النهر وليسوا كلهم اصحاب البسطات، اعتبر انه كان يجب التعويض عليهم من دون حريق، وخاصة بعد الكارثة التي حلت بهم ليلة عيد الفطر وأدت إلى تفقيرهم اكثر.
والسؤال هو : هل كان مخططاً لسقف النهر ان يكون مجمعاً للبالة وغيرها من المنتجات القابلة للحريق من دون أي حماية؟
ام كان مخططاً وجود 215 بسطة لا تتعدى الواحدة المترين، لعرض الارتيزانا وغيرها من المنتجات الجاذبة للسياح.
المسؤولية في الاساس تقع على البلدية والسياسيين الذين غضوا الطرف عن المخالفات وتغيّر وجهة المشروع برمته.
فعلى كل من شارك بهذه المصيبة، وخاصة السياسيين في طرابلس، دفع التعويضات للفقراء، وإعادة السقف إلى المخطط الرئيسي، وخلق فرص عمل لـ 215 عاطلاً عن العمل. وممكن ان تكون فرص العمل هذه لدوامين، لنحصل على 430 فرصة عمل.
اما مَن نفذ وخطط لهذا الحريق فهو من عليه ان يشارك في دفع الأموال التي ستصرف وفي ترميم السقف من جديد وهذه قائمة طويلة.
علما انه عند قدوم الجهة المانحة لمشروع الإرث الثقافي للكشف على المشروع، رميت جميع البسطات وما فيها في نهر ابو علي بأقل من 24 ساعة، وهذا أمر ملفت للانتباه.
فمن وراء كل هذا؟».

البسطات المحروقة
هكذا سوّق مجلس الانماء والاعمار وبلدية طرابلس لمشروع سقف النهر في العام 2008
… وهكذا نفذوه وحولوه الى سوق للاحذية والالبسة المستعملة والخضار وغيرها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.