طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

لقد أصبحنا عُراة؟ (2/11)


لو خطر ببال «إيفان كارمازوف» (Ivan Karamazov) أن «التطور سيحولنا إلى «Copy Paste» لبعضنا البعض، نصلي شعائر Algorithmes (خوارزميات) الـ AI (الذكاء الاصطناعي) في معابد GAFAM للرب Big Data (البيانات الكبرى) لانتحر بدل التحريض على قتل أبيه الفاسق.
المفكر «أندريه مالرو» (Andre Malreau) كان أحد أهم مثقفي العالم الغربي في القرن العشرين، كتب عدة مؤلفات، واستلم منصب وزير الثقافة في فرنسا أيام حكم الجنرال ديغول.
كان كثير التفكير في مستقبل الثقافة الغربية، ومن أقواله أن «إيفان كارمازوف» أحد أبطال رواية الأخوان «كارمازوف» للكاتب الروسي «دوستويفسكي» التي صدرت عام 1880 يمثل بشخصياته وتساؤلاته نموذجاً حياً لما تطرحه الحضارة الغربية، حيث الحرية والديمقراطية من أفكار، وتحاول إيجاد حلول لتناقضاتها، ويمكن اختصار الرواية كالآتي:
الوالد «فيودور كارمازوف»، رجل سفيه وعديم الأخلاق، عنده ثلاثة أولاد، كبيرهم «ديميتري» يمثل شخصية الروسي المندفع والمتقلب والمتكبر.
الابن الثاني ايفان، وهو مَن يهمنا هنا، يمثل المثقف الملحد الذي يشك بالقيم، باحثاً عقلانياً عن الحقيقة والأخلاق والعدالة ولا يجد حلاً.
الابن الثالث «ألكسي»، مؤمن وطيب القلب ويدرس ليصبح راهباً.
للأب أيضاً ابن غير شرعي يعمل خادماً لديهم معدم وضعيف الشخصية إسمه «بافل».
الأبناء جميعهم يكرهون الأب لحياته السافلة، ويختلفون في ما بينهم. وفي الرواية يُقتل الأب وتشير الأحداث ان القاتل هو الإبن غير الشرعي بتحريض من بطلنا «إيفان».
أهم ما في الرواية من نصوص فكرية هي عندما يُعبِّر «إيفان» عن ثورته ضد العالم المليء بالظلم والعذاب لأن ما فيه من كيان متناسق وتنظيم هو في الواقع تغطية للظلم والعذاب، ويتخيل في مقولة طويلة يرويها لأخيه إسمها «المفتش الأكبر» (Le Grand Inquisiteur)، نسبة إلى محاكم التفتيش التي أسستها الكنيسة في القرون الوسطى لحرق (علناً في الساحات العامة) كل من تسول له نفسه الشك بما تقوله الكنيسة والابتعاد عن طريقها وذلك لخيره وخير البشر.
يتخيل «إيفان كارمازوف» ان المسيح نزل من السماء وعاد إلى الأرض لإحلال المحبة بين الناس.
ولكن الذي يحصل هو ان ما يقوم به السيد المسيح يعارض ما تقوم به الكنيسة. إذ أن الكنيسة أصبحت مؤسسة ثابتة لها أسس وقواعد وأنظمة لتسيير البشر الطائعين لمبادئها المؤمنين بعقيدتها السعداء باتباعها دون تساؤل.
في القصة يعود المسيح إلى «إشبيليا» أثناء «محاكم التفتيش» ويُعيد الحياة إلى طفل ميت، فيجن جنون «المفتش الأكبر» ويوقفه ويسجنه في قمرة مظلمة، ثم يأتي إليه ليطلب منه ترك الأرض والعودة إلى السماء لأن ما ينادي به من حرية لا يأتي منها إلاّ الفوضى والعذاب للبشر، وبما أن للسيد المسيح طبيعتين: إلهية وبشرية، فليرحل إلى السماء بطبيعته الإلهية وليترك للكنيسة كل ما هو بشري ليستمر حكمها والاستقرار.
هذا باختصار شديد ما يهمني في هذا المقال.
مسكين يا «إيفان كارمازوف» مع الذكاء الإصطناعي انتهت كل التساؤلات بفضل AI والـ Big Data ستوضع في (Algorithmes) «خوارزميات» السعادة القسرية وتتحول إلى نمل مبرمج يقوم بما خُطط له سعيداً دون طروحات، لماذا؟

*********

قوى العالم اليوم ليست القوى العظمى مثل أميركا والصين لأنها أصبحت زبائن تستجدي لاهثة وراء GAFAM المسيطرة على دماغنا أي على حاجاتنا المادية أو الفكرية أو الروحية. GAFAM هي: Google، Apple، Facebook، Amazone، Microsoft، المتفاهمة مع بعضها البعض لتطوير عالم المعلوماتية وتكنولوجياتها وتطبيقاتها من خلال الذكاء الإصطناعي AI معتمدة على Deep Learning and Big Data (التعليم العميق والبيانات الضخمة).
إنهم الجبابرة الذين استولوا على عالم المعلوماتية وتطور الإلكترونيك، يعني أنهم وضعوا يدهم بشكل تام على كل أنواع التواصل بين البشر وباختصار دخلوا أدمغتنا حين جمعوا وخزّنوا كل تصرفاتنا وأقوالنا ومشترياتنا وحساباتنا وما نحب ونكره من حولنا. وذلك بواسطة البصمات التي تتركها تصرفاتنا من أفعال وأقوال ومنها درسوا شخصية كل فرد منا وشكلوا نموذجاً عنه استخلصوا منه إحصائياً تصرفاته بشكل دقيق للغاية، لقد أصبحنا عُراة.
تشير الإحصائيات انه عام 2016 كانت تمر:
– 300.000 تغريدة على تويتر في الدقيقة،
– و15 مليون رسالة نصية،
– و204 مليون إميل.
وأنه منذ العام 2010 يُنتج مجموع البشر كل يومين كمية من المعلومات تساوي ما أنتجته البشرية منذ اختراع الكتابة قبل خمسة آلاف سنة.
أما تعبير «Big Data» أي تجميع أكبر عدد من المعلومات لاستخلاص قرار معين فقد دخل في اللغة عام 2008 ومنذ ذلك الحين أصبحت صناعة مهمة تنمو بشكل مضطرد، ويُقدر رقم أعمالها حتى العام 2016 بـ 24 مليار دولار، ولا يخلو نشاط تجاري أو صناعي أو مصرفي من استعمالها.
وتُقدر قيمة Google المتداولة في البورصات Volorisation boursière عام 2016 بـ 544.7 مليار دولار، مرتين أكثر من أهم شركة نفط «Exxon Mobil» ونستنتج ان المعلومة اغلى بكثير من مادة النفط المنتجة للطاقة التي تشكل كل ما يحيط بنا من حضارة.
كل هذه الأرقام تنمو بسرعة هائلة! هذه المعلومات هي ما أقوله أنا وأنت لبعضنا عبر أجهزة التواصل وهناك من يخزنها ثم يأتي آلاف علماء النفس والسوسيولوجيا والقانون والفن الخ… ليضعوا نموذجاً لكل واحد منا يجرون عليه التجارب ليقرروا كيف يبيعونه ويوجهونه بواسطة الإعلام وغسل الدماغ وينجحون لأن المعطيات عندهم كثيرة بشكل هائل تؤهلهم للدخول إلى ذاتك بواسطة وضعها في خوارزميات (Algorithmes) داخل الحواسيب الفائقة السرعة والذكاء.

يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.