طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

طرابلس نبضُ الثورة

فجأة، وبلمح البصر، استعادت مدينة طرابلس كل ألقابها، هي التي عُرفت عبر تاريخها بأنها «العاصية» في مواجهة الظلم والاستبداد، ومن أجل شعب كريم ودولة عادلة.
فجأة، عاد لطرابلس بريقها ودورها الريادي على مستوى لبنان والعالم العربي، فعادت إليها كل ألقابها: أمّ الثورة، أيقونة الثورة، عروس الثورة، عاصمة الثورة. لكن الأهم أنها أيضاً أثبتت أنها حقاً «نبض الثورة».
فجأة، في تلك الليلة – المعجزة، ليلة 17 تشرين أول 2019، هبّت المدينة لتلعب دورها التاريخي، في وطن نخره الفساد، وفي ظل عهد فاشل أمعن في التفريق بين الناس وخلق الفتن وبعث الأحقاد والنعرات وترسيخ الانقسامات، عهدٌ أوصل البلد إلى هاوية اقتصادية ومالية سحيقة، وإلى شلل شبه تام في عمل الدولة، وإلى مصائب بيئية وخدماتية واجتماعية لم يشهد لبنان مثيلاً لها في تاريخه. وكان مشهد الحرائق الهائلة، التي ضربت لبنان بشكل كبير وظهرت خلالها الدولة عاجزة بالكامل عن المكافحة، كان هذا المشهد دليلاً إضافياً على أن الطبقة السياسية التي تحكمنا منذ عشرات السنين لا يمكن التعويل عليها أبداً.
أما، لماذا طرابلس كانت، ومازالت، نبض الثورة الشعبية العارمة في لبنان؟
لأنها، ومنذ اللحظة الأولى للانتفاضة، انطلقت بزخم فاق كل التصورات، ونزلت إلى الشارع بكل تلاوينها الاجتماعية والطائفية والمهنية. ولأن نزولها الصاعق هذا تميّز بالاحتشاد الضخم السلمي والحضاري واللاطائفي، ولأن هذا النزول بقي ثابتاً في الساعات والأيام الأولى، دون كلل أو ملل. ولهذه الأسباب تشجعت ساحات عديدة في أنحاء مختلفة من لبنان، على النزول والتعبير عن ذاتها بنفس الأسلوب الذي أرسَته الفيحاء منذ اللحظة الأولى لانتفاضتها. وكانت المدينة، في كل مرحلة تبرد فيها نيران الثورة قليلاً، تسارع إلى ضخ الدم من جديد ورفع الصوت عالياً والتكاتف بغضب وفرح، لرفع معنويات الثائرين في مختلف أنحاء لبنان. هذا هو نبض الثورة.
وتجدر الاشارة هنا إلى ان ثورة طرابلس ثورة متعددة الأوجه، فهي أساساً بالطبع ضد العهد وحكومته والطبقة السياسية برمتها والفاسدين على اختلاف مشاربهم ومنابتهم وتوجهاتهم وأحزابهم وتياراتهم. هذا صحيح، لكن أيضاً، المدينة عبّرت، في انتفاضتها، عن رفض كبير للصورة النمطية التي ألصقت بها، وليس أصدق في هذا المجال من الجملة التي رفعتها إحدى السيدات في «ساحة النور» – «ساحة الثورة» وفيها: «استلمتم المدينة 30 سنة فصار لقبها «أفقر مدينة على المتوسط»، واستلمها الشعب 6 أيام، فصارت «مدينة السلام»». إضافة إلى ذلك يبدو ان المدينة قد ثارت أيضاً على الذين يحاولون تكبيلها وعزلها عن محيطها (المختلف دينياً) وخنقها والهيمنة على مفاهيمها الثقافية والفكرية وترهيبها وفرض أنماط لا تشبهها. ثارت المدينة بشكل واضح على هذا الاستغلال المشبوه والمعيب لطيبة أهلها وتقاليدهم. ثارت غضباً، رفضاً، فرحاً، إنشاداً، غناءً. ثارت بحرية كاملة لأول مرة منذ زمن بعيد.
وفي المقلب الآخر، أي في مقلب السلطة، ظهر بدايةً أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله ليستخفّ بالمتظاهرين معتبراً ان «نزلة «حزب الله» إلى الشارع هي التي يُحسب لها حساب»، فما كان من الجماهير إلاّ ان ردت بالنزول إلى الشارع بشكل أكبر وأثبت، وخاصة في المدن والبلدات والقرى الشيعية، في النبطية وصور وكفررمان وبعلبك. ثم ظهر رئيس الحكومة سعد الحريري ليطرح «ورقة اصلاحية» رفضها الشارع بسبب انعدام الثقة بالسلطة بأكملها وبأنها جدية في إجراء أي إصلاح، بعد سنوات طويلة من الفساد واستباحة المال العام. ثم ظهر رئيس الجمهورية ميشال عون في فيلم سيىء الانتاج والمونتاج، ليقول كلاماً غير مترابط وغير واضح وغير حاسم وفيه الكثير من الضبابية وفيه بُعد عن فهم لبّ المشكلة، فجاء الرفض من قبل الناس المعترضين شبه تام بسبب عدم الثقة بصاحب الكلمة، خاصة بعد 3 سنوات من عهد سادت فيه المنافع العائلية والحزبية بشكل فاضح، فكيف يراد ان تُستعاد الثقة فجأة.
أما الطامة الكبرى فكانت في الكلمة الثانية لأمين عام «حزب الله» السيد نصرالله، والتي تعمّد فيها أن يعود ليقسم اللبنانيين عمودياً، وليثير الفتنة الطائفية والمذهبية من جديد، بعدما كان المشهد اللبناني، طوال أيام الثورة، رائعاً في لاطائفيته وفي اجتماع المواطنيين على أرضية واحدة ترفض أهل السلطة كلهم «كلن يعني كلن».
وتلك الكلمة كانت قد سبقتها «الزيارة» المعيبة لأصحاب القمصان السود إلى ساحات الاعتصام في بيروت، حيث أوسعوا المدنيين السلميين ضرباً وشتماً وركلاً وعنفاً، كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً وأطفالاً، بلا أي ذرة من الحياء.
لكن، على الرغم من التهويل الذي مارسه السيد نصرالله في خطابه ذاك، استمرّ الثائرون، على فساد السلطة واستبداد الأحزاب في البيئة الشيعية، يعتصمون ويصرخون ويرفعون الصوت ضد المفسدين وكل من يحميهم ويدافع عنهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.