طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

هل فاجأ الطرابلسيون العالم؟

طرابلس تنتفض، طرابلس تثور، طرابلس تحتفل، الطرابلسيون كباراً وصغاراً يرقصون ويدبكون ويبتدعون الافكار والنشاطات المرافقة للانتفاضة، الغضب تحول الى فرح وامل عند اكتشاف القوة و«فائضها ايضا». الشباب الطرابلسي يتدفق من كل الاحياء، خصوصا من التبانة وبعل محسن معقل الطيبين والأحرار، ليمحو آثار الحروب الاهلية بالعلم اللبناني والطبل والدبكة والصوت المرتفع «الشعب اللبناني واحد: واحد واحد واحد».
وفي اليوم الثالث، ورغم تقطع الطرقات، بدأ تدفق الشماليين من كل الاقضية الى ساحة الانتفاضة، الى معشوقتهم طرابلس،(لا تسأل كيف. يقول عمر ابن ربيعة لعشيقته المتسائلة كيف وصل اليها: بل قادني الشوق والهوى اليك). فالشماليون يعيدون اكتشاف عاصمتهم، وهي عادت وتمددت لاحتضانهم، ولربما تفتح طريق الحلم نحو «طرابلس الكبرى عاصمة اقتصادية للبنان» في عالم التحولات الكبيرة، لمَ لا؟ فقد حولها الشباب الطرابلسي المتتفض الى مؤثر في هذه التحولات وليس الى متلق فقط و«مين حضر السوق باع واشترى».
هكذا تقول الصحف اللبنانية والعربية والدولية وقد سمعت محطة مصرية تقول «بص شوف الشعب اللبناني بيعمل ايه، بص شوف طرابلس تعمل ايه».
ألم نسمع كثيراً من الشباب العرب من الجزائر المنتفضة على ديكتاتورييها السارقين، الى الخليج المغضوب عليه والمستهدف، يسألون اين مطار طرابلس لنحط فيه ونلتحق بالساحة؟ ونجيبهم مطار العاصمة الاقتصادية للبنان في القليعات قادم، ليحتضن الجميع في عملية انماء عكار المهمشة والشمال الجميل المقهور وعموم الوطن الغالي المنكوب بيئيا، وليساهم الى جانب مرفأ طرابلس وبقية مرافق لبنان في اعادة اعمار سوريا العربية الغالية وليس سوريا المختطفة من الطامعين والاستبداديين المجرمين.
هل فاجأت طرابلس نفسها؟
هل فاجأت طرابلس نفسها او بالاحرى هل فاجأت طرابلس نخبها؟
لن أكابر، وسأعترف ان الشباب الطرابلسي فاجأنا بقدرته على ابتداع الافكار والوسائل التي تحوّل الاحباط والغضب الى أمل وفرح، ما شكل «الجاذب الطرابلسي» الذي جذب الفنانين ايضا الى ساحة الانتفاضة، بدءاً بمرسيل خليفة و«إني اخترتك يا وطني» وبمواكبة من «كورال الفيحاء» (والذي لطالما رمز الى أصالتها وعشقها للفن والثقافة)، مروراً بحوزيف عطية «والشمس لح تطلع» وصولاً لعلاء زلزلي الذي تمنى عليه المنتفضون ان يزلزلها دون أن ينهار المسرح، في إشارة طريفة إلى حادثة مؤسفة في صيدا.
ومع ذلك لم يفاجئنا الشباب الطرابلسي باندفاعه الى جانب بقية المنتفضين في لبنان، فقد شكل رافعة أساسية في انتفاضة الارز التي لا يمكن نسيانها، والتي ابتدع خلالها وسائل المقاومة بالرسم والريشة، فجذبت اهم الرسامين التشكيليين إلى المدينة التي اطلق عليها مدينة الجداريات رغم وجعها وبؤسها وقلة حيلتها.
كما أنها قاومت إلباسها لباس التطرف خلال جولات العنف المرعية والتفجيرات المجرمة للنظام الارهابي السوري، بالتضامن والاعتصامات والمسيرات وبالتمسك بثقافة الحياة عبر الجمعيات والمنتديات الثقافية التي كانت نشاطاتها تسابق الجولات القتالية الأكثر اثارة للاعلام اللبناني والدولي، ولاحقا بالمسارعة لمحو آثار الحروب المفتعلة بالرسم والترميم وبجمع الشباب من كل الضفاف والحارات، بينما كان المسؤولون يتابعون انقساماتهم وفسادهم وصراعاتهم غير عابئين بحجم البؤس الذي وصلت له المدينة المقهورة.
طرابلس لطالما انتفضت بوجه الظلم والقهر والاستبداد، ولطالما ابتدع الشباب الطرابلسي وسائل نضالية جديدة. اذكر على سبيل المثال لا الحصر، انه حين احتل طلاب لبنان المدارس والثانويات والجامعات سنة 1969 لمدة شهر استنكاراً للعجز الرسمي في مواجهة العدوان الاسرائيلي على مطار بيروت وتدمير طائرات الميدل ايست، سجلت طرابلس سابقة تاريخية، حين احتلت صبايا طرابلسيات ثانوية البنات في شارع لطيفة واعتصمن لمدة شهر دون انقطاع، رغم محاولات حثيثة لكسرهن وتشويه سمعتهن من جماعات السلطة.
الى اين؟
قد يكون مبكرا النقاش العميق في مآل وتداعيات هذا الحدث الكبير، حيث ان الشاشات مفتوح هواؤها للوجع والألم والغضب العارم وليس للمحللين والمثقفين وربما المتسلقين، إلاّ أنّ هذه الإنتفاضة الكبيرة اكدت استمرار مسيرة الربيع العربي ومندرجاته بتعقيداته المختلفة، كما يحدث في العراق والجزائر والسودان وبقية البلدان العربية بشكل أو بآخر.
واذ اؤكد ان التداعيات السياسية والبنيوية والفكرية والكيانية ستكون هائلة نظراً لهول الحدث، فإنني ارى ايضا ان لعنة الموقع اللبناني بين فلسطين المحتلّة وسوريا، وخصوصا في هذه المرحلة الخطيرة التي تمرّ بها المنطقة من الخليح الى المحيط، فضلا عن الواقع الاقتصادي والمالي الانهياري في البلد، يحتم ضرورة التبصر والموضوعية والتمتع بالنفس الطويل وبالدرجة الأولى التحلي بالتواضع من قبل بعض النخب الملتحقة، خصوصاً مع انعدام الثقة بالطبقة السياسية وبوجود دويلة مدججة تتبع لدولة اقليمية، ما فتئ قائدها يهدد المنتفضين مداورة تارة ومواربة تارة أخرى. وهذا يضيف امام المنتفضين اللبنانيين مشكلة تقارب التحرر من الاحتلال الاجنبي، الى جانب التحرر من النظام السياسي الطائفي والعبور إلى المواطنة. كما أنّ التعدي على المتظاهرين في بعض المناطق، خصوصا في الجنوب والبقاع وبيروت من قبل ميليشيات أمل وحزب الله، ومحاولات الاحتواء وتغيير البوصلة وتوجيه القضاء وبذر الشقاق، يزرع ألغاما اضافية امام المنتفضين السلميين والكاسرين لحواجز المذهبية والطائفية والمناطقية والفئوية.
وعبثاً يحاول البعض، ممن يخاف على مكتسباته ونفوذه وصورته النمطية، إبراز بعض المظاهر في الساحات كالغناء والرقص وحتى الورق والأركيلة، وخصوصا في طرابلس على أنها خروج عن المألوف (وهي أيضا تحافظ على أصالتها واحترامها للأديان وللتراث عبر الأذان وقرع الأجراس)، فهي بالعكس تعبر عن قدرة اللبنانيين على إبراز نكهتهم التي لطالما ساعدتهم في الشدائد على امتصاص الصدمات وتحمل الصعوبات، وهي تشكل، بما ترمز إليه، جزءاً مكوناً من الخلطة اللبنانية التي تحافظ على وحدة اللبنانيين وتعلقهم بلبنانهم الواحد، رغم غنى وتنوع روافدهم الثقافية.
ويكفي مراقبة الشاشات العربية وحتى الغربية ووسائل التواصل الإجتماعي، لنرى كيف أن هذه المظاهر، فضلاً عن التعاطي الإجمالي الحضاري من قبل القوى العسكرية والأمنية مع المنتفضين، ساهمت في تكوين الجاذب اللبناني في الربيع العربي المستمر فصولاً.
ألم يطالب أحد الإماراتيين السلطة اللبنانية بتوزيع الحلوى على المتظاهرين لأنهم رفعوا إسم لبنان عاليا بانتفاضتهم الفريدة.
(جزء من نص أطول)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.