طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

«ساحة النور»: هذا ما قالته المدينة

قالتها طرابلس: «أن تشرين السنة هو فعلًا بداية الخير وسيتبعه ربيع لا خريفاً».
قالها الطرابلسيون بفمٍ ممتلئ بالحب «نحنا هيك»، بقلوبهم الطيبة، ببساطتهم، بفرحهم اللامحدود، بإيجابيّتهم مهما ساءت الظروف.
هم يدٌ واحدة اليوم يعدون بعضهم أن يبقوا كذلك مهما كانت النتائج، شاشات التلفزة لهم غاب عنها السياسيّون وخطابات الكراهية وطغت أوجه الكادحين وأصواتهم المتعبة للمطالبة بمطلبٍ موحّد هو إسقاط العهد ومجلس النوّاب والحكومة ومنع ترشيحهم مجدّدًا، فقد سئموا زمن احتكار السلطة.
مطالبهم في أصلها حقوق متواضعة، وهم لا يطلبونها من المسؤولين الحاليين بل من المسؤولين اللاحقين.
كلهم، بصوت واحد، ينادون بضمان الشيخوخة ومنهاج تعليم متطور يواكب العصر.
والعفو الشامل للموقوفين الإسلاميين.
لأوّل مرة يعرف الناس سبب نزولهم إلى الشارع، الكل يجيب على أسئلة الإعلام دون ضياع، كبير وصغير، يرفضون المحاكمة العسكريّة الظالمة، والتعذيب في السجون، ويطلبون الإستشفاء المجاني كي لا يقرع الموت باب كلّ فقير ويبقى الحاكم هو الوحيد الذي يتعالج على نفقة الشعب، وهو الحي في ظلّ إهمال المسؤولين للمواطن.
أعينهم وأرواحهم ملّت مناظر النفايات.
آذانهم سئمت سماع أرقام حسابات المسؤولين الحاليين والسابقين وحاشياتهم.
أيديهم ترفض أن تكون موحشة وحيدة بعد الآن فتشابكوا كي يواجهوا قمع السلطة، ونفوسهم ضجرت من قشرة الديمقراطية فأرادت تجسيدها في الشارع، واعتبروا أنّ وطنيّتهم متعلّقة بقوّة عملتهم وصمودها، كذا انتفضوا كلهم ليروا السياسيين كيف يعيشون من اللحم الحيّ، فأين هم من ارتفاع الأسعار وانخفاض الأجور وزيادة المصروف وتراجع المدخول!!
أيعيشون في قوقعةٍ حجبت عنهم كلّ وجع!! ثمّ يأتون وبكل وقاحة يصدّقون أكاذيبهم التي اخترعتها أنفسهم ولا يصدّقون الحقيقة الجليةّ أنهم فاسدون.
هكذا هي طرابلس منذ الأزل موجوعة، صريحة، سلميّة واعية، لا تشعل قطاراً واحداً لتكون نموذجاً عن صورة الشعب اللبناني أمام الرأي العالمي، خيّرة للناس الفقيرة: حتى كانت التبرّعات تأتي من كلّ حدبٍ وصوب من طعامٍ ومياه وآليّات، تواجه الإشكالات بقبلة «دقن» وكلمة «أخي»، لتسقط كلّ صور السياسيين المعتبرين أنفسهم آلهة وتسقط أعلام أحزابهم وتيّاراتهم لتعلي راية لبنان.
تستنكر التزوير والغش في العمليّة الانتخابية، تطالب بإرجاع كلّ قطرة عرق نُهِبَت من جبينها تنادي بالمحاسبة،.
حتى المائلين لتيّار سياسي أو زعيم تحرّروا منه وخلعوا عنهم أكاذيبهم ليساندوا إخوتهم في الوطن.
لقد زادت الثقة فيما بينهم واختفى التحرّش لاعتبار الجميع أخوة وجب المحافظة عليهم، الكلمة الحلوة هي التي حضرت و الغالبية ممتنٌّ لبعضهم لما تمتّعوا به من روحٍ حضارية، لا شكّ أن عدم الثقة قد وُجِد لدى البعض فتخوّفوا من إعادة الكرّة والانقلاب على أنفسهم والانخداع بكلام المسؤولين الحاليين وفضّ هذه الثورة الأولى بنجاحها، لكنّ ذلك النقاش جرى على المنبر وهتف الجميع بعدم تصديق تلك الوعود التي استمرّت سنوات مجدّدًا.
الشارع ضمّ كلّ الفئات، الملتزم وغير الملتزم، وانعكس ذلك على المشاهد المتنوّعة التي عاشتها ثورة طرابلس السلمية. والملفت أنّ أعداداً كبيرة من الطلاب نزلوا إلى الشارع ليطلبوا من أساتذتها الجامعيين الذين كانوا يتظاهرون لمصلحة الطلاب قبل مصلحتهم الشخصية بأن يشاركوهم الثورة وتحرّرهم من تيّاراتهم وتوجهاتهم، لأن مصلحة لبنان هي الآن في الشارع الذي يشكّل أهم وسيلة ضغط على كبير المسؤولين وصولًا إلى أصغرهم، ولأنّ فئة المثقفين هي التي يتوجّب عليها النزول قبل غيرها. كذلك الأمر وجّهوا صرخة من «ساحة النور» إلى رئيس «الجامعة اللبنانية» رافضين الالتزام بقراره بفتح أبواب الكليّات ودعوه للمشاركة بقرار الشعب في العصيان المدني.
أخذوا من ثورات باقي البلدان حافزاً لإسقاط الحكم كما أسقطته ثورات البلدان العربية والغربية، يطالبون بدولة علمانية لتختفي كيديّات الطائفية من النفوس وبممثلين من الشعب لا من الطبقات العليا، هم أرادوا أن يسقطوا هذه الطبقة قبل أن تقضي على الطبقة الفقيرة كما قضت على المتوسّطة، ربّما كان فرحهم وأصواتهم الرنّانة و«فرفشتهم» كما وصّفت الحال بقية الدول ما هي إلّا تغريد كنار حر بعد سجنٍ طويل وصحوة مريض من غيبوبة فرِح به أهله، أو هي كيديّات وجّهوها للسياسيين الذين تسبّبوا بشقائهم القديم وبحربهم الأهلية وما بعدها ممّا ولّدته من مشاكل على الصعيد الطائفي والاقتصادي والمالي والصحّي حتى باتت الفوضى تعمّ أرجاء الوطن والفساد يصعد بقدميه السمينتين فوق الطاولات كاشفاً عن عوراته دون حياء.
كذلك في ظلّ حشدهم بين بعضهم تنبّهوا مجتمعين لألاعيب السياسيين الذين يرمونها في الشارع لشيطنة الحراك، وصرخ وعيهم بطردها لكي تستمرّ ثورة مثالية يحتذي بها الكثيرون.
لقد تساعد الكبير والصغير مع القوى الأمنية وحرّاس المدينة لضبط أنفسهم.
كذلك شهدت طرابلس جماعاتٍ وافدة من أطرافها ومن بيروت تشيد برقيّ هذه المدينة وتواضع شعبها وبساطته وتعايشه شاكرين ترحيب الأهالي بهم في وسطهم.
بتنا نجد الإنسانية تتجوّل في كلّ «ساحة النور»، إن أضاع أحدهم طفله يجده المتظاهرون و«الحرّاس» في الفور، هذه المدينة على الرغم من ثورتها إلّا أنها لم تشهد أمناً من قبل كما شهدته في هذه الفترة، هذه المدينة الصغيرة لم تعد تتسع لكميّة المحبة فضخّتها لأهالي لبنان أجمعين في هتافاتها..
وبات الخوف من فضّ هذه التظاهرات يتلاشى، ربّما بين ليلةٍ وضحاها استفاق وعي الناس حتى حزنوا على اتّباعهم لتيارٍ أو حزب و باتوا يدعون بعدم الانحياز لأي إغراءٍ مادّي أو وعدٍ عابر: إيماناً بالمثل القائل: «اللي بيجرّب مجرّب عقلو مخرّب».
بات سؤال: «من أين لك هذا؟» جدّياً واعياً ينتظر بعنفوان الإجابة والمحاسبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.