طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

طرابلس أمام مسؤوليتها التاريخية

بات جلياً أن لبنان كلّه يراقب يومياً ما يجري في «ساحة النور» في طرابلس.
فهناك من يستمدّون حماستهم من هذه الساحة، التي لم يتراجع الحضور فيها طوال أيام الانتفاضة الكبيرة التي ابتدأت في 17 تشرين الأول الماضي حتى يومنا هذا. يريد المجتمع اللبناني، بمعظمه، ان يستمد من هذه المدينة الثائرة الزخم والنبض والاندفاعة والصلابة، للاستمرار في التعبير عن الغضب الموجّه ضد طبقة الفاسدين من أهل السلطة كلهم.
استطاعت المدينة في الأيام الأولى للانتفاضة ان تثبت وجودها، من حيث الحشد الاستثنائي، ومن حيث الصورة الزاهية والحضارية والسلمية الفائقة الجمال، ومن حيث الأنشطة المواكبة لحركة الساحة ولمحيطها، والتي تميزت بالتوعية والثقافة والفن، في أجواء حوارية عالية المستوى.
عندما خرجت المدينة بأسرها لتصرخ ضد السارقين الناهبين، المفلسين سياسياً وإدارياً واجتماعياً، أرادت بحسها الجمعي، أن ترفع لواء المشاعر الوطنية واللاطائفية واللامذهبية، وان تدخل في الوطن من بابه الواسع، نابذة كل أشكال المذهبية والعصبية والتشنج والتقوقع.
أرادت أن تُظهر للبنان كله، وللعالم العربي، انها مدينة السلام والتعايش، التي تبحث، من تحت ردم الاهمال والتهميش والتمييز والمحاربة والاستهداف، عن دولة أكثر عدلاً وأكثر احتراماً للإنسان إلى أية فئة وأية منطقةٍ انتمى هذا الانسان.
لكن، في المقابل، بدا واضحاً خلال الأسابيع القليلة الماضية، أن هناك من كان يحاول أن يجرّ المدينة إلى المربع الأول، محاولاً تظهير بعض الصور النافرة، كي يُعاد صبغ الفيحاء بألوان فُرضت عليها في مراحل معينة، ولم تكن في الأساس من أصل نسيجها الاجتماعي والثقافي والسياسي.
لم تتوقف محاولات الاختراق هذه أبداً، وقد ثبت أن من وراءها كانت غرف سوداء تريد، عبر ضرب صورة المدينة ومحاولة جرّها إلى منطق طائفي أو مذهبي، إجهاض الانتفاضة الكبرى الحاصلة على كامل مساحة الوطن.
أما السبب الذي يكمن وراء هذه المحاولات في هذه المدينة تحديداً، فهو أنها معروفة بصلابتها ونضالها من أجل الحقّ والكرامة، ولأنها عندما تحافظ على مشاعرها الحقيقية، الوطنية غير الطائفية أو المذهبية، تشجع مناطق كثيرة في لبنان على الاقتداء بها وعلى النزول إلى الشارع، كون طرابلس التي حاولوا تشويه صورتها لعقود وعقود، عندما تنتفض رافضةً وخالعةً هذا الرداء المزيف والبشع، تُشجع الساحات الأخرى على التعبير عن نفس المشاعر، فلا يدخل البلد في حلقة تجاذبات طائفية بشعة كما يريد الذين يعملون على وأد جذوة الإنتفاضة من خلال اعادة إغراق المجتمع في وحول الطائفية التي يتاجرون بها، ولعلّ الهتافات، التي حيّت المدينة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشرق إلى أقصى الشمال، كانت خير تعبير عن الآمال التي وضعها اللبنانيون في عاصمة الشمال، والمسؤولية التاريخية التي أسندوها إليها، كي تكون سنداً لهم ويكونوا سنداً لها.
من هذه الزاوية، علينا الانتباه إلى ان مسؤولية طرابلس كبيرة جداً، وهي قد أثبتت أنها أهل لها، علماً ان الحشود في ساحة النور، اضافة إلى المنظمين الرائعين وإلى كل المتطوعين، قد تحلّوا كلهم بدرجة عالية من الوعي، فلقد استطاعوا دائماً احتواء أي مظاهر غير مرغوبة، وأي كلمات مدسوسة قيلت هنا أو هناك، وأي أشخاص فتنويين تم الزج بهم لتفشيل التحرك كله على كامل التراب الللبناني.
من هنا علينا التأكيد انه على كل الطرابلسيين وكل سكان المدينة ومحبيها أن يتمسكوا بالنهج الذي مشوا عليه، وبالصورة التي أرسلوها إلى العالم كله، وبالروح التي بثوها في دواخل كل مواطنيهم، بل كل مواطن من المحيط إلى الخليج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.