طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

دراسة احصائية عن انتفاضة المدينة ماذا يريد «ثوار طرابلس»؟

طرابلس الفيحاء مدينة العلم والعلماء والتي تغنى بأريجها الشعراء، أضيفت لها اليوم أسماء أخرى كمدينة السلام وعروس الثورة. فقد كان لها نصيب وافر من ثورة 17 تشرين، حيث احتضنت أبناءها في ساحة النور بالاضافة الى المشاركين من الشمال والزائرين من كافة المناطق اللبنانية. فأصبحت صورها تحتل شاشات الإعلام اللبناني وباتت رمزا للحراك السلمي على المستوى المحلي والعالمي. وبعد مرور ثلاثة أسابيع من عمر الثورة قامت مؤسسة ZACA International بإجراء استطلاع لآراء المشاركين في فعاليات ساحة الثورة حول مطالبهم وتطلعاتهم، وقد جاءت النتائج ممثلة للمدينة التي احتضنتها أفضل تمثيل.
أنجزت الدراسة خلال ثلاثة أيام من 9 الى 11 تشرين الثاني 2019 على عينة عشوائية من 445 مشاركاً في فعاليات الثورة، وتضمنت كلا الجنسين من مختلف الفئات العمرية ( 15 الى 79 سنة) والمهنية. شملت الاستمارة مجموعة من الاسئلة انقسمت الى ثلاثة محاور هي: المطالب التي ينادي بها المشاركون، وديناميكية التحرك، والرؤية الاقتصادية والسياسية للثورة.

أما في ما يتعلق بالإطار التنظيمي للحراك فقد دلّت النتائج على أن حوالي ثلثي أفراد العينة تعتقد أن الثورة ليست بحاجة إلى قائد يمثلها وهي بنفس الوقت تحتاج إلى تنظيم، رسم (1). ويرفض الكثيرون في الساحة تسمية قائد للثورة، كما لا يتجرأ أحد على ادعاء ذلك لنفسه أو لأحد من زملائه. بكل بساطة يُدار الحراك اليومي عبر مجموعة كبيرة من المنسقين الفاعلين ضمن مجموعات التواصل الالكتروني. هذه الحال من انتفاء وجود قيادة، يطلق عليه الشباب الفوضى المنظمة، والتي يعتبرونها واحدة من خصائص هذا التحرك وطريقة فعالة للتخلص من استهداف أشخاص بعينهم كونهم القادة، واستبدال القائد بمروحة واسعة من النشطاء على مواقع التواصل يمكن تسميتهم بالمؤثرين من دون أي صفة رسمية او مسؤولية. ونتساءل هل هذه الحال هي ردة فعل للمطالبة بمحاكمة المسؤولين، بحيث نتج عند المشاركين بالثورة ردة فعل تجاه تحمل المسؤولية؟ أم هل هي خوف من الملاحقات الأمنية التي قد تطالهم نتيجة التعبير عن آرائهم؟ أم هل هي خاصية من خصائص ما يطلق عليه الحراك الشعبي المطلبي حيث يجمع ويوحد ويقود الحراك مطالب الناس واحتياجاتهم المعيشية؟ وربما هي مزيج من كل ذلك.

أهم مطالب المشاركين هي تحسين الاوضاع الاقتصادية
طلبنا من المشاركين في الاستطلاع تعداد ثلاثة مطالب للثورة عبر سؤال مفتوح. وعند تحليل النتائج حصلنا على لائحة طويلة من المطالب نعرض أهمها في الجدول (1).

جدول (1): المطالب التي حددها أفراد العينة

يتضح لنا من النتائج في الجدول (1) أن المطالب قد توزعت على ثلاثة محاور هي: المطالب الاقتصادية، والمحاكمات والقضايا السياسية. وقد احتل مطلب: تأمين فرص العمل، المرتبة الاولى ثم تلتها المطالب في الشأن الاقتصادي مثل تحسين الاحوال المعيشية والطبابة المجانية والتعليم وضمان الشيخوخة. أما المحور الثاني فيتعلق باسترداد الاموال ومحاسبة الفاسدين، وقد جاءت المطالب الخاصة بالمحاكمات في المرتبة الثالثة والخامسة. أما المحور الثالث للمطالب فهو القضايا السياسية من تشكيل الحكومة الى إسقاط أركان النظام ثم الانتخابات المبكرة وإلغاء النظام الطائفي.
إن اختيار المطالب الاقتصادية على رأس القائمة يعكس الواقع المعيشي لعروس الثورة، والتي بينت الدراسات أنها الأكثر فقرا والأعلى بنسبة التسرب المدرسي. مما يحدد في طليعة برنامج عمل الحكومة المقبلة الهم المعيشي والاقتصادي. مع العلم أن المطالب الاخرى لم تغب عن اختيارات المشاركين ولو بدرجة أقل.
ثم توجهنا بالسؤال للمشاركين بالاستطلاع حول الخطوات التي يتوقعونها بعد إسقاط الحكومة، وهو سؤال مفتوح يتطلب تحديد مسارات واضحة للاجراءات التي يطالب الشارع بتحقيقها بالترتيب.

جدول (2): الخطوات المرتقبة بعد اسقاط الحكومة

الخطوات المتوقعة بعد سقوط الحكومة بحسب رأي المشاركين بالاستطلاع تتلاقى مع الخطوات التي جاءت بأدبيات الثورة في جميع ساحات لبنان والتي تبدأ بتشكيل الحكومة يليها إجراء الانتخابات المبكرة ثم تغيير كافة أركان النظام. وبعد هذه المطالب السياسية يأتي تباعاً إنشاء المحاكم وتحسين الأحوال المعيشية. إن اتباع الخطوات التي طالب بها المعتصمون بساحة الثورة من شأنه أن يؤدي إلى تراجع وتيرة الاحتجاجات تدريجياً، وبالتالي فبعد إنجاز المحطة الاولى وهي تشكيل الحكومة، فمن المتوقع أن تتراجع حدة التوتر في الشارع مع ما يلازمه من عودة الحياة إلى طبيعتها ولو مؤقتا أو بصورة جزئية. والحكومة المتوقعة هي حكومة تكنوقراط كما أشار 93.1% من أفراد العينة. ولا يجب أن يغيب عن أذهان الحكومة أن المطالب الأساسية للناس هي الواقع المعيشي كما ذكرنا بالجدول (1)، وإذا ما تشكلت الحكومة، ثم فشلت في توفير فرص عمل وتحسين الواقع المعيشي، فإن العودة إلى الاضطرابات أمر لا يمكن تجاهله او الاعتماد على زواله بمرور الزمن.

المشاركون بالحراك الشعبي مستعدون للتضحيات
تضمنت الاستمارة سؤالاً مباشراً، هل ستستمر بالمشاركة بالثورة، بالرغم من التعرض لأربعة مواقف محتملة هي: ضياع العام الدراسي، نفاد البضاعة من الأسواق، انخفاض قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع اسعار السلع، وكان على المشاركين الاجابة عن السؤال بـ نعم او لا. أجاب أغلبية أفراد العينة (ما بين 75% الى 80%) بالموافقة على القيام بالتضحيات اللازمة، وهذا ما يشير إلى الوعي من جهة والالتزام من جهة أخرى، ويعكس فهم الحراك الشعبي أن عليه أن يصبر على ما قد يستجد من أمور ضاغطة. ويضاف الى ذلك توقع غالبية أفراد العينة (90.3%) ارتفاع أعداد المشاركين، رسم (1). وهذا ما يحصل بين الحين والآخر خاصة في المناسبات أو المواقف أو الخطابات.

رسم (1): استعداد المشاركين الاستمرار بالثورة رغم العقبات المتوقعة

أما في ما يتعلق بالمدة المتبقية من عمر الثورة فأكثر من نصف أفراد العينة (54.8%) يعتقدون أنها أكثر من شهرين، يضاف إليهم 26% يظنون أنها ستبقى أكثر من شهر ولكن أقل من شهرين، لنستنتج أن غالبية المشاركين بالحراك يجهزون أنفسهم لشهر قادم على الأقل، رسم (2).

رسم (2): المدة المتوقعة لانتهاء الثورة

أمل الناس كبير في تحسن الاوضاع
حوالي نصف أفراد العينة (46.7%) يتوقع نجاح الحكومة المقبلة وتحسن الأوضاع الاقتصادية، وأقل من النصف (43.6%) كان رأيه ربما، رسم (3)، وكأنه يتأمل أو يرغب في أن يعطيها فرصة للنجاح. إن هذه الايجابية في تعاطي الشارع المشارك في الحراك والآمال التي يبنيها على نجاح الحكومة التي ستتشكل في تحسن الأوضاع يمكن أن يساهم في دعم السلطة المقبلة ويؤسـس لمستقبل واعد من حيث النمو الاقتصادي. غير أن الناس المشاركين بالاستطلاع أكثر تحفظاً لجهة إجراء المحاكمات واسترداد الأموال، وهذا في عهدة الحكومة المقبلة وبين أيدي القضاء. ولم تتجاوز نسبة من يتوقع استرداد الاموال المنهوبة ربع المشاركين بالاستطلاع، رسم (3).

رسم (3): رؤية المشاركين بالثورة لبعض المطالب الاقتصادية

أما من الناحية السياسية فيتطلع المشاركون في الحراك إلى موعد الانتخابات القادمة. وقد أفاد غالبيتهم (82.2%) أنهم لن ينتخبوا النواب الحاليين في الدورة المقبلة. وهذا ما يطرح تساؤلاً عن مفاعيل الثورة في المستقبل ربما نعرف الاجابة عليه في الأيام المقبلة. هل سيسجل التاريخ أن ثورة 17 تشرين قد ساهمت فعلاً بتغيير في الطبقة السياسية التقليدية وسمحت لمجموعة جديدة من الشباب بدخول عالم السياسة؟ وهل سنشهد يوماً ما تعديلاً لنظام الانتخابات النيابية سيما وأن غالبية المشاركين بالدراسة يؤيدون قانون انتخابات لا طائفي (91.4%)؟ هل عصفت رياح التغيير السلمي بمجتمعنا وبات قادراً على إحداث تغيير حقيقي؟ لا شك أننا بحاجة لمزيد من الدراسات للإجابة عن هذه الاسئلة، لذلك فإن فريق ZACA International يخطط للقيام بدراسة ثانية، يستكمل فيها نتائج ما توصل إليه ويستدرك ما فاته أو غفل عنه مما يعتري الدراسات العلمية في مجال البحث الميداني من غير قصد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.