طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

الوضع القانوني للقدس في ظل الاحتلال

القاضي طارق زيادة

نتناول في هذا البحث أثار الاحتلال على السيادة الإقليمية وإدارة الأرض المحتلة ووضعية السكان المدنيين، بعد صدور قرار الرئيس الأميركي بنقل سفارة بلاده إلى القدس معتبراً إياها العاصمة التاريخية لإسرائيل.

أ- أثر الاحتلال على السيادة الإقليمية

يتوجب على سلطة الإحتلال عدم تغيير وضع الأراضي المحتلة، إذ لا يترتب على الاحتلال انتقال ملكية الأرض المحتلة إلى الدولة التي احتلتها ما دامت وضعية الحرب قائمة ولم تنتهِ إلى أي اتفاق، ولا يجوز قانوناً للسلطة المحتلة ان تُعلن من جانب واحد ضم الأراضي المحتلة إليها، ولا يترتب على مثل ذلك الإعلان إذا صدر أي مفعول قانوني. وعليه يُعتبر قرار الرئيس الأميركي بقبول إعلان القدس عاصمة تاريخية لإسرائيل ونقل السفارة إليها باطلاً.

وانفاذاً لهذه المبادىء قررت «الجمعية العامة للأمم المتحدة» بتاريخ 5/7/1967 وفي 14/7/1967 وتحت الرقمين 2253 و2254 انها: «تشعر بقلق شديد من أجل الموقف السائد في القدس نتيجة للإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع المدينة.

1- تُعتبر هذه الإجراءات غير مشروعة.

2- تدعو إسرائيل إلى إلغاء جميع الإجراءات التي اتُخذت، والامتناع عن اتخاذ أي عمل من شأنه تغيير وضع القدس.

3- ترجو الأمين العام تقديم تقرير إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن حول الموقف وحول تنفيذ هذا القرار في موعد لا يتجاوز اسبوعاً واحداً من تاريخ إنفاذه».

وبعدما تلقت الجمعية العمومية تقرير الأمين العام أخذت علماً مع الأسف والقلق الشديدين بعدم التزام إسرائيل القرار 2253 وكررت في قرارها 2254: «دعوة إسرائيل إلى إلغاء جميع الإجراءات التي اتُخذت والامتناع عن اتخاذ أي عمل من شأنه تغيير وضع القدس».

وبالطبع فإن ضم القدس العربية إلى إسرائيل واعتبارها جزءاً من عاصمتها يُعتبر في عُرف القانون الدولي باطلاً، لأنه تصرف بأرض محتلة، ومن هنا تنبع عدم مشروعية قرار الرئيس الأميركي الأخير «ترامب».

ب- أثر الإحتلال على إدارة الاراضي المحتلة

يتوجب على السلطة المحتلة، بحسب مبادىء القانون الدولي العام، الاكتفاء بإدارة الأرض المحتلة وإبقاء الإدارة القديمة السابقة للإحتلال على ما هي عليه، وإذا ما استبدلتها بإدارة جديدة لخدمة مصالحها وتنفيذ رغباتها وأهوائها، كما فعلت إسرائيل في الأراضي المحتلة بعد حزيران 1967، فإنها تلزم بأن يكون ذلك لتأخذ الحياة العامة مجراها العادي بتحصيل الضرائب والرسوم لمصلحة الاراضي المحتلة مع مراعاة قواعد التوزيع المعمول بها أصلاً وفي حدود النفقات اللازمة لإدارة الأرض المحتلة في الحدود التي تقوم بها السلطة الشرعية السابقة، ولا يجوز لسلطات الاحتلال فرض ضرائب جديدة إلاّ لإدارة الأرض المحتلة ومع التقيد بأصول التحصيل المعمول بها آنفاً.

ويترتب على السلطة المحتلة بحسب قواعد القانون الدولي أن تحترم القوانين والتشريعات والأنظمة المعمول بها في الأرض المحتلة، ولا يجوز لها وقف نفاذها أو استبدالها ولا تغيير القوانين المدنية والتجارية وأنظمة الأحوال الشخصية ولا تعديل القوانين الجزائية. ويستدعي ذلك بقاء المحاكم قائمة كما كانت وإصدار أحكامها باسم السلطة الشرعية السابقة ولا تُرغم على إصدار أحكامها باسم دولة الاحتلال.

ج- أثر الاحتلال على وضعية السكان المدنيين

يتوجب على السلطة المحتلة بسبب القانون الدولي احترام حياة السكان وأموالهم وعدم التعرض لمعتقداتهم بل تكفل مباشرة عبادتهم. ويُحظر عليها فرض يمين الولاء لها عليهم أو استخدامهم في جيشها أو تكليفهم تقديم المؤن إليه أو تسخيرهم في إنشاء طرق إمدادات له، أو اعتبارهم مسؤولين مسؤولية جماعية عن عمل أو فعل يرتكبه أحدهم أو بعضهم ضدها. ولا يجوز لسلطة الاحتلال الاستيلاء على أموال السكان المدنيين، ولا يجوز التعرض إطلاقاً لأماكن العبادة أو للأوقاف أو للمدارس أو للآثار والعاديات الفنية، ويُعتبر الاستيلاء على هذه الأموال أو بعضها أو تدميرها أو تخريبها قصداً من الأعمال المحظورة بحسب المادة 56 من لائحة لاهاي.

وفي ضوء كل ما سبق لا يجوز لسلطات الاحتلال تغيير الطابع الديموغرافي (السكاني) للأرض المحتلة وإقامة مستوطنات لرعاياها عليها لأنه لا يحق لها ان تدعي حقوق السيادة على الأرض المحتلة ولا ان تمارس من أعمال السلطة الفعلية الموقتة إلاّ ما هو ضروري، وأن لا تتدخل في الحياة اليومية للأهالي، أو أن تقوم بالتحقيق والقبض والإبعاد والمحاكمة للسكان الذين اقترفوا جرائم بعد وقوع الاحتلال. ولا يحق لها ان تقوم بتجزئة الاراضي المحتلة أو تسميتها أو فرزها أو ضمها.

هذا وقد أوردت المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين لسنة 1949 بأنه «لا يُحرم الأشخاص المحميون الذين يوجدون في أراض محتلة بأي حال ولا بأية كيفية من مزايا هذه الاتفاقية، بسبب أي تغيير يطرأ نتيجة احتلال الأراضي على أنظمة أو حكومة الأراضي المذكورة، ولا بسبب أي معاهدة تُعقد بين سلطات الاراضي المحتلة ودولة الاحتلال، ولا بسبب أي ضم تقوم به الأخيرة لكل أو بعض الأراضي المحتلة».

وعليه تُعتبر إسرائيل مسؤولة بكل تأكيد عن أعمال رعاياها من سكان المستوطنات المقامة أصلاً دون وجه حق وان مسؤولية سلطة الاحتلال عن الإجراءات والتصرفات المنافية للقانون الدولي ولاتفاقية لاهاي الرابعة لسنة 1907 تصبح مثار مسؤولية دولية وهي الجزاء القانوني الذي ترتبه مبادىء القانون الدولي العام على عدم احترام أحد أشخاصه لالتزاماته وموجباته نتيجة للخطأ أو التعسف في استعمال الصلاحيات المترتبة على الاحتلال، ومن باب أولى وجوب تحمل نتائج ما يُقدم عليه المستوطنون من جرائم تجاه السكان المدنيين، الأمر الذي يوجب مسؤوليتها عن هذه الأعمال غير المشروعة ويؤدي إلى ضرورة تفكيك المستوطنات في الأرض المحتلة ومعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية والتعويض على الضحايا البريئة.

ولا يُخفف من مسؤولية إسرائيل الأخلاقية والمادية كون المجتمع الدولي لا يزال في طور الاكتمال، وكون الأمم المتحدة لا تزال تلعب دوراً ضعيفاً في ظل موازين القوى القانمة على الأرض.

وما دام الأمر مفتوحاً لغلبة القوة على الحق، وما دامت قرارات الأمم المتحدة بجمعيتها العمومية وبمجلس الأمن لا تزال حبراً على ورق، وهذا ما يتبين بوضوح من قرار الرئيس الأميركي الأخير الذي ضرب بعرض الحائط بقواعد القانون الدولي وبقرارات الأمم المتحدة. ولم يعد يكفي ما أورده مجلس الأمن الدولي في قراره الرقم 252 تاريخ 21/5/1968 من أنه: «يكرر تأكيده بأن الاستيلاء على أراض بواسطة الغزو العسكري أمر غير مقبول… ويعتبر كذلك ان جميع التدابير والأعمال القانونية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل، بما في ذلك نزع ملكية الأراضي والممتلكات المترتبة عليها والتي تغير هذا الوضع». وما لم يتغير ميزان القوى على الأرض فعبثاً تجري المطالبة بإعمال مبادىء القانون الدولي.

فهل يبادر العرب والمسلمون إلى الاستفادة من القرار الأميركي العدائي لاتخاذ خطواتٍ فعالة تعيد الأمر إلى نصابه؟

*نائب رئيس المجلس الدستوري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.