طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

قراءة في دائرة الشمال الثانية (طرابلس-المنية-الضنية) الإنتخابية: القوى السياسية، الطوائف، المذاهب، القدرات التجييرية، التحالفات وتأثيراتها

تحتل دائرة الشمال الثانية الإنتخابية حيزًا كبيرًا في حسابات الأفرقاء السياسيين في الوطن، فالدائرة الدسمة شماليًا هي أم المعارك وساحة مفتوحة أمام جميع الإحتمالات، بحيث تصل أبعادها السياسية إلى كرسي رئاسة الحكومة.

دائرة الـ11 مقعداً شماليًا ستشهد منافسة كبيرة لم تشهدها منذ عقود، أما الفضل في هذا الأمر فيعود لسببين: الأول يتمثل في القانون الإنتخابي الجديد، أما الثاني فيعود إلى قناعة الأقطاب الشماليين أنَّ  التحالفات الإنتخابية من خارج الحدود لم تعد مجدية، لا بل أصبحت عبئًا كبيرًا على الصعد كافة.

في التوزيع المذهبي للناخبين على مستوى الدائرة الكُبرى، كما يظهر الجدول، يُشكل السُنة قرابة الـ 83٪، يليهم الروم الأرثوذكس بنسبة قرابة الـ 6٪، العلويون 6،4٪، الموارنة 7،3٪ و1٪ من الشيعة.

أما في الدوائر الصغرى فتتوزع النسب كالتالي: في طرابلس يُشكل السُنة قرابة الـ82٪، العلويون 80،6٪، الروم الأرثوذكس قرابة الـ1،5٪، الموارنة 2،2٪ و2،1٪ من الشيعة.

في الضنية: يُشكل السُنة قرابة الـ81٪، الروم الأرثوذكس بنسبة قرابة الـ65.7٪ والموارنة28.10٪.

في المنية: يُشكل السُنة قرابة الـ 91٪، الروم الأرثوذكس قرابة الـ9،6٪.، والموارنة قرابة ال3،1٪.

يلعب الصوت السني في هذه الدائرة الدور الأكبر، بالرغم من وجود مقعدين للمسيحيين ضمن دائرة طرابلس التي تضم ثمانية مقاعد (أي 25٪ من إجمالي المقاعد). لذلك، لا يمكن لأحد من الأفرقاء المسيحيين في السياسة اللبنانية  مثل (القوات اللبنانية، التيار الوطني الحر، الكتائب اللبنانية أو تيار المردة) التعويل على حصد  مقعد في طرابلس، وستبقى حسابات جميع مقاعد الدائرة من حصة مرشحي سياسيِّي المدينة، الذين تكمن مصلحتهم بعدم إدخال أيٍ من هذه الأحزاب إلى لوائحهم، بل تسمية شخصيات مسيحية قريبة منهم.

أما الناخبون العلويون الذين يُشكلون  7٪ من ناخبي دائرة طرابلس، فيشاركون بكثافة عندما تقتضي الحاجة، وصوتهم قد يشكل وجهة جديدة.

أعداد الناخبين حسب التوزيع الطائفي والمذهبي في الدائرة الثانية

 

النسب المئوية للناخبين حسب التوزيع الطائفي والمذهبي في الدائرة الثانية

 

لا يمكن ضمان أي مقعد لأي مرشح

أم المعارك، ليس شعارًا فقط، بل هي كذلك. في هذه المعركة لا يوجد رابح سلفًا، بالرغم من وجود أسماء كبيرة تمتلك حيثية ثابتة يعتقد البعض أنه لا يمكن المساس بها، لكن في ظل هذا القانون الجديد لا يمكن لأي من المرشحين أن يضمن مقعده قبل المعركة إذا لم يمتلك الماكينة الحقيقية التي تضع الأمور في نصابها قبل المعركة الإنتخابية. كذلك ستبرز أسماء جديدة في الإنتخابات القادمة، وسيكون لها مقعدان على الأقل من المقاعد المُتنافس عليها.

القوة التجييرية المُقدرة بحسب النسبة المئوية للبلوكات الأساسية في دائرة الشمال الثانية

يأتي إحتساب القوة التجييرية للقوى السياسية في دائرة الشمال الثانية بناءً لعدة عوامل تم إعتمادها بطريقة علمية وبحرفية، تدمج بين إستطلاعات الرأي التي تجريها المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء، دور القوى الفاعلة على الأرض وتحركاتها، تحالفات القوى السياسية في المرحلة القادمة، الخطاب السياسي المطروح، حجم المال السياسي الذي قد يدخل المعادلة، بالإضافة إلى قدرة هذه القوى على إقناع الناخب بالنزول إلى صندوق الإقتراع والتصويت لها. جميع العوامل المذكورة أعلاه هي عوامل غير ثابتة، بالتالي إنَّ الأرقام المذكورة في الجدول التالي عن أحجام القوى السياسية هي أرقام متغيرة بحسب تغيُر العوامل المرتبطة بها.

يعتمد القانون الإنتخابي الجديد على النسبية مع صوتٍ تفضيلي واحد، بذلك أصبح للقدرة التجييِرية لكل مرشح الدور الأساسي في المعادلة القادمة، بحيث يبقى صوت الناخب الوفي لمرشحه هو الأساس في جزء كبير من المعركة. أما في المقلب الآخر من القانون، تُشكل التحالفات الجزء الأهم في اللعبة خاصة في مقاعد ما يُسمى بالأقليات من جهة، أو في مقاعد الأقوياء الذين يخشون  أن تضيع مقاعدهم هباءً منثورا، بالرغم من تصدرهم لساحاتهم أو حصدهم مقاعد متقدمة في الترتيب.

جولة على  القوى السياسية في دائرة الشمال الثانية

 

ميقاتي الأقوى طرابلسيًا

يبقى رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الأقوى في هذه الدائرة وهو اللاعب الأساسي ضمن الأقطاب فيها. تختلف القراءات لحجم «تيار العزم» في الشمال، وفي إحدى الدراسات الميدانية الخاصة لـ «المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء» أتى «تيار العزم» بالمرتبة الأولى مغردًا بعيدًا خارج سرب التيارات السياسية في دائرة الشمال الثانية، والأمر الأساسي يعود إلى عدم غيابه عن ساحته، بحيث تتابع مؤسساته الإجتماعية الوقوف إلى جانب أهالي طرابلس والجوار بشكلٍ يومي في جميع الخدمات الأساسية التي غابت الدولة عن تأمينها. من هنا سيكون للائحة الرئيس ميقاتي الحصة الأكبر في الدائرة، كما ستحدد هذه اللائحة خريطة المعركة الإنتخابية.

تيار المستقبل: معركة إثبات الوجود

يخوض «تيار المستقبل» في الأشهر القادمة معركة إثبات وجوده في هذه الدائرة بعدما خسر الكثير من رصيده الشعبي في المرحلة السابقة. كما ستكون حصة التيار من الـ 11 مقعداً ضئيلة جدًا، ولن يحصد أكثر من ثلاثة مقاعد في أفضل تقدير. كما قد يُسجل إحتمال كبير بعدم حصده لأي مقعد سني لأيٍ من المنتسبين إلى تيار المستقبل في مدينة طرابلس.

الوزير محمد كبارة

يعتمد وزير العمل الحالي محمد كبارة على قاعدة شعبية واسعة من الأوفياء للرجل الذي لم يتركهم يومًا، وستلعب هذه القاعدة دورًا أساسيًا في إنجاحه، كما ستشكل الرافعة الوحيد للائحة «تيار المستقبل» في دائرة طرابلس.

الوزير محمد الصفدي

الحركة الثقافية في مركز الصفدي لم تنقطع طوال السنوات السابقة، ولم تتوقف ايضاً مشاريع مؤسسته التي تركز على المرأة والطفل، إضافة الى المراهقين والشباب (التدريب المهني)، لكن ماكينته الإنتخابية لم تظهر بعد على الساحة، فيما يُقال إنها تستعد بشكل حثيث وبعيداً عن الضوءلمواجهة كل الاحتمالات. ويترقب الشارع الشمالي اليوم موقف الوزير محمد الصفدي، والذي سيحسم من خلاله ترشحه إلى جانب «تيار المستقبل» أو ترشيحه لأحد أفراد عائلته.

ريفي القوي، لم يعد كذلك

هذا هو واقع الحال بعد كل ما مرَّ به وزير العدل السابق اللواء أشرف ريفي. من فشل خياراته في بلدية طرابلس، تخلي المجتمع المدني عنه بعدما خذلهم في المحاصصة داخل بلدية طرابلس، إلى انسحابات مفاتيحه الإنتخابية الواحد تلو الآخر، تراجعت قدرة الوزير ريفي التجييرية حتى وصل اليوم إلى طريقٍ مسدود، ما يخفف كثيرًا من حظوظ بروزه في المعركة الإنتخابية القادمة. كما لم يستطع الوزير ريفي الدخول إلى دائرتي المنية والضنية كما يحلو له، بالتالي لا يتمتع الوزير ريفي حتى الآن بالزخم الذي حصده في مرحلة سابقة.

إرث آل كرامي يخوض معركة الحضور في عدة لوائح

لا يوجد مرشح واحد من العائلة الكبيرة والعريقة في تاريخ دائرة الشمال الثانية، بل قد يكون في أكثر من لائحة من اللوائح إسم بارز من آل كرامي. تنعدم حظوظ أي مرشح منهم في لائحة الوزير ريفي نظرًا لتراجع شعبية الأخير، أما وزير الشباب والرياضة السابق فيصل كرامي فسيخوض معركة حرجة جدًا ليست بالسهلة كما يعتقد البعض. كما تبقى وجهة الوزير السابق أحمد كرامي غير واضحة حتى الآن، وهو من الأسماء البارزة في المعادلة سواءً ترشح أو دعم بماكينته الإنتخابية وقاعدته الشعبية أحد المرشحين البارزين في الساحة الطرابلسية.

الناخب العلوي:  الفرصة متاحة

يخدم القانون الجديد الناخب العلوي بشكلٍ كبير، فالكتلة العلوية المتعطشة لإيصال مرشحٍ تجمع عليه بقدر الامكان  هي أمام فرصة حقيقية في الإنتخابات النيابية القادمة. ويبقى الحزب العربي هو الأبرز على الساحة العلوية بالرغم من تعدد المرشحين في جبل محسن، بالإضافة إلى عدم وضوح الرؤية على مستوى التحالفات. ويُستبعد ان يرشح الحزب العربي شخصاً حزبياً بل قد تجري تفاهمات مع آخرين لترشيح ودعم مرشح غير موسوم بالكامل.

الجماعة الإسلامية: الحلقة الأضعف

تشكل الجماعة الإسلامية حلقة مشتتة بين طرابلس والضنية، وهي غائبة عن الساحة الشمالية منذ زمن بالرغم من الفرص الكثيرة التي حصلت عليها في المراحل السابقة.

الصمد قوي في الضنية، ولكن؟

بغض النظر عن شكل التحالفات في الضنية، تبقى الحسابات في هذه الدائرة غير محسومة. أما في ما خص النائب السابق جهاد الصمد، فقد بدأت الأمور تتجه به نحو إعتماد الخطاب التهدوي والذي يتناسب مع أهالي الضنية والتخلي عن خطابه السياسي والذي لا يتقبله جميع مناصري الصمد.

المنية

يعتمد كمال الخير في المنية على قاعدة شعبية تدعمه من العائلات المتوسطة والصغيرة، بالإضافة إلى مفاتيح أساسية من العائلات الكبيرة. يتقدم الخير على مختلف منافسيه في هذه الدائرة والتي برز فيها كذلك تمدد «تيار العزم» بوتيرة أخف من دائرة الضنية، إلى جانب «تيار المستقبل» الذي سيصعب عليه منع مرشحيه الكثر من خوض غمار المعركة مع جهةٍ أُخرى في حال عدم تبنيه لهم وضمهم الى لائحته، نظرًا لعدة عوامل أهمها:

– خصوصية القانون والذي يجعل من المرشحين عن مقعد المنية أصحاب الحظ الأوفر في كل لائحة تحصل على حاصل إنتخابي أول يخولها دخول المنافسة.

– خصوصية القانون في فرض مرشح عن كل دائرة صغرى ضمن كل لائحة.

– وجود عدد كبير من اللوائح  قد يصل إلى ثماني لوائح، بالتالي سيترشح عن المنية قرابة الثمانية مرشحين، منهم قرابة الخمسة من المحسوبين على جمهور «تيار المستقبل».

– تنافس أغلب المرشحين في ما بينهم على جمهور «تيار المستقبل» في المنية والذي سينقسم على مختلف المرشحين.

– مصلحة «تيار المستقبل» في إيصال مرشح له عن دائرة طرابلس التي ينافس فيها خصمه الرئيس نجيب ميقاتي.

– عدم إمكانية تعاطف أيٍ من مرشحي «تيار المستقبل» في طرابلس مع مرشح «التيار» في المنية، الأمر الذي يعني أنَّ كل صوت من المنية محسوب على أحد مرشحي «التيار» في طرابلس لن يعطي صوتاً تفضيلياً في المنية لمرشح اللائحة وسيُعطي فقط صوتاً للائحة.

الدكتور المهندس زكريا حمودان

دكتور محاضر في الجامعة اللبنانية الفرنسية

مؤلف كتاب «اللامركزية، الطريق إلى الإنماء والإستقرار»

مدير «المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء» التي أسسها د. حمودان في بداية العام 2017.

تتمحور نشاطات المؤسسة الوطنية حول تقديم الدراسات العلمية والعملية في المجالات التالية: الدراسات الإنتخابية للمرشحين، الدراسات السياسية، الدراسات الإجتماعية والدراسات الإنمائية.

كذلك تقوم المؤسسة الوطنية بجميع أنواع الإحصاءات الميدانية الإنتخابية، السياسية والإجتماعية.

للتواصل مع المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء:

الهاتف:494782/03

البريد الإلكتروني: zakaria.hammoudan@gmail.com

كيف تتوزع القوى التجييرية في دائرة طرابلس-الضنية-المنية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.