التحالفات الإنتخابية في دائرة (طرابلس-المنية-الضنية): الثابت والمُتَغَيِّر

تُشكل التحالفات الإنتخابية الحلقة الأضعف للقوى السياسية في هذه المعركة، فالقانون الإنتخابي الجديد لا يخدم أي مرشح مسلم (سني أو علوي) لا يملك قاعدة شعبية عريضة تعطيه أصواتاً تفضيلية. أما بالنسبة للمقعدين المسيحيين (الروم الأرثوذكس والماروني) فالمعركة مختلفة جدًا وتتركز على عنوان واحد يحمله كل مرشح وهو العنوان التالي: «أين يجب أن أكون؟». فالمقاعد المسيحية في دائرة الشمال الثانية قد ينجح مرشحوها بأصوات تفضيلية قليلة.
الثابت والمُتغير
إنَّ الثابت في المعركة الإنتخابية القادمة هو بعض الأسماء التي تمتلك أرضية شعبية تسمح لها بأن تشكل ركيزة في المعركة القادمة، ولكن هذا الثابت غير ضامن لمعظم المرشحين بأن يحجزوا مقاعد لهم.
أما المُتغيرات في المعركة القادمة فهي كثيرة ومبنية على مضمون التحالفات التي تشكل صورة المعركة الأساسية والتي لا يخفى على أحد أنها أرق المرشحين والطبق الأساسي على مختلف موائد اللقاءات السياسية عند الأقطاب الأساسيين. في ما يلي جولة على مختلف المتغيرات التي قد تدخل على القوى السياسية في المدينة بناءً للتحالفات الإنتخابية.
«تيار العزم»
أمام الرئيس نجيب ميقاتي خياران يلوحان في الأفق في المعركة القادمة يجب التوقف عندهما.
– الخيار الأول يتمثل في خوض الإنتخابات دون أي تحالفات، وإلى جانبه شخصيات طرابلسية قريبة من خطه السياسي.
أما النقطة الأهم والإيجابية في حال خوض الميقاتي معركته ضمن لائحة خاصة هي حجم الإلتفاف الشعبي حوله والذي قد يكتسح ويتقدم في عدد المقاعد على جميع اللوائح نظرًا للعوامل التالية:
1- الخطاب السياسي الوسطي والذي أثبت من خلاله صوابية آدائه المُقنع والمنسجم مع شارعه.
2- صوابية خياراته خلال ترأسه الحكومة وتقديمه لعدد من إقتراحات القوانين الإنمائية التي تخدم لبنان بشكلٍ عام والشمال بشكلٍ خاص.
3- وجوده إلى جانب أهالي الشمال من خلال جمعية العزم الإجتماعية وتقدمه بخطى ثابتة في تغطية جزء كبير من غياب الدولة على الصعيد الإنمائي، الصحي والتربوي.
أما المتغيِّر الأهم في حال خوض ميقاتي معركته ضمن لائحة خاصة، هو إرتفاع رصيده الشعبي، وتشكيله كتلة شمالية وسطية تتمثل في المجلس النيابي.
– الخيار الثاني أمام الرئيس ميقاتي هو خوضه المعركة ضمن تحالف سياسي يضم بعض الأسماء المحسوبة على قوى الثامن من آذار دون التمكن من أخذ جميع الأسماء وذلك لحسابات كثيرة ضمن الدائرة.
المُتغيِّر في هذه الحالة هو عدم وضوح الرؤية الحقيقية للمشروع السياسي الذي ستخوض به اللائحة المعركة، بالإضافة إلى خسارة جزء من شارعه الذي قد لا يلتقي مع خيار التحالف مع بعض الأسماء الآذارية.
«تيار المُستقبل» وتحالفاته
يخوض «تيار المستقبل» معركة معقدة جدًا، فكثرة المرشحين المحسوبين على جمهوره في دائرتي المنية والضنية ستفقده الكثير من الأصوات في المنطقتين اللتين تعتبران اليوم الرافعة الوحيدة للتيار في معركته في هذه الدائرة بعد خسارة «التيار» لقسم كبير من جمهوره في طرابلس، بين ظاهرة الوزير ريفي من جهة، وتغيُر مزاج الناخب الطرابلسي من جهة أُخرى، بحيث يبقى اليوم الوزير محمد كبارة الأوفر حظًا في حجز مقعد له على هذه اللائحة وهو الحليف والرافعة الشعبية الأهم في هذه اللائحة. كما سيساهم أي تحالف لتيار المستقبل مع التيار الوطني الحر في هذه الدائرة بتخسير «المستقبل» اجزاء من شعبيته في الشارع. أما التحالف الأفضل الذي قد يشكل رافعة إضافية تقنية وشعبية هو دخول الوزير الصفدي المعركة بشخصه، حيث تُعتبر ماكينته الأقوى بين باقي الماكينات الإنتخابية في المعارك السابقة.
قوى الثامن من آذار
ينتظر القوى المحسوبة على تحالف الثامن من آذار معركة مُحرجة بدأت قبل وقتها بزمن، فبين نسج التحالفات من جهة والتنصل من الخط السياسي من جهةٍ أُخرى، يواجه بعض أركان الثامن من آذار في هذه الدائرة نوعًا من الإحراج مع خطهم السياسي بشكلٍ أساسي بالرغم من تربعهم على مجموعة من البلوكات الشعبية.
يُعتبر الوزير فيصل كرامي أكبر الحائرين في تحالفه مع رفاق الخط السياسي، فمن جهة ستبدأ عملية حجز المقاعد في المنية (حيث كمال الخير الأوفر حظًا) ومن ثمَّ الضنية (حيث النائب السابق جهاد الصمد الأوفر حظًا بحجز أحد المقاعد في الضنية)، ومن ثمَّ تدخل منافسة داخل دائرة طرابلس على مقعد ثالث لهذه القوى في حال تحالفت في ما بينها وحصدت ثلاثة مقاعد. يُشكل الحزب العربي صاحب البلوك الأوسع في الشارع العلوي أحد أبرز المنافسين للوزير فيصل كرامي، بالإضافة إلى البلوك الذي يمثله مرشح جمعية المشاريع الخيرية. هذه الحسابات المعقدة وضعت كرامي في مأزق ما قبل الترشح، وهو مأزق التحالف.
أما في حال حصل التحالف المطلوب، فهل يعطي كرامي إشارة إلى مناصريه في الضنية والمنية بعدم إعطاء صوت تفضيلي داخل دائرتهم الصغرى والإكتفاء بالتصويت للائحة؟ وهل يتجرأ على التحالف مع الحزب العربي من جهة والأحباش من جهة أُخرى؟ وهل الأمر يبقي هذه القوى متحالفة ضمن خط سياسي، أم تكون هذه المعركة معركة الخصومة السياسية من أجل دخول الندوة البرلمانية؟
الوزير أشرف ريفي
يشكل الوزير أشرف ريفي حالة شعبية بدأت بالإنحسار تدريجيًا لأسباب عدة أهمها فشل خياراته في بلدية طرابلس من جهة، وإنفصال المجتمع المدني الذي لا يمكن لأحد إنكار دوره في نجاح ريفي بغض النظر عن باقي العوامل. في المشهد العام لم يعد ريفي كما كان في المعركة البلدية، فحرب المفاتيح الإنتخابية أضعفته بالإضافة إلى حربه مع المجتمع المدني التي زادته ضعفًا، بحيث أصبح حصوله على الحاصل الإنتخابي هو أحد الأهداف الواقعية أمامه في هذه المعركة، إلا إذا وجد سلاحًا جديدًا ليحارب به من أجل كسب عطف الشارع.
الجماعة الإسلامية
سارعت الجماعة الإسلامية إلى إعلان مرشحيها في طرابلس والضنية، فضربت عصفورين بحجر واحد، كالتالي:
الأول، فرض «الجماعة» نفسها كحليف في أكثر من دائرة وبالجملة وأنها لن تقبل أن يتم التعامل معها بالمفرق.
الثاني، ترشيح الجماعة لإسم بارز من منطقة القلمون، الأمر الذي سيهدد «تيار المستقبل» في منطقة القلمون التي كانت تعطي للتيار بنسبة تفوق ال65٪.
أما خيارات تحالفاتها فهي محصورة بين التحالف مع «تيار المستقبل» أو التقارب مع الرئيس نجيب ميقاتي.
المجتمع المدني
لا يوجد مجتمع مدني موحد في المدنية، فكل مجموعة لها فلكها الخاص وتعتبر نفسها الأحق بتمثيل المجتمع المدني الذي قد يخوض معركته عبر أكثر من لائحة من المستقلين بالإضافة إلى لائحة تضم تحالف النائب السابق مصباح الأحدب الأحدب مع شخصيات من المجتمع المدني.
سيُساهم ترشح جميع هذه اللوائح بتشتيت الأصوات ورفع الحاصل الإنتخابي الأول ومن ثمَّ خفض الحاصل الإنتخابي الثاني (بعد استبعاد اصوات اللوائح التي لم تحصل على 10٪ من اصوات المقترعين).
الماكينات الإنتخابية، من أين تبدأ؟
يفرض القانون نفسه على الماكينات الإنتخابية التي يترتب عليها عمل شاق وصعب جدًا، بحيث تواجهها العديد من العقبات قبل الدخول في التحضير للمعركة الإنتخابية. في ما يلي أهم العقبات التي ستواجه الماكينات الإنتخابية في هذه الدائرة:
1- وجود الذهنية القديمة التي إعتادت التحضير للإنتخابات بحسب قانون مختلف جدًا عن القانون الحالي.
2- خصوصية القانون الحالي تفرض على الماكينات تفسير القانون بحسب ما أسميته بـ«خطة الشبكة العنكبوتية» إنطلاقًا من المرشح وصولاً إلى كل ناخب يمكن أن يصب صوته في مصلحة مرشحهم.
3- غياب إستراتيجية دراسة المعركة بحسب نوع الدائرة (دوائر موحدة ودوائر مركبة)، بحيث دائرة الشمال الثانية هي دائرة مركبة.
4- عدم وجود أرضية سياسية تسمح بحصد أصوات غير متوقعة في الشارع اليوم وذلك من خلال المشروع السياسي.
5- غياب دور ما يسمى بالمفتاح الإنتخابي حيث كانت الحسابات بالجملة بين المرشح والمفتاح الإنتخابي، بالتالي يجب أن تحتكم الماكينات اليوم إلى العمل بالمفرق مع العائلات بحسب الأقلام، الواحدة تلو الأُخرى.
وجود هذا النوع من النقاط المفصلية في عمل الماكينات الإنتخابية يجعلها تتساءل من أين ستبدأ معركتها، حتى أنَّ قسماً كبيراً من هذه الماكينات لم ينطلق كما يجب، وبالإتجاه الذي يجب أن ينطلق نحوه.
د. زكريا حمودان
* مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء