كيف تؤثر الخدمات على مضمون المعركة الإنتخابية في دائرة الشمال الثانية (طرابلس ــ الضنية ــ المنية)؟
تتميز دائرة الشمال الثانية (طرابلس-الضنية-المنية) بالعمل الخدماتي نظرًا لعدم إكتمال بُنية الدولة الطبيعية لكي توفر لشعبها الأساسيات (من بنية تحتية، صحة، تعليم …) بهدف تأمين عيش كريم لجميع المواطنين. إنطلاقًا من ذلك سيكون للشارع الشمالي رأي سياسي يتعلق كثيرًا بحجم ما يقدمه رجل السياسة لمجتمعه.
في إحصاء أجرته المؤسسة الوطنية للدراسات في الدوائر الصغرى لدائرة الشمال الثانية (طرابلس-المنية-الضنية) حول من هو الفريق السياسي الأكثر تقديمًا للخدمات، تظهر الأرقام بوضوح تقدم مدى الدور الذي تلعبه الخدمات في تشكيل الرأي العام.
تضمن الإحصاء التيارات السياسية أو الأشخاص المؤثرين في المعركة الإنتخابية المقبلة، ولم يشمل أي فريق سياسي لم يدخل المنافسة في المعركة المقبلة. ما النتائج وكيف يمكن قراءتها؟
طرابلس
في طرابلس أتت «جمعية العزم والسعادة» التابعة للرئيس نجيب ميقاتي في رأس القائمة كأكبر فريق سياسي يقدم خدمات، وبنسبة مرتفعة تُجسد تمامًا العمل الحقيقي الذي تقوم به الجمعية، دون أي توقف وبوتيرة متقدمة. أهم الخدمات التي تقوم بها جمعية «العزم» تدور في فلك: المساعدات المدرسية (منح تعليمية لأهالي طلاب المدارس والجامعات)، المساعدات الصحية وهي على نوعين (الكشف الصحي من خلال الأطباء ضمن سلسلة من المستوصفات، وإستشفاء في كل ما يخص الإستشفاء من عمليات)، المساعدات الإنمائية للمناطق (ترميم الأسواق، الحفاظ على التراث الثقافي والديني، تزفيت بعض الطرقات، وفي الحالات الطارئة …)، المساعدات الإجتماعية للعائلات صاحبة الدخل المحدود وفي المناسبات. أما خلف تيار العزم فيأتي الوزير محمد كبارة الذي يساهم من خلال وجوده ونجله كريم في تقديم العديد من الخدمات والوقوف إلى جانب أهالي المدينة. وفي المركز الثالث يأتي «تيار المستقبل» الذي كان في مراحل زمنية سابقة يتقدم على الجميع في المدينة على مستوى الخدمات التي بدأت تتراجع منذ سنوات وبوتيرة متسارعة حتى وصلت إلى ما هي عليه، مع العلم أنَّ بعض الخدمات المحدودة عادت لتظهر مؤخرًا بعد إستلام أحمد الحريري لملف طرابلس. كما يحفظ الوزير فيصل كرامي مركزًا له في تقديم الخدمات الصحية في المدينة بالإضافة إلى بعض الخدمات الأُخرى المحدودة. ويحل الوزير أشرف ريفي في مرحلة متأخرة نظرًا لكونه جديد في الساحة السياسية وهو حالة لم ترتق بعد إلى مستوى العمل المؤسساتي الخدماتي الممنهج.

ما دور الخدمات في التأثير في الرأي العام؟
لا يختلف أحد ممن تناولهم الإحصاء أنَّ غياب الدولة في القيام بدورها يدفعهم للتوجه نحو السياسيين من أجل طلب هكذا خدمات، ويعترف القسم الأكبر بأهمية دور جمعية «العزم» في المدينة بالإضافة إلى دور الوزير كبارة، كما إعتبر كثيرون أنَّهم يفضلون أن تأتي الخدمات من الدولة وعبروا عن ذلك في الرسم البياني الآخر (هل أنت مع التغيير في طرابلس؟) والذي يطالب بالتغيير وبنسبة 60،64٪، بحيث كان المطلب الأول هو التوجه نحو فرض تأمين الصحة والتعليم للجميع لكي يخرج المواطن من دوامة التبعية الخدماتية. أما نسبة الـ94.35٪ ممن هم ضد التغيير فيعتبرون جزءاً من المُقتنعين بخط سياسي مُعيَّن.

الضنية
في الشكل، تُعتبر الضنية من الدوائر الأكثر حرمانًا على مستوى المشاريع الإنمائية، بالإضافة إلى أنها من أكثر المناطق نزوحًا نحو طرابلس في فصل الشتاء. تتقارب نسب الخدمات في الضنية، بين «تيار العزم» في المقدمة خدماتيًا وبنسبة 20،34٪، و«تيار المُستقبل» بنسبة 20،33٪ والنائب السابق جهاد الصمد بنسبة 78،32٪.
أما في المضمون، فيأتي تقدم الرئيس ميقاتي خدماتيًا، نظرًا لإستفادة جزء كبير من أهالي المنطقة من خدماته الصحية والتعليمية سواء من قبل من يسكنون في طرابلس أو سكان الضنية صيفًا شتاءً. كما يعتبر كثيرون أنَّ لتيار المستقبل دوراً سابقاً في تقديم الخدمات لهم، بالرغم من غياب هذا الدور مؤخرًا. ويُعتبر منزل جهاد الصمد ملاذًا للعديد من أهالي المنطقة لتلبية خدماتهم من خلال مروحة العلاقات التي يتمتع بها والتي أبقت له على أرضية واسعة بالرغم من غيابه عن الندوة البرلمانية منذ زمن.
أما ما يميز نتائج الضنية، فهي الحاجة وبنسبة كبيرة إلى التغيير، وهي تدل على أنَّ المنطقة تطالب الدولة بالكثير من الإنماء، خاصة أنها تملك جرودًا واسعة تستطيع أن تلعب دورًا تجاريًا وسياحيًا كبيرًا، بالإضافة إلى العديد من المشاريع الإنمائية والخدماتية على مستوى المنطقة من صحة وتعليم.


المنية
في المنية يقدم كمال الخير العديد من الخدمات إلى أهالي المنطقة خاصة عبر مروحة علاقات سياسية وإجتماعية واسعة جدًا، كما تميز بوقفات مطلبية ساهمت بتحقيق مكاسب لأهالي المنطقة كالزيادة في عدد ساعات التغذية الكهربائية، وتزفيت العديد من الشوارع في منطقة المنية. إعتبر القسم الأكبر من أهالي المنية 26،40٪ بأنه الأكثر تقديمًا للخدمات، يليه «تيار المستقبل» الذي مازال يحافظ على رصيد جيد له في المنطقة من خلال خدمات سابقة كانت قد توقفت منذ زمن للمنطقة، ويشكل الرئيس نجيب ميقاتي ذراع دعم لأهالي المنية على مستوى المنح التعليمية وبعض المساعدات الإجتماعية.
كذلك على مستوى التغيير، فقد كانت نسبة الذين يطالبون بالتغيير كبيرة وأتت 50،59٪ مقابل 95،40٪، حيث ستحتدم المعركة كثيرًا في ظل إنقسامات كبيرة شهدتها الساحة في المنية مؤخرًا.


كيف سيؤثر مؤشر الخدمات…
وما دور مؤشر التغيير في المعركة المقبلة؟
سيكون للطابع الخدماتي في المعركة السياسية أدوار متعددة حتمًا في التأثير على الرأي العام وهي منقسمة إلى قسمين: القسم الأول يتمثل بالخدمات الدائمة والتي لم تتوقف منذ سنين، أما القسم الثاني فيتمثل بالخدمات الإنتخابية والتي ستكون مُستحدثة من بعض المرشحين الجدد على الساحة السياسية أو غير الفاعلين سابقًا.
قد تلعب الخدمات الدائمة دورًا مُهمًا لمقدميها في المعركة القادمة نظرًا لوجود الكثير من المُتغييرات على الساحة في دائرة الشمال الثانية، أهمها:
∎ عدم وجود تحالفات إنتخابية غير مرضية وخوض كل فريق معركته منفردًا.
∎ عدم وجود لوائح موزعة خارج مراكز الإقتراع والإلتزام باللوائح المطبوعة سلفًا، وبالتالي تحكيم الناخب لعقله خلال وجوده خلف الستارة.
∎ رمزية المعركة السياسية على مستوى الزعامة السنية والسباق على تحقيق رقم مرتفع من الأصوات التفضيلية عند المرشحين السُنة.
∎ فرصة لرد جميل كل من غطى عجز الدولة ووقف إلى جانب أهالي المدينة تلبيةً لخدماتهم.
أما الخدمات الإنتخابية فيصعب التعويل عليها كثيرًا إن لم تترافق مع العديد من الحاجات الأساسية لإقناع الناخب، وأهمها:
∎ إقناع المرشح للناخبين بأنه وجه تغييري من خلال بعض الأفعال وليس الأقوال.
∎ خصوصية قانون الإنتخابات والذي يرتب على الناخب مسؤولية كبيرة على مستوى وضع إشارة نحو صورة الشخص الذي سيقترع له.
∎ تغيُر دور الماكينات الإنتخابية من ماكينات كانت تعمل بالجملة إلى ماكينات تعمل بالمفرق، بالتالي أصبحت الخدمة الإنتخابية غير مجدية إن لم تترافق مع مضمون جيِّد.
∎ إقتناع الناخب بأنَّ معركته اليوم هي الإستفادة المادية من عددٍ من المرشحين بالرغم من وجود صوت تفضيلي واحد، بما يعني أنَّ الخدمات الإنتخابية ستتأثر سلبًا.
أما مؤشر التغيير الذي يُظهر تقدم كبير يفوق الـ60٪ بمعدله العام في دائرة الشمال الثانية فهو دليل إيجابي يعول عليه الكثير من الطامحين بدخول الندوة البرلمانية. لكن المفارقة في هذه الدائرة تكمن بعدم بروز العديد من الأسماء الجديدة التغييرية بشكل حقيقي، بالإضافة إلى تعدد الطامحين على مستوى ما يُسمى بالمُجتمع المدني الأمر الذي أدى إلى التشرذم وذلك للأسباب التالية:
∎ عدم تقديم المجتمع المدني لأي مشروع وطني بديل أو جديد للرأي العام، سوى الشعارات التي تنتقد أهل السُلطة.
∎ دخول العامل المادي على خط تشكيل بعض لوائح المجتمع المدني.
∎ عدم وجود أي إمكانية لتوحد المُجتمع المدني.
∎ خصوصية القانون والتي تجعل من المعركة معركة الأنا النيابية وليس المجتمع المدني.
أما على المستوى العملي للوجوه التغييرية في الدائرة فقد برزت حتى اليوم حركة نوعية للتجمع الدستوري الديمقراطي الذي يترأسه الدكتور محمد سلهب المرشح عن المقعد السني في طرابلس والذي تميز عن باقي الوجوه التغييرية بالأمور التالية:
∎ إنشاء التجمع الدستوري منذ عدة سنوات وإطلاق عمله كمشروع سياسي مستقبلي، ليس وليد مرحلة إنتخابية.
∎ إطلاق وثيقة تشرح أهداف التجمع ورؤيته الوطنية وإفتتاح مكتب عمل يتضمن العديد من القطاعات.
∎ القيام بعدد من الجولات في المناطق لشرح الوثيقة بشكل مفصل.
∎ عقد ورشات عمل والتحضير لعددٍ من المؤتمرات التي تتمحور حول مضمون الوثيقة التي إعتمدها التجمع الدستوري.
ومن الجدير بالذكر أنَّ إسم رئيس التجمع الدستوري (د. محمد سلهب) كان الإسم الوحيد من بين الوجوه التغييرية الذي بدأ بالتقدم في إستطلاعات الرأي مؤخرًا.
* مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء
