طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

رسالتان حَمَلَهُما الحريري الى «الشمال المسلم»

انطلقت الحملات الانتخابية بقوة، بعد انتهاء المهلة المحددة لتسجيل اللوائح، وبعد المهرجانات الكبيرة والحاشدة المخصصة للإعلان عن تشكيل معظم هذه اللوائح، ومنها في طرابلس المهرجانان اللذان أُعلنت خلالهما لائحتا «العزم» و«المستقبل للشمال».

في المهرجان الأول ألقى رئيس «لائحة العزم» الرئيس نجيب ميقاتي كلمة أشار فيها إلى خوض معركة «إستعادة طرابلس لقرارها»، وشَدَّ العصب الانتخابي عبر رفضه «المعاناة لسنوات من وضع القرار الطرابلسي تحت وصاية المركزية السياسية التي لم تكن طرابلس والمنية والضنية في سُلّم أولوياتها، فقررنا هذه المرة أن نقلب المعادلة وأن نصل بإذن الله إلى كتلة نيابية صوتها صوتكم وقرارها قراركم».

وفي المهرجان الثاني، شنَّ رئيس «تيار المستقبل» الرئيس سعد الحريري، هجوماً مباشراً وشخصياً على الرئيس نجيب ميقاتي والوزير السابق أشرف ريفي، متهماً الأول «بأنه يعتقد نفسه قادراً على بيع التنك المزور»، وساخراً من الثاني ملقباً إياه بـ «بطل العالم الذي يغرقنا ليل نهار بالتخوين والمؤامرات». ومستخفاً بالإثنين، بالقول إن «هؤلاء أساساً، لا أحد يحسب لهم حساباً لا في الداخل ولا في الخارج».

عبارة «الوصاية»، التي استخدمها ميقاتي في إطار رفض التبعية لـ«المركزية السياسية»، أخذها الحريري إلى مكان آخر يتعلق بـ«الوصاية السورية»، فتكلم على «لوائح لبشار و«حزب الله»».

أما عبارة «قلب المعادلة» التي سبق ان استخدمها ميقاتي للإشارة إلى خوض معركة «استعادة طرابلس لقرارها» فاستعارها الحريري قائلاً: «نحن الذين نقلب المعادلة ونضمن أن ما من شيء يمكن ان يتقدم على الشرعية والدولة… نعم نحن الذين قلبنا المعادلة مرة، ودفعنا الجميع للاعتراف بأن حماية لبنان تكون بوقف التدخل في شؤون الأشقاء العرب (!!!) نعم نحن قلبنا المعادلة وقلنا بأن السنّة في لبنان ليسوا حرفاً ناقصاً».

لكن الغريب في كلمتَي الرئيس سعد الحريري، في عكار وطرابلس، انه في المنطقتين قد كرر فكرة مثيرة للتساؤل.

فلقد قال في عكار: «في يوم الانتخابات، إذا نزلتم وصوّتّم للائحة «المستقبل لعكار»، سيكون حينها المستقبل للمشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي فيه حصة وازنة لعكار، في المشروع الوطني الكبير، أما إذا لم تشاركوا في الاقتراع أو صوّتّم للائحة أخرى فهذا يعني أنكم اخترتم شخصياً، نعم أنتم شخصياً، أن يتوقف هذا المشروع».

وفي طرابلس كرّر الحريري الفكرة ذاتها قائلاً: «حصة الشمال في المشروع الوطني الذي أعددناه هي 3 مليار دولار، للكهرباء والصرف الصحي والمياه والاتصالات والنفايات والسياحة في الشمال. لكن هذا المشروع، مشروع الاستقرار والنهوض الاقتصادي والإنماء في الشمال وكل لبنان، بحاجة لأمر أهم من التمويل، بحاجة لأصواتكم. في 6 أيار أنتم تقررون أن يُكمل هذا المشروع أو يتوقف».

فهل يعني الكلام الذي قاله الحريري، في عكار وطرابلس، أنه بعد الانتخابات، عندما يتولى رئاسة الحكومة من جديد (كما هو متوقع كون كتلته ستكون بلا شك الكتلة الأكبر على الساحة السنية، وربما في البرلمان كلّه)، سيوقف المشاريع الإنمائية فيهما، إذا لم تحقق لائحتا «المستقبل»، في الدائرتين، نجاحاً كاسحاً؟

في خطابيه الشماليَين، أراد الرئيس الحريري، من جهة،  توجيه الأنظار إلى «حزب الله»، من باب تحريك مشاعر الناخبين وغرائزهم، ومن جهة أخرى، أراد توجيه رسالة «قاسية»، في الشق الإنمائي، تحذر من عواقب عدم اكتساح لائحتيه للدائرتين الأولى والثانية شمالاً.

وهذا غير عادل، لأن رئيس الحكومة مسؤول عن الجميع، مَن انتخبوا فريقه السياسي ومن لم ينتخبوه.

وهكذا يكون الرئيس الحريري قد حمل رسالتين هامتين الى «الشمال المسلم».

في ما يتعلق برسالة التخويف من «حزب الله»، قد يكون التوقيت الذي اختاره الحريري لإرسالها غير ملائم فعلاً، بعد ترشيح حليف »حزب الله« والنظام السوري، النائب سليمان فرنجية، لرئاسة الجمهورية، ثم إيصال حليفهما الآخر النائب ميشال عون إلى الرئاسة فعلاً، ثم تشكيل حكومة كان لـ «حزب الله» وحلفائه 17 وزيراً فيها من أصل 30، ثم إشراك الرجل الأمني الأول في «حزب الله» وفيق صفا في اجتماعات مجلس الأمن المركزي في وزارة الداخلية بحضور الوزير نهاد المشنوق، ثم محاربة معظم قوى «14آذار» في المعارك الانتخابية المختلفة على معظم الاراضي اللبنانية، وفي الوقت عينه التحالف و«الشراكة» بقوة مع «التيار الوطني الحر»، الذي أعلن رئيسه الوزير جبران باسيل خلال احتفال إعلان أسماء مرشحي «التيار» أنه متمسك بمعادلة «شعب وجيش ومقاومة»، فجاءت هذه المعادلة كجزء أساسي من برنامجه الانتخابي… إلى ما هنالك من أمور صارت لا تُعدّ ولا تُحصى.

قد تكون للرئيس الحريري أسبابه في كل الخطوات التي أتخذها منذ ما قبل التسوية الرئاسية حتى اليوم، لكن هل يجوز ان يبقى الشمال عرضة للتجييش والتحريض كلما كانت هناك حاجة إلى أصوات انتخابية من هنا، أو تظاهرة من هناك، أو حشد لإظهار القوة، أو من أجل «يوم غضب» أو ما شابه (بينما المساومات والتسويات، وأكثر، تجري في أمكنة أخرى)؟ هل يجوز أن يبقى الشمال صندوق بريد، وهل يجوز ان يُستعمل فقط كخزان يمدّنا بالأصوات والنواب… ثم ننساه؟

وفي ما يتعلق برسالة الرئيس الحريري الثانية، أي «الرسالة الانمائية»، هل يجوز ان يُهدَّد الشمال: إما أن تُصوِّتَ لنا أو نحجب عنك الإنماء؟

«التمدن»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.