النائب خالد الضاهر: هذه سيرة البدايات

بدأ نشاطه السياسي في أول سنة دراسية جامعية، عندما تعرف الى شرائح كثيرة ومتنوعة طلابية وغيرها من المجتمع المدني، وكان مسؤول «رابطة الطلاب المسلمين في الشمال»، ثم تدرج في العمل العام بداية من خلال حضوره وحركته في «الجماعة الاسلامية»، ثم نائباً عن عكار ممثلاً «الجماعة»، ثم نائباً حليفاً لـ «تيار المستقبل»، الى ان افترق عنه في العام 2015، بسبب اعتراضه على قرارات ومواقف اتخذها التيار. مع النائب خالد الضاهر، الذي عزف عن الترشح للانتخابات النيابية عن المقعد السني في عكار لمصلحة لائحة «تيار المستقبل»، كان هذا الحوار مع «التمدن» حول مسيرته:
∎ كيف تقرأ مسيرتك السياسية منذ البدايات حتى اليوم؟
أنا من ببنين من أكبر بلدة في محافظة عكار، ترعرت ونشأت في بيئة محافظة وملتزمة، تعلمت خدمة الناس والتعاطي مع المحتاجين والفقراء منذ نعومة أظافري، كنت أرافق جدي في تجواله وزياراته في البلدة منذ صغري. كنت أرى تعامله مع الأقارب وأهل قريتي ومساعداته وخدماته لهم. فخدمة الناس في دمنا من خلال الإلتزام بالدين الإسلامي. نشأت وهذه البصمة مزروعة في داخلي في تربيتي وتكوين شخصيتي. نحن عائلة مؤلفة من 6 شبان و3 شابات.
في مرحلة دراستي المتوسطة تعرفت على «الجماعة الإسلامية»حيث انتسبت فعلياً إليها سنة 1975.
بدأ عملي العام السياسي منذ دخولي السنة الأولى في الجامعة في طرابلس، فالشخصية هي التي تدل على توجهاتها وانفتاحها في المجتمع، حيث بدأت نشاطي الإجتماعي في سن مبكرة، قبل النشاط العام كحضور ندوات ومحاضرات، حيث كنت ناشطاً وأنا في القسم الثاني ثانوي وأنا لم أتجاوز سن الـ 18.
بدأت نشاطاتي في أول سنة دراسية جامعية، حيث تعرفت على شرائح كثيرة ومتنوعة طلابية وغيرها من المجتمع المدني. كنت مسؤول «رابطة الطلاب المسلمين في الشمال»، الفرع الطلابي لـ «الجماعة الإسلامية» في الجامعة اللبنانية، كما أنَّه أذكر في سنة 1980 حدثت حالة تسمم في بلدة أكروم حيث ارتسمت بداية عملي الإعلامي الخدماتي والاجتماعي.
ذهبت إلى تلك البلدة سيراً على الأقدام مسيرة حوالي 7 كيلومترات لعدم وجود طرقات مؤهلة للعربات، وكانت مسيرتي للبلدة في منتصف فصل الشتاء وفي جو بارد وماطر وصقيعي، متنقلاً من قنية إلى كفرتون وصولاً إلى أكروم سيراً على الأقدام ليلاً، يرافقني مجموعة من الشباب الناشطين في «الجماعة». وصلنا بعد معاناة وتحمل مشقة الطريق والشتاء، قضينا ليلتنا في أكروم حيث تعرفنا على مجموعة من الناشطين داخل البلدة وعلى أهلها.
يومها بدأت عملي الإعلامي في الكتابة عن معاناة هذه المنطقة في الصحف المحلية، «الإنشاء» و«التمدن» وغيرها من الصحف المحلية الأخرى.
تعاونّا مع معظم الشباب في أكروم، من فعاليات وناشطين وأهالٍ، حيث بدأنا برفع الصوت إعلامياً، ثم تبعَ ذلك زيارات متتالية لمسؤولين في الدولة، بداية في مدينة طرابلس، حيث كانت كل الجرائد والروابط التابعة لـ «الجماعة الإسلامية» تتابع وتشرح معاناة هذه البلدة. وبالفعل تحرك المسؤولون وبدأ رفاقي التحرك وشق الطرقات والإهتمام بها.
تبعت ذلك خطوة ثانية، حيث استطعنا جلب وجر المياه من نبع السبع على بعد 7 كيلومترات لأول البلدة، فكنا أنا وزملائي الناشطون في أكروم أول من أوجد وجر المياه إلى البلدة.
كانت البلدة تفتقر أيضاً للمدارس حيث كانت خالية من أية مدرسة تربوية نموذجية. فتعاونت أنا والشباب الناشطين في جمع التبرعات من الأيادي الخيرة، أنشأنا مدرسة رسمية تحولت فيما بعد إلى مركز بلدي لبلدة أكروم بعدما تكاثرت وتطورت المدارس الخاصة.
ثم من بعدها توجهنا وبدأنا نشاطاتنا من بلدتي ببنين حيث شُكلت لجنة تهتم بالأيتام والفقراء، واستطعنا تأمين كفلاء وكفالات لهم ولكل المحتاجين عبر جمعيات خارجية، ومازالت هذه اللجنة قائمة ليومنا هذا يديرها الأخ محمد الكسار (أبو بلال).
أنشأنا «المجمع الإسلامي» في ببنين المؤلف من قاعة استقبال ضخمة تبلغ مساحتها حوالي 700 متر مربع وفوقها مركز طبي ثم مسجد في الطابق الثاني، استمرينا في تكثيف عملنا وبنشاطنا الاجتماعي حيث أنشأنا مركزاً طبياً آخر في البلدة لعدم وجود أي مستوصف أو مشفى في ذلك الوقت، فضلاً عن معاناة أهلنا من الحوادث الأمنية المتكررة خلال الحرب اللبنانية وفي ظل الوصاية السورية، حيث تفاقمت احتياجات الناس والفقر والحرمان من كل متطلبات الحياة اليومية لأي فرد في البلدة، ولكل القرى في عكار.
اجتمعت مع الشباب الناشطين في ببنين فأسسنا وأنشأنا «المستوصف الطبي الخيري» في ببنين، وقتها كنت مسؤولاً عن «الجماعة الإسلامية» في عكار.
استأجرنا مركزاً حيث أنشأنا مستوصفاً تم إنجازه سنة 1982 وعملنا على تطويره بفضل جهودنا ومساعينا وإرادتنا كناشطين عبر مساهمتنا الشخصية وتمويلنا، أصبح لدينا الآن مركزان طبيان في بلدتي ببنين من خلال عملنا الدائم لتخفيف بعض معاناة أهلنا، وهما الآن «مستوصف ببنين الخيري» التابع لـ «الجمعية الطبية» بإدارة أبو بلال محمد الكسار (مستقل) والمركز الطبي الثاني التابع لـ «الجمعية الطبية الإسلامية» لـ «الجمعية الطبية» بإدارة الدكتور كفاح الكسار.
ثم أنطلقنا كجماعة إسلامية في بلدات عكار حيث أسسنا مستوصفات في بلدات برقايل، فنيدق ومشحا. وساهمنا في دعم مستوصف في وادي خالد مازال قائماً ليومنا هذا وساهمنا في دعم «مستوصف سهل عكار» و«تل حياة». أما مساعدة الأرامل والأيتام فشملت ما نستطيع تقديمه في كافة مناطق عكار، إذ كانت هذه الخدمات من أولوياتنا.
كما أنني أذكر أنَّنا في سنة 1994 أنجزنا عدة مشاريع. وللأمانة، طلب مني أهالي بلدة الصْفِينَة في عكار إذا كان بإمكاني توفير المياه وجرها إلى بلدتهم، وعدتهم بمتابعة وتنفيذ هذا المشروع مهما كانت الصعوبات، وفي وقت قصير أنجزناه ووفرنا المياه وجررناها للبلدة، كانت تكلفة المشروع 100 ألف دولار حينها.
وبفضل الله، ومن خلالي وبفضل متابعتي تم إنجاز هذا المشروع ممولاً من جمعية خيرية عبر رجل خير من الجنسية الكويتية. إشترينا قطعة أرض في نهر البارد مساحتها 500 متر مربع، بدأنا في تجهيز وتحضير وحفر البئر في أعماق الأرض، أخرجنا المياه ثم أقمنا مبناً قرب البئر لحمايته، جررنا المياه من منطقة نهر البارد صعوداً إلى الصْفِينَة حوالي 1500 متر، تيسرت الأمور، وتمَّ بناء خزان كبير لكل البلدة.
في منتصف الثمانينات تعاونت مع بعض الشباب في بلدتي، فطلبنا من «جمعية التربية الإسلامية» بناء مدرسة في ببنين، وبالفعل تم استئجار مدرسة يملكها آل المصري تقع بين ببنين ووادي الجاموس ومازالت قائمة حتى اليوم. عندما تسنى لـ «جمعية التربية الإسلامية» شراء أرض في بلدة قبة شمرا بنينا مدرسة جديدة نموذجية تتسع لحوالي 2000 طالب وطالبة، تحولت فيما بعد إلى مدرسة مجانية.
أما على الصعيد الشخصي، أتواصل مع الجميع وهذا جزء من حياتي، فأنا خطيب جمعة وخطيب في كل المناسبات ولدي مشاركات في عقد مصالحات بين العائلات إضافة إلى علاقتي الخاصة مع الأهالي ومشاركتهم في حل مشاكلهم.
وعلى الصعيد السياسي، ففي سنة 1984، كان يوجد هيئة تنسيق تحت اسم «هيئة التنسيق الشمالية» برئاسة الشهيد الرئيس رشيد كرامي تضم الأحزاب والنقابات، والفعاليات والقوى المختلفة.
كُلفت ان أمثل «الجماعة الإسلامية» في هذه الهيئة، كنت أحضر مع زميل لي من «الجماعة» الأخ مصطفى كردية الذي أغتيل بعد حرب طرابلس (التبانة) سنة 1985 من قبل المخابرات السورية المتواجدة حينها في لبنان، حيث كانت الفوضى وعدم الاستقرار الأمني والقتل في كل مكان من وطني الحبيب بسبب الحرب الأهلية. فبقيت الممثل الوحيد عن «الجماعة الإسلامية» في الشمال في حينها، بعد احتلال القوات السورية لمنطقة طرابلس، رغم المخاطر والتهديدات اليومية والمباشرة لي ولعائلتي.
كان النظام السوري يسعى إلى ما يحصل عليه عبر إستهدافه أهل السنة ويعمل على إضعاف البنية التحتية الاجتماعية ودعم الأحزاب الموالية له مثل «الحزب العرببي الديمقراطي» والشبيحة وغيرهم. كانوا يريدون أفراغ طرابلس من كل من لا يخضع لهم.
تعرضت للسجن سنة 1985 وتتالت الاعتقالات، حيث أعتُقلت 6 مرات كان آخرها سنة 1994، حيث سُجنت مرتين في نفس السنة قبل أن أصبح نائباً بسنتين وكان سجنهم لي ولإخواني في «الجماعة» بسبب معارضتنا لهم ولسياستهم القمعية، وبسبب نشاطاتنا الإسلامية والاجتماعية فقط دون أي جرم نقترفه.
كما أنهم مارسوا سياستهم القمعية على أهل بيتي، حيث اعتقلوا وسجنوا شقيقي ربيع عدة مرات، كانوا يتعرضون إليه ويسيئون معاملته كلما ألتقوا به ذاهباً أو عائداً من وإلى بيروت في المنطقة الشرقية، حيث كانت خدمته في الجيش اللبناني دون إرتكابه لأي ذنب على الإطلاق.
لم يقتصر سجنهم لي ولشقيقي ربيع، فسجنوا شقيقي الأصغر صلاح الذي لم يكن يتجاوز الـ 13 من عمره وهو طالب في «الكلية الإسلامية» في طرابلس وليضغطوا عليَّ. كما أنني أذكر معاناة والدتي وذهابها من عكار إلى طرابلس ودخول مراكز المخابرات السورية القمعية للمطالبة بالإفراج عن أولادها من سجونهم التي لا ترحم، مررنا بمعاناة لا تُوصف كعائلة.
كما أنني أذكر عندما حوصرنا في بلدتي ببنين سنة 1986 بعد مجزرة باب التبانة حيث طلبوا من الأهالي تسليم كل أعضاء «الجماعة الإسلامية» وسلاحهم، والتخلي عنهم. وقتها كنت أسكن في مدينة طرابلس مع زوجتي وأولادي، حيث كنت أعمل كمدرس في «مدرسة الإيمان».
وعلى صعيد المقاومة، ففي شباط سنة 1985 تم إنسحاب قوات الاحتلال الصهيوني من صيدا، فطلب شباب «الجماعة» المساعدة لاستكمال التحرير، فذهبت مع 100 مقاتل من أبناء عكار، الضنية وطرابلس، قاتلنا الإحتلال الصهيوني وعملاءه، كنت وقتها قائداً للحملة في الصفوف الأمامية، ولم أكن قد أنهيت الأسبوع الثاني من خروجي من سجن المخابرات، استلمنا المواقع وأمسكنا بزمام الأمور في تلك المنطقة حيث سقط لنا عدة شهداء وجرحى، كانت المقاومة متنوعة من جميع الأطياف، وكانت كلما اشتدت الضغوطات في القتال اشتد طلبنا للمساعدة من أبنائنا وأهلنا.
وللأمانة في تلك الفترة كان «حزب الله» في بدايته يتدرب عندنا في شرق صيدا وضواحيها، وهذا قلته في حوار تلفزيوني على قناة الجديد سنة 2007 مع النائب نوار الساحلي قبل أحداث أيار سنة 2008 حيث قلت له:
«لا داعي للسلاح إلاّ بيد الدولة اللبنانية».
فأجابني: «هذه مقاومة وفيها تضحيات».
فقلت له: «نحن الذين بدأنا المقاومة ونحن الذين دربناكم».
فرد قائلاً: «أنت مُعَلِمُنا».
فهم يعلمون بأنني كنت مسؤولاً في موقع المقاومة، ولقد دربنا الكثيرين عندنا في ذلك الوقت. وما يزال اسمي معروفاً عند فعاليات صيدا لأنني كنت شريكاً معهم في مقاومة العدو الصهيوني، وإنني باقٍ على هذا النهج والخط من القضية الفلسطينية حيث لديها موقع خاص عندي وقضيتها تجري في دمي آخذة حيزاً كبيراً من ذاكرتي وتفكيري منذ صغري، فأنا داعمٌ للقضية الفلسطينية ضد العدو الصهيوني الاسرائيلي المحتل المغتصب، مع حق العودة والتحرير.
سنة 1996 ترشحت وفزت بالمقعد النيابي حيث كانت بدايتي في البرلمان اللبناني.
في سنة 2000 ضغط السوريون علينا لعدم تشكيل لائحة لإقصائي عن الترشح عبر تهديداتهم لي ولإخواني بالسجن واتهامنا بعدة أمور لتخويفي حتى أتراجع، فلم أنصع لهم فاعتقلوا إخواني وبعض الشباب المؤيدين لنا من خلال المسؤول في مكتب المخابرات السورية وقتها، فشكلت لائحة في عكار وأعلنتها من بلدتي ببنين حفاظاً على كرامة أهل ببنين وأهل عكار ولم أتوقف.
وفي سنة 2005 استمريت في الترشح بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اجتمعت مع الرئيس سعد الحريري حيث لم يتم التوافق بيننا، فشكلت لائحة وأعلنتها أيضاً من ببنين، لكنها لم تفز.
وفي سنة 2009، تم التحالف مع الرئيس سعد الحريري، شكلنا لائحة وأعلناها من ببنين أيضاً، حيث فازت اللائحة كلها كما هي دون أي خرق، بقيت كحليف في كتلة «تيار المستقبل»، لأنني لست عضواً فيه، حتى عام 2015.
«انسحبت بلا مقابل مادي أو سياسي»
أعلن النائب خالد الضاهر عن عزوفه من الإنتخابات النيابية مؤكدًا أنه لم يخضع يومًا إلى الإبتزاز.
كلام الضاهر جاء عقب لقائه رئيس الحكومة سعد الحريري في «بيت الوسط» معتبرًا أن هدفه الأساسي هو «وحدة الصف وخدمة المشروع المدني وحماية لبنان من المشاريع الإيرانية أو الإسرائيلية». وأشار إلى أنه «عندما تكون المصالح تخص أهل السنة تسقط كل القضايا المواقع». وأكد وقوفه إلى جانب الحريري كي يشكل أكبر كتلة في لبنان، داعيًا كل اللبنانيين ليكونوا إلى جانب الحريري لحماية لبنان.
وأعلن أنه بحث والحريري القضايا المتعلقة بالمعتقلين الإسلاميين، وحقوق المناطق وغيرها من المشاريع وهو سيهتم بالموضوع. وقال: «هذا الكلام من باب الحرص على مسيرة الحريري وفي الأيام المقبلة سنرى كل الخير إلى لبنان»، وأمل الخير إلى جميع اللبنانيين.
وفي حديث صحافي، أعلن الضاهر أن قراره بالعزوف «لم يأت نزولا عند رغبة أحد أو نتيجة صفقة كما يحلو للبعض تسويقه، إنما أتى لتحقيق المصلحة العامة لاسيما المصلحة السنية منها». ونفى الضاهر أن يكون قد أبرم أي صفقة لا مع الرئيس سعد الحريري ولا مع غيره من الحيثيات السنية، مشيراً الى أن إعلان عزوفه من «بيت الوسط»، لا يعني لا من قريب ولا من بعيد أن ثمناً مادياً أو سياسياً قد قبضه كبديل عن انسحابه كما سارع البعض الى تسويقه عبر المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا أنه لو كان هدفه حفنة من المال لكان استمر بترشحه مدعوماً من كبار رجال الأعمال في عكار وطرابلس، ولو كان هدفه مقعداً نيابياً أو حقيبة وزارية، لما كان بالأساس قد انسحب من كتلة «المستقبل».