طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

مجتمع النهر في طرابلس (1)

دراسة أعدّها الباحث والصحافي الراحل طلال منجد

في العام 1988. أعدّ الصحافي والباحث الراحل طلال منجد مذكرة بحث لنَيل شهادة الجدارة في العلوم الإجتماعية (انتربولوجيا)، في معهد العلوم الإجتماعية الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية.
حملت الدراسة عنوان «مجتمع النهر في طرابلس». وفي مقدمة هذه الدراسة طرح منجد السؤال التالي: «لماذا مجتمع النهر؟».
ثم أجاب عن هذا السؤال فكتب: «يشكل مجتمع النهر في طرابلس النواة الأولى لمدينة طرابلس الداخلية وهو قد تعرض منذ مطلع ستينات القرن العشرين لتغيير شامل وعميق تناول معالمه وأسسه ووجوده الديموغرافي.
ولا يتعلق الأمر هنا بتناول النهر ككارت بوستال سياحي قديم أو البكاء على اطلاله وذكراه وانما يطمح البحث إلى محاولة تحديد نظام التفاعل الايكولوجي الإنساني المحلي وما قد يكشف عنه ضمن مدى زمني يتوقف عند مفصل حاسم هو قيام ما عرف «بمشروع النهر» في منتصف الستينات.
فمسألياً سيتناول هذا البحث كأهداف أساسية له محاولة كشف وتظهير وإعادة ترتيب «بعض» من معطيات قدمها هذا المجتمع المحلي والذي تغيرت معالمه الأساسية و تفرق ناسه وتبعثروا دون أن تتلاشى خزائنه الذهنية بالتأكيد».
في 30 أيّار الماضي رحل الصحافي و الباحث الزميل في «التمدّن» طلال منجد، واحتراماً لذكراه، تنشر «التمدّن» على حلقات دراسته «مجتمع النهر في طرابلس»، وهي من أهمّ ما كتب عن نهر أبو علي والمجتمع الطرابلسي الذي كان يسكن ويعمل على ضفتيه.
(في العدد المقبل الحلقة الثانية)

الإطار التاريخي ــ الجغرافي

 

عام 1289م قام السلطان المملوكي المنصور قلاوون بفتح مدينة طرابلس القديمة (الأسكلة أو الميناء اليوم) من أيدي الصليبيين آمراً بهدمها حيث أقترن إجلاء الصليبيين عن هذه المدينة بتدميرها كما حدث لمدينتي انطاكية وعكا.
وقد جدد السلطان قلاوون بناء المدينة ولكن هذه المرة على بعد ميلين من المدينة الأولى لجهة الداخل على الضفة اليسرى لنهر أبو علي وأول بناء شاده هو الجامع المنصوري الكبير. أما أول من نزل واستقر فيها فحوالي 600 فارس مملوكي برئاسة الأمير سيف الدين التقوى. وعندما أعيد بناء طرابلس أصبحت عاصمة لنيابة السلطنة المملوكية في القاهرة وسيمت في المصادر العربية بإسم المملكة الطرابلسية الشريفة.
وينبغي التمييز بين نواتين لمدينة طرابلس: النواة الأولى وتمثل مدينة الميناء (الأسكلة اليوم) والنواة الثانية تمثل المدينة العتيقة (La vielle ville) حيث توجد أحياء السويقة والجسرين والقبة التي يفصلها نهر أبو علي عن حي باب الحديد وهضبة أبي سمراء في الشرق.
فنواة طرابلس الداخل نشأت اذن حول نهر أبو علي الذي يشكل معطى طبيعياً متداخلاً في أسس نمو وبناء المدينة وحياة السكان ومعيشتهم.
ان نظرة متفحصة لخريطة طرابلس القديمة بمبانيها ودورها وأسواقها وجوامعها وخاناتها وحاراتها ومحلاتها وبواباتها ترينا بوضوح أن القسم الأعظم من هذه المباني قد أنشىء على ضفاف النهر ذاته.
ويمكن أن نحدد البوابات القائمة على ضفاف النهر أو المتصلة به مباشرة خلال القرن السابع عشر كما يلي:
– بوابة الحديد عليها محلتا باب الحديد والرمانة.
بوابة عقبة الحمراوي عليها محلتا بين الجسرين وقبة النصر.
– بوابة الدباغة عليها محلتا اليهود والتربيعة.
– بوابة القلعة على النهر عليها محلتا القواسير والمزابل.
– بوابة الطواحين عليها اليعقوبية والناعورا.
– بوابة التبانة عليها محلة التبانة ومحلة ساحة عميرة.
وتشكل هذه البوابات الست والمحلات الاثنتا عشرة من أصل 11 بوابة و24 محلة ما يمكن تسميته «بمجتمع النهر في طرابلس» ويبدأ عملياً من المولوية شرقاً إلى الزاهرية جنوباً حيث يمتد العمران على ضفتي النهر بشكل غير متوازن: فإلى اليسار من النهر تمتد المدينة حتى باب بيروت في حين انها تصطدم في الضفة اليمنى بطلعة القبة التي لم تعرف في القرن السابع عشر إلاّ ثلاث محلات مما أثر تاريخياً كما يلاحظ الدكتور فاعور على مورفولوجية المدينة التي بدأت تميل إلى الإستطالة عندما تجاوز العمران حدود نواته القديمة (طرابلس القديمة) كسلسلة من الحلقات المتقطعة وغير المنتظمة بحيث أثرت الخصائص الطبيعية لموضع طرابلس على بنية المدينة وشكلها العام وذلك ان نموها واتساعها لم يكن في جميع الاتجاهات.

التسمية والنهر

 

يثير نهر أبو علي إشكالية أنتربولوجية حول تسميته فهو يعرف عند منبعه بنهر قاديشا (أي المقدس) وعند مدينة طرابلس بإسم نهر أبو علي.
والتسمية الأولى (قاديشا) قديمة ولها إشارة في العهد القديم. أما التسمية الثانية فلا يعرف مصدرها ولا تحديد دقيق أو نسبي لإطلاقها عليه مع تعدد التحليلات في سبب إطلاق هذا الاسم عليه. ويقول مارتن اليسوعي: «ان هذا الاسم لعله تغير بأمر أحد أمراء العرب. فيما يعتقد الدكتور سالم في كتابه طرابلس الشام أنه نسبة إلى فخر الملك أبي علي عمار بن عمار صاحب طرابلس قبل الصليبيين».
وجاء في مقالة للمؤرخ عيسى أسكندر المعلوف: «أنه كان يسمى أولاً «نهر الغضبان» للكناية من فيضانه الجارف، وان بعض المعمرين يزعمون ان بيمارستاناً كان عند جسر السويقة في سفح القبة (؟؟) وكان فيه خادم قاس شرس الأخلاق شديد الحول والقوة أسمه «أبو علي» وكانت تعتريه نوبات من الجنون شديدة تشبه حملات النهر الغضبان فائضاً فأكتسب هذا النهر اسم «أبو علي» لمراعاة النظير بين المشبه والمشبه به..».
رواية المؤرخ المعلوف لا يبدو أنها تستند إلى سند تاريخي ولا إلى بناء منطقي، من ناحية ثانية فإنه تعوزها دراسات وأبحاث تاريخية قاطعة حول البدء بإطلاق تسمية «أبو علي» على النهر، مع أرجحية بأن ذلك يعود إلى حقبة متأخرة من العصر العثماني. وقد نشرت مجلة «أوراق لبنانية» عام 1956 نصاً باللغة العامية لشاهد عيان يروي فيه طوفاناً للنهر عام 1842 ويدعوه بنهر «أبو علي». وكان النهر يرد في المصادر
التاريخية «بنهر طرابلس» أو «النهر» مجرداً لدى الحديث عنه ضمن حيز المدينة.
ان تعبير (قاديشا) أو المقدس غني بالإيحاءات الأسطورية ولا شك فأول ما يتبادر إلى الذهن مغارة قاديشا التي ينبع منها هذا النهر تحت غابة الأرز الشهيرة على ارتفاع حوالي 3088 م من سطح البحر (أعلى قمم لبنان الجبلية) ثم جريان هذا النهر في واد عميق يعتبر من أشد أودية لبنان عمقاً ووعورة ولكنه في نفس الوقت الوادي الغامض المسكون بالنساك والمثير للدهشة والحس الجمالي وهو وادي قنوبين.
ولكن الملفت للنظر ان هذا النهر بعد ان يسير مسافة 40 كلم على شكل قوس وعندما يصل إلى طرابلس يتكنى باسم إنساني خالص «أبو علي» يجمع إلى جوار بعض الملامح الغضبية التي وصفها المؤرخ المعلوف ملامح الشخصية الطرابلسية العامة أو شخصية القبضاي عموماً.

النهر والتفاعل الأيكولوجي

 

يرسم النهر مجراه الطبيعي ضمن حيز مدينة طرابلس ابتداء من المولوية شرقاً ويجري بشكل شبه مستقيم لمسافة 820 م ومتوسط عرض 17,5م حتى جسر اللحامين حيث يتغير مجراه في حركة مفصلية تداخلت بها يد الإنسان إلى حد كبير.
من المولوية إلى جسر اللحامين، تجري الاستفادة من مياه النهر في إدارة ستة طواحين وتنتشر على جانبيه أهم أحياء النواة المدينية الطرابلسية: السويقة والجسرين من الجهة اليمنى وباب الحديد من الجهة اليسرى، وتتصل الضفتان اليسرى واليمنى بواسطة جسر البرطاسية أو جسر السويقة.
على الجانبين، بنيت المساكن والدور السكنية في حدود مجرى النهر. والطابق الأرضي منها، وهو على شكل قناطر غالباً، إما ان يكون بناء سكنياً أو مخزناً ومستودعاً. وكان ينزل إلى مجرى النهر بواسطة سلالم من عدة درجات تكون عادة موزعة بين البيوت والمباني أو عن طريق منحدرات ترابية.
ومن أهم معالم محلتي السويقة، باب الحديد، عدا البيوت: البيمارستان، حمام سندمر المعروف بحمام الحاجب، خان المنزل، البطريركية، قيسارية الافرنج، مسجد البرطاسي وست مدارس دينية.
أما الأسواق المجاورة فأهمها سوق سندمر في السويقة بجوار حمام الحاجب وأشتهر مملوكياً وعثمانياً بأنه سوق السلاح. وعلى الضفة اليسرى، سوق البازركان وسوق النحاسين وسوق حراج وهو من الأبنية الصليبية القديمة وعرف في عصر المماليك بالقيسارية وهو على نظام الخانات مؤلف من طابقين: الأسفل لعرض البضائع والأعلى لحجرات النوم وهو في نهاية طريق السوسية.
عند جسر اللحامين، ينقسم النهر بفعل حاجز باطوني إلى نهرين: أعلى وأسفل، ويساعد على هذا الانقسام كون جسر اللحامين بني على قنطرتين تسببان انقسام المياه ويتكرس ذلك بالحاجز/ السد الباطوني المشيد وسط مجرى النهر بشكل منحنٍ طولاني لمسافة 80 متراً وبارتفاع حوالي المترين. وعندما تملأ المياه عمق النهر الأعلى تعود فتنحدر عن الحائط على شكل شلالات مائية نحو النهر الأسفل. وأقيم قبل نهاية السد سكر واسع للمياه يسمح عبر التحكم به بزيادة كمية المياه في النهر الأعلى أو الأسفل.
ويشكل النهران معاً حوضاً مائياً واسعاً يبلغ عرضه حوالي 39 متراً والنهر الأسفل يلف هنا بشكل نصف دائري وبعرض 18 متراً عند جامع التوبة في محلة الدباغة ويتابع مسيره نحو الزاهرية فالتبانة. ويبلغ قطر الالتفاف 500م وتتفرع عنه ساقية بعرض مترين تعرف بساقية الدباغين وتعود لتلتقي بالمجرى الرئيسي.
أما النهر الأعلى فيتفرع إلى ثلاثة جداول: الأول بعرض أربعة أمتار وهو يدير طاحونة المسلخ ثم يتجه نحو البداوي ليروى بساتينها.
والجدول الثاني بنفس العرض وعليه أقيمت ساحة المسلخ البلدي حيث يعود هذا الجدول ليلتقي بالنهر الأسفل في التبانة، وتعرف نقطة التقائهما بملتقى النهرين حيث تتوحد المياه من جديد لتسير نحو مصبها المعروف ببرج رأس النهر عند شاطىء البحر غربي طرابلس.
أما الجدول الثالث فيتفرع أصلاً من جدول المسلخ ويخترق حيز الالتفاف الدائري ليصب في النهر الأسفل بعد أن يروى مساحة واسعة من البساتين.ان هذه الشبكة من تقسيم المياه (قناطر جسر اللحامين والحاجز/ السد الباطوني) ومن التفريع (الجداول والسواقي) هي من صنع الإنسان ولوظائف واستخدامات مختلفة منها إدارة الطواحين وري البساتين وفصل جدول خاص بالمسلخ وساقية خاصة بالدباغة وجدول ثالث لري بساتين الزاهرية وذلك عبر التحكم بتقسيم وتوزيع المياه وفق أعراف وتقاليد معينة مما يشكل هندسة مائية منتظمة ومبتكرة.
ان مظاهر التفاعل الايكولوجي سنراها لاحقاً بشكل أكثر دقة وتفصيلاً وعلى أصعدة مختلفة من استخدام مياه الشفة وإدارة الطواحين والدباغة والقصابة وأمكنة السكن واللهو والعمل والتداخل مع عادات وتقاليد ومعتقدات مجتمع النهر في طرابلس.

 

طواحين مجتمع النهر

 

ترجع أهمية الطواحين في مجتمع ما إلى أن هذا الابتكار لم يكن ليتم إلاّ حيث تشح الأيدي العاملة أو يندر نظام السخرة. ولقد تطورت الطواحين المائية مع الزمن، لكن أهم أنواعها المعروفة هي الطاحون الأغريقي وهو لا يعتبر طرازاً جيداً من الطواحين ولكنه يؤدي مهمة طحن الغلال في نهاية المطاف. وطاحون «فتروفيوس» المهندس الروماني الذي أبتكر الطاحون المعروف باسمه والمتفوق من الناحية الهندسية تفوقاً عظيماً. ثم طاحون العجلة المائية الرأسية الذي نظر إليه على أنه أكثر تقدماً من سلفيه. وبالنسبة لطرابلس فقد عرف بمجتمع النهر نظام الطواحين المائية، واستخدمه بامتياز وتوسع. ففي القرن السابع عشر، كان يوجد خمس مطاحن وهي: سندمر والسلطان والمنصورية والجديد والدرويشية. ولقد تضاعفت مع الأيام حتى بلغت الثماني مطاحن في الخمسينات وهي:
1- الطاحونة الجديدة إلى أقصى الجهة اليمنى الشرقية من النهر.
2- المنصورية وهي الجهة اليسرى مقابل مبنى المولوية.
3- الجغل الصغير وتدعى أيضاً طاحونة حرب إلى الجهة اليمنى الشرقية من النهر في محلة البحصة حيث جرى تفريع لجدول من المياه يدير أيضاً.
4- طاحونة الدرويشية في هذه المنطقة.
5- الجغل الكبير وهي تقع في مجرى النهر الرئيسي وتتصل بالضفة اليمنى.
6- سلطان إلى الضفة اليسرى قرب جامع البرطاسي.
7- المسلخ في الجهة اليمنى بعد جسر اللحامين وفي المحلة المعروفة بهذا الاسم.
8- سنبل وتقع بعد ملتقى النهرين في محلة التبانة.
وبنيت مطاحن طرابلس وفقاً لطريقة «فيتروفيوس» وطريقة العجلة المائية الرأسية ولكل مطحنة جدولها الخاص أو سدها الخاص المبني عادة من التراب أو الأحجار أو جذوع الأشجار أو منها جميعاً وتكدس عبر قاع الجدول حتى تبدأ المياه في التجمع حيث يجري التحكم في قوة ومسار اندفاعها لإدارة عجلة الطاحونة عبر بوابة أو سكر خاص.. «ان عصر السدود الصغيرة أيام الطواحين كان عصراً هاماً في تاريخ الإنسان في مجال العلوم الهندسية. فهو بمثابة نقطة التحول الحيوي في مصدر الطاقة من عضلات الانسان إلى قوة الآلة. كان الإنسان يتعلم قرناً بعد قرن كيف يجعل الطبيعة تعمل من أجله».
تنطوي مطاحن طرابلس عدا عن قدرة تسخير المياه على توسع في المهمة الرئيسية التقليدية للمطاحن في تأمين طحين الخبز للأفران والبيوت، فلقد قدمت مطاحن مجتمع النهر أنواعاً خاصة من طحين الحلويات فكل نوع من الحلويات له طحينه الخاص وكل نوع من الطحين له حجره الخاص بالإضافة إلى طحن بعض أنواع الحبوب ومنها الفلفل والبهارات والكمون والمحلب والصعتر والسمسم حيث كانت هذه المشتقات تستخدم بكثافة في السوق المحلية وتصدر إلى الأسواق المجاورة (الريف والمدن اللبنانية والسورية).
وفي نفس الوقت، فإن المطاحن كانت تقوم بوظيفة موازية هي عصر الزيتون – أثناء مواسمه – وبالإيجار المؤقت لبعض العائلات التي تخصصت بهذه المهنة تجارياً: عدرة، وعويضة.
وعرفت طرابلس في القرن 17 معصرة خاصة بعصر السيرج في محلة الجسرين أي زيت السمسم وهو أستعمل للإضاءة ودهن الأجسام لبعض الأمراض وللطحينة وحلاوة الطحينة.. أي المزيد من التوسع في الحلويات والتركيز في الطعام المطبوخ.
لكن آخر الخمسينات، تأسست على التوالي ثلاث مطاحن تعمل بالطاقة الكهربائية هي مطحنة عزالدين في الميناء ومطحنة النهرين في التبانة ومطحنة شاهين في البحصاص، مما أثر كثيراً على عمل المطاحن المائية بحيث أنحصر عند قيام مشروع النهر بطحن الذرة فقط. وفيما بعد توقف عمل المطاحن الكهربائية في طرابلس لدى إنشاء المطاحن الكبرى في بيروت.
كانت طواحين طرابلس تعمل على مدار السنة – ما عدا أواخر الصيف – بسبب شح المياه وبعد ايام الشتاء الغزير. والعمل كان يجري ليلاً ونهاراً وحتى اثناء الأعياد لتلبية الطلب المتزايد على الطحين. ومن حين لآخر كان يتم تغيير حجر الرحى عندما يبرى «لتسنينه» بالنقر عليه وخاصة في الليل مما كان يصدر «أصواتاً ناعمة خفيفة موسيقية يغفو على وقعها الأطفال في البيوت المجاورة للمطاحن».

النهر ومياه الشفة

 

النظام القديم
يعتبر عام 1935 حداً فاصلاً بين نظامين من استعمال مياه الشفة في طرابلس الأول قديم والثاني حديث.
وحتى ذلك العام الذي أنتهت فيه أشغال وتمديد مياه نبع رشعين، كان النظام القديم هو السائد ويرجع تاريخه إلى عهد الكونت ريمون دي تولوز حاكم طرابلس في أيام الحملات الصليبية (توفي عام 1112م) حين أقيم سد فوق نهر رشعين قرب الموقع المعروف بالمرداشية ومنه شقت قناة ترابية بطول تسعة كلم تنتهي في الجهة الشرقية من قلعة طرابلس بحوض صغير علوه عن سطح البحر حوالي 32م وتتجمع فيه مياه القناة. هذا الابتكار شكل حجر الأساس لنظام مياه الشفة لطرابلس المملوكية حيث جرى توزيع مياه القناة إلى 72 فرعاً ويسمى كل فرع منها (قمرية) وكل قمرية تنقسم بعدئذ إلى 12 قسماً ويسمى القسم (شاهية) أي ما مجموعه 864 شاهية. ولا نملك معطيات كافية عن حقوق توزيع المياه في طرابلس العصر المملوكي ونرى في وقفية لجامع مملوكي… «ولهذا المسجد من الماء بحق واجب نصف وربع أصبع من قناة طرابلس».
وفي العصر العثماني، تطورت شبكة توزيع المياه بحيث تنتهي القنوات الفرعية (الشاهيات) في بعض أحياء المدينة إلى خزان ثانوي يشبه البرج ويعرف باسم (قائم أو طالع) ارتفاعه من 10 إلى 12 متراً ويعلوه مقسم تتغذى منه خطوط الدار الخاصة.
ونظراً لارتفاع خزان المياه بجانب القلعة أكثر من 30 متراً عن سطح البحر فإن ذلك سمح وفقاً للمبدأ الفيزيائي المعروف بالأوعية المتصلة بوصول المياه إلى الطبقة الثالثة من أي بناء يشاد.. وهو ما شكل مصدر فخر للطرابلسيين بمائهم على ماء بقية المدن كبيروت ودمشق. ويعطي فكرة عن مدى التجريبية العلمية الفيزيائية في التعاطي باستخدام مياه الشفة في طرابلس في القرون الوسطى.
وكان السكان يتداولون بيع وشراء الماء فيما بينهم وسعر الشاهية الواحدة لا يقل عن 500 ليرة عثمانية ذهباً. وبسبب هذا الثمن الباهظ، عرفت طرابلس نظام احتكار الشاهيات حيث تخصص بعض الأشخاص في بيعها وشرائها وتحصيل أرباح طائلة من ذلك. ولم تكن ماء الشفة تصل إلى كل البيوت ولعل هذا ما يفسر وجود كثرة الأسبلة وبرك المياه العامة في مختلف أحياء طرابلس القديمة بحيث يصل عددها إلى ما يزيد على 20 سبيلاً وبركة بمعدل سبيل أو بركة لكل حارة أو محلة بالإضافة إلى ان كل قائم ماء كان يعتبر كسبيل تسيل ماؤه للعموم من أحد جوانبه.
ولقد أعتبر على الدوام في طرابلس ان تسييل الماء من المآثر الحميدة للحكام والولاة والأشخاص.. حتى أننا نجد في وقفية فريدة وعائدة للعصر المملوكي صرف مبلغ معين للاستسقاء في جامع ومبلغ آخر ثمن ماء وثلج يصرف في يوم الخميس من كل أسبوع ويفرق بباب التربة إلى جانب توزيع الخبز..
وفي المدينة الإسلامية عموماً، كان يتولى تسبيل الماء وتوزيعه على طالبيه «المزملاتي» الذي اشترطت فيه شروط جسمية وخلقية خاصة كأن يكون سالماً من العاهات والأمراض «وان يسهل الشرب على الناس ويعاملهم بالحسنى والرفق ليكون أبلغ في إدخال الراحة على الواردين وصدقة دائمة وحسنة مستمرة».
لم تعرف طرابلس مثلما عرفت بعض المدن الإسلامية كالقاهرة، طائفة ناشطة تقوم ببيع الماء كالسقائين رغم وجود بعض الأحياء والحارات لم تكن تصلها الماء كالرفاعية والقبة بل عرفت المدينة بعض الأفراد المتخصصين بنقل الماء على الدواب إلى هذه الحارات وبيعها عرفوا «بالمكارية» وعددهم ظل ضئيلاً. وسكان القبة كانوا يقصدون النهر لغسل حاجياتهم.
والإشراف على توزيع المياه في مطلع القرن كان من مهمات البلدية ولكنه ظل شكلياً والإشراف الفعلي كان «للقنواتية» إذ لهم الرقابة الفعلية وهم نفر من الأشخاص كانوا مسؤولين عن وصول الماء إلى الدور بأجر غير محدد يتقاضونه من الشاكين ليهرعوا إلى اتخاذ تدابير خاصة لاصلاح الأقنية الفرعية المعطوبة وذلك بوضع نشارة الأخشاب وفي بعض الأحيان روث الدواب في الماء المنساب من القائم إلى البيوت لتسد الفجوات الموجودة في الانابيب التي كانت جميعها من مادة الفخار.
والقنواتية لهم محلة باسمهم في طرابلس العثمانية ولأحدهم سبيل ماء عرف باسمه ويعرفونهم باسم آخر (الشواة) مفردها شاوي وهو اسم اختص فيما بعد بسقاة البساتين. ويرجع هذا الاسم إلى أصوله التركية من كلمتين: سو بمعنى الماء وباشي بمعنى رئيس أي رئيس الماء ومع الأيام تحرف اللقب من سوبا شي إلى شاوى.
عموماً فإن توصيل الماء إلى المدينة الإسلامية اعتبر من المنشآت والمرافق العامة في المدينة الإسلامية. استخدمت أساليب متعددة من ناحية التركيب الإنشائي «لتوصيل الماء من مصادره البعيدة المنخفضة عن مستوى موضع المدينة أو المرتفعة عنها، كإنشاء القناطر الحاملة لمجرى ينقل الماء، وهي ما يطلق عليها «قناطر الماء» (…) وكانت كل قناة منها تدخل المدينة وتنفذ في الشوارع والدروب، واستخدمت من هذه النوعية من القنوات المحمولة على قناطر في نقل الماء من مسافة بعيدة سواء من المناسيب التي تنخفض عن مستوى موضع المدينة أو من مناسيب مرتفعة عن موضع المدينة، وفي كلا الحالتين، كانت القنوات تنحدر في اتجاه المدينة انحداراً محسوباً بجري الماء، كما روعي ان تعترض هذه القناطر ما تقطعه بين شوارع وطرق حتى لا تعوق المرور». ويدلنا هذا على ان أساليب توصيل المياه في طرابلس كان يتطابق إلى حد كبير مع الأساليب المستخدمة في المدينة الإسلامية لتوصيل المياه من الانهار أو الينابيع.
النظام الجديد لمياه الشفة
نظر الطرابلسيون حتى آواخر القرن الماضي إلى ماء الشفة الخاص بمدينتهم نظرة افتخار لمزاياها الكثيرة فوصفوها بالعذبة والصافية والغزيرة وبقدرتها على الوصول إلى الطبقة الثالثة من الدور. ولكن هذه الحال لم تدم إذ بدأت الشكوى تتصاعد حتى وصل الأمر بالشيخ حسين الجسر إلى وصفها (أي الماء) بحاملة الأمراض الوبائية في مقال مطول نشر عام 1893 وتناول فيه ماء طرابلس وتعرض لأسباب المشكلة: «وبيان ذلك أننا فيما نسمع وقد أدركنا بعضه ان ماء طرابلس كان من سنين يصل إلى البلدة صافياً زلالاً كما يخرج من نبعه مثل الماء المقطر ولا يعتريه نقص في عموم السنة لا صيفاً ولا شتاء، ولكن في أعوام قليلة لما كثر التفات الأهالي إلى فلاحة الأرض وأغرى كثيراً الطمع بالتعدي إلى حرم قناة هذا الماء فأغتصبوه وفلحوه وحول كل ذي أرض مياه الأمطار عن أرضه إلى جهة تلك القناة آل الحال إلى مصيبة عظمى…».
وإذ يستمر الشيخ الجسر في وصف حال المياه فإنه يقترح في النهاية علاجاً ودواء يقضي بجمع كمية من المال لتغطية ما يمكن تغطيته من ماء البلدة (…) وشراء الأراضي المجاورة للقناة ولو كلف مبالغ جسيمة (…) وشراء الطواحين التي تلقي عكر الزيت في النهر من أصحابها (…) متوجهاً بذلك إلى المجلس البلدي المحلي والأهلين. ولم تلاق حلول الشيخ الجسر القبول والنجاح فالمطلوب كان تغطية القناة الترابية بطول تسعة كلم وتحويل اراضيها المجاورة إلى منطقة عازلة بشرائها ومنع فلاحتها وكذلك أيضاً شراء الطواحين والمعاصر على طول مجرى النهر من رشعين إلى طرابلس وهذا كله كان مستحيل التطبيق بطبيعة الحال. ولقد بقيت المشكلة تتفاقم واسترعت انتباه الزائرين وتعددت الأمراض في الداخل وتصاعدت شكوى الأهلين من دون حل إلى العشر الأول من القرن العشرين عندما حاول المتصرف العثماني عزمي بك إصلاح حال المياه بوضع قساطل مغلفة لجر المياه مباشرة من رشعين وبإنشاء مصاف لتكرير مياه الشفة فلم ينجح إذ وقف كثرة مالكي بساتين الليمون عثرة في سبيل تحقيق مشروعه خوفاً من انقطاع المياه عن بساتينهم وأرزاقهم.
وإذا علمنا أن أصحاب البساتين الطرابلسيين يمثلون كثرة ضاغطة من الفئات الوسطى والغنية لأدركنا أنهم فضلوا مصالحهم الخاصة على محاولات تحديثية وإصلاحية تهدف للحصول على ماء نظيف يتنعمون به مثل تنعم غيرهم به.
وقد لجأ السكان إلى محاولات فردية لتصفية مياههم وتنقيتها فأنتشرت «القطارات» وهي عبارة عن جرة نصفية من الفخار مثقوبة من الأسفل ويرقد فيها الرمل الأبيض المغسول جيداً ثم تملأ الجرة بالمياه التي ترشح نظيفة من الثقب نقطة فنقطة.
ومع مجيء الانتداب الفرنسي عام 1919وفي مطلع العشرينات، اتسعت الحركة العمرانية خارج حدود النواة القديمة وتحديداً في منطقة التل، ولم يكن بإمكان نظام الشاهيات المملوكي تلبية الاحتياجات العمرانية في المناطق العمرانية الجديدة حتى عام 1928 عندما وضع مشروع من قبل المكتب الفني في وزارة الأشغال في الدولة الانتدابية الناشئة، وقد وضع المشروع وتولى رئاسة المكتب الفني مهندس طرابلسي هو رشدي سلهب. ويقضي المشروع بجر مياه نبع رشعين مباشرة إلى طرابلس في قساطل من فونت وبإنشاء خزانات للمياه في القبة وأبي سمراء والمعيصرة وبإنشاء شبكة واسعة لتوزيع المياه في شتى أنحاء طرابلس القديمة منها والمستقبلية. وعام 1935، انتهت أشغال الجر والتمديد وأنشئت بمرسوم مصلحة لإدارة واستثمار مياه نبع رشعين وطرابلس وأن تعد هذه المصلحة إدارة عامة ذات شخصية مدنية ولها ميزانية خاصة ساهم فعلياً بها الأهالي وفاعليات طرابلس خوفاً من ان تقوم السلطة الفرنسية بتحويل المصلحة المستحدثة إلى شركة أجنبية ذات امتياز.
وكان من نتائج قيام مصلحة مياه طرابلس تصفية آثار نظام مياه الشفة القديم على مراحل، كان آخرها 1948 حينما جرى استملاك حق الانتفاع بالمياه القديمة بالمقايضة بمعدل مترين مكعبين من الماء الصالح للشرب لكل شاهيه من المياه القديمة.
ولقد ميّز الطرابلسيون في البداية بين نوعين من المياه: «مياه رشعين» و«مياه البلد» وكانوا يفضلون الأولى على الثانية رغم أنهما من مصدر واحد. وفي مطلع الخمسينات تلاشى نظام «مياه البلد» نهائياً بعد ان أصبحت طرابلس تشرب مباشرة من النبع (رشعين) وليس من النهر وقناته.
وفي مرحلة ثانية، جرى مشروع جر مياه مغارة هاب، جنوبي شرقي طرابلس وذلك عام 1957 مما أضاف مصدراً جديداً لمياه الشرب.
وبقدر ما ساهم مشروع جر المياه وتوزيعها مساهمة فعالة في تنشيط الحركة العمرانية في المدينة، بقدر ما كان في واقع الحال تلبية لاحتياجات ملحة جاءت مع الانتداب الفرنسي الذي وجد نفسه عاجزاً عن اختراق بنية النواة التقليدية الطرابلسية أو خائفاً من ولوجها فبنى لنفسه خارج السور التقليدي وحاملاً إصلاحات وحلول لمشكلة عجزت القوى المحلية عن حلها وأحياناً وقفت بمواجهتها خشية مس مصالحها الذاتية ونتيجة استغراقها في المحافظة الشديدة (موقف أصحاب البساتين من مشروع عزمي بك).

Loading...