طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

مجتمع النهر في طرابلس (2)

في العام 1988. أعدّ الصحافي والباحث الراحل طلال منجد مذكرة بحث لنَيل شهادة الجدارة في العلوم الإجتماعية (انتربولوجيا)، في معهد العلوم الإجتماعية – الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية.
حملت الدراسة عنوان «مجتمع النهر في طرابلس». وفي مقدمة هذه الدراسة طرح منجد السؤال التالي: «لماذا مجتمع النهر؟».
ثم أجاب عن هذا السؤال فكتب: «يشكل مجتمع النهر في طرابلس النواة الأولى لمدينة طرابلس الداخلية وهو قد تعرض منذ مطلع ستينات القرن العشرين لتغيير شامل وعميق تناول معالمه وأسسه ووجوده الديموغرافي.
ولا يتعلق الأمر هنا بتناول النهر ككارت بوستال سياحي قديم أو البكاء على اطلاله وذكراه وانما يطمح البحث إلى محاولة تحديد نظام التفاعل الايكولوجي الإنساني المحلي وما قد يكشف عنه ضمن مدى زمني يتوقف عند مفصل حاسم هو قيام ما عرف «بمشروع النهر» في منتصف الستينات.
فمسألياً سيتناول هذا البحث كأهداف أساسية له محاولة كشف وتظهير وإعادة ترتيب «بعض» من معطيات قدمها هذا المجتمع المحلي والذي تغيرت معالمه الأساسية وتفرق ناسه وتبعثروا دون أن تتلاشى خزائنه الذهنية بالتأكيد».
في 30 أيّار الماضي رحل الصحافي و الباحث الزميل في «التمدّن» طلال منجد، واحتراماً لذكراه، تنشر «التمدّن» على حلقات دراسته «مجتمع النهر في طرابلس»، وهي من أهمّ ما كتب عن نهر أبو علي والمجتمع الطرابلسي الذي كان يسكن ويعمل على ضفتيه.
في العدد الماضي تناول البحث الإطار التاريخي ــ الجغرافي للنهر وتسميته وتفاعله الايكولوجي وطواحين مجتمع النهر ومياه الشفة.
في ما يلي حلقة ثانية من «مجتمع النهر في طرابلس» للراحل طلال منجد:

البساتين

أشتهرت مدينة طرابلس بفيحائها أي تلك البساتين المحيطة بها وهي مدينة بوجودها لعاملين متفاعلين: يد الإنسان التي زرعتها ومياه النهر التي روتها والتي كانت تحمل على الدوام رواسب فيضية ينشرها النهر أثناء فيضانه بين وقت وآخر خاصة في المناطق الشمالية القريبة من مصبه وهي رواسب تؤدي إلى تجدد التربة وتتراكم فيها فتات الأحجار الكلسية والصوانية وذرات الصلصال.
والبستان يدعى بالعامية «الطرابلسية» «جنينة» من «جنة». وفي السجلات الشرعية ان البستان هو الحقل الخراجي أي الذي يدفع عنه الخراج. وإلى زمن قريب، كان لكل بستان اسمه الخاص به: بستان التراب، حقلة الزكرد، بستان المالكية، بستان قنلوا جنينة الرومي الكبير والرومي الصغير، دف البنات، دف الخباز، البكلبك.
ويشار بالعامية إلى مجمل بساتين طرابلس «بالسقي» وهو قسمان: شمالي ويشمل بساتين البداوي ومنطقة برج رأس النهر، وسقي غربي في الجهات الغربية من المدينة. أغلب البساتين كانت تزرع بالليمون والحمضيات. وقبل الحرب العالمية الأولى كان يصدر من طرابلس إلى استانبول ورومانيا وإلى روسيا 400,000 صندوق من الليمون كل سنة وأصحاب البساتين هم من الفئات الوسطى والغنية. وري البستان كان يجري في مطلع شهر أيار حيث ذوبان الثلج في أوجه، لكن مياه الري كانت تختلط بمياه مجارير المدينة التي كانت تصب في قناة تعرف «بقناة الحزوري وتمتد من التبانة إلى حي الخناق مروراً بخارج المدينة القديمة وهي قناة مغطاة على غرار مجاري باريس… ولقد طُلِبَ من أحد الأشخاص ان يمشي فيها فبدأ من التبانة وخرج من قرب جامع طينال ومشى فيها أحياناً بقامته دون انحناء. وللقناة عقود من حجر يتراوح عمقها أحياناً 7 أو 8 أمتار»، وتسمى مياه ري البساتين بالعامية «القليط». ومن حركة شعبية طرابلسية نادرة ضد قائمقام عثماني«… نشبت ثورة الأهالي وهاجوا على القيمقام حسين بك العظم فهاجموه في سراي الحكومة من جهة تل باب الرمل وهم يطلقون البارود بكثرة هائلة. ثم فتحوا سواقط خزانات الأوساخ على الجنائن التي تحيط بالسرايا، فاضطر القائمقام حسين بك العظم ان يهرب من السرايا ماراً بين تلك الأقذار الطاغية. وإذ ذاك أطلق عليه الأهالي لقب «القليطي» لشدة ما لوثه من الأوساخ البشرية..».
ويتضح من هذا النص كيفية استعمال قناة الحزوري في الري بإقامة الخزانات والسواقط لمياه المجارير المبتذلة.
وتخصص أشخاص في ري البساتين أشهرهم من عائلة «الحزوري» الذين أعطوا القناة اسمهم أو استمدوه منها. ويعرف واحدهم بالشاوي وللشواة مهمة أخرى مرتبطة بالنهر مباشرة ففي شهر أيلول من كل عام أي في الأيام التي يبلغ فيها النهر أقصى جفاف له، يقوم الشواة بقيادة كبيرهم «عرابي» بتنظيف مجرى النهر عند الحائط/ السد في الدباغة من الأوساخ والعوائق العالقة في مجراه وهم يتقاضون أجورهم عن ذلك من اصحاب البساتين.
وفي البساتين شبكة ري متصلة وهندسية الشكل وتغطي السقي بأكمله وعملية الري تتم بالدور والاتفاق والتفاهم مع الشاوي دون خلافات غالباً.
وفي نقطة معينة من النهر عند محلة السوسية إلى الجهة اليسرى من النهر أقيم سد بسيط مع سواقط يجري فتحها خلال شهري أيار وحزيران كل عام حيث تنساب المياه في قناة عميقة تتصل بقناة الحزوري لتأمين وصول المياه للري.
لكن مفصل عملية ري البساتين في السد/ الحاجز الذي يتضمن سكراً للمياه بوسعه في حالة الإغلاق ان يزيد من كمية المياه المتفرعة إلى جدولي محلة التبانة والمسلخ أو ان يزيد من كمية مياه النهر الأسفل وينفذ الشواة تعليمات أصحاب البساتين في هذا الصدد ويشرفون على السكر وبالتفاهم
والاتفاق مع الدباغين وأصحاب الطواحين في تلك المنطقة.
والجنينة هي مكان السيران ولها بوابة خشبية واستراحة متواضعة بالقرب من البوابة وسياج من قصب. ومن أجل القضاء على جرذ البساتين عدو الأشجار المثمرة، شجع أصحاب البساتين على إطلاق نوع من الثعابين عرف «بالحنش الأسود» ولا يؤذي الإنسان ويتعرض للقوارض.
ولقد تنوعت الأشجار المثمرة في الجنينة فبالإضافة للحمضيات والليمون الصنف الرئيس الغالب، زرع بمعدل شجرة لكل نوع وهي للاستهلاك العائلي ولتوزيع قسم من ثمارها على الأقرباء والجيران ومن اشهر الأنواع: التفاح المغازلي والخوخ والتوت والدراق والسفرجل والرمان والعناب والتين والعنب والمشمش. وبعض هذه الأنواع يستعمل خصيصاً لشهر رمضان لصنع النقوعات والزبيب. وتستثنى هذه الأشجار عادة من الضمان الشكل المألوف لاستثمار محاصيل البساتين، علماً بأن الليمون يتم قطافه عادة أوائل الشتاء بينما بقية الأشجار المثمرة تنضج ما بين الربيع وآخر الصيف.
وينبغي ان نقدر ان مجتمع النهر كان غنياً بالبساتين والجنينات وخصوصاً لجهته الشرقية حوالي المولوية. ومن أشهرها، جنينة «القبية».. ولجهة الدباغة/ الزاهرية حيث التفاف النهر الدائري ثم لجهة مصب النهر عند برج رأس النهر…
وما من شيء استلفت انتباه الزائرين من رحالة مسلمين وغربيين ومستشرقين كمنظر جنائن النهر التي ألهمت كل من رآها: شعراً ونثراً ورسماً…

الدباغة، المسلخ، جسر اللحامين

تتداخل ثلاث مهن في عالم النهر وتكاد تتمفصل فيه وهي: الدباغة، المسلخ وسوق/ جسر اللحامين، متجاورة في المكان المعروف باسم الدباغة – المسلخ. وكل منها تحتاج لماء النهر بتفاوت. والدباغة هي الأكثر حاجة واستخداماً له في حين ان سوق اللحامين والمسلخ لا يعدو النهر بالنسبة لهما ان يكون بمثابة المصرف للفضلات والبقايا والنفايات.
ان الدباغة باختصار هي مهنة الاستفادة من جلود الحيوانات بتنظيفها وإعدادها لاستعمالات مختلفة.. وهي كمهنة تتألف من الحلقات التالية: «يأتي الجلد دموياً ويجرى غسيله بالماء وببعض العناصر الكيماوية كالزرنيخ والأسيد بنقعه في حفر صخرية ودوسه بالأقدام لتطرية الجلد ثم بتنشيفه بتعريضه للهواء أو الشمس. وبعد ذلك يتم وضع الملح والكلس والزرنيخ على الجلود لإزالة الفضلات والحشرات ثم كشط الصوف والشعيرات عنه وإعداده جلداً صالحاً للتصنيع المحلي أو للتصدير إلى المدن المجاورة والخارج ومتنوعاً إلى أبواب أو درجات بالنسبة للجودة والنوعية والسعر…».
هذه العملية تتطلب تقسيماً داخلياً فعلياً للعمل وحسب لغة أهل المهنة هناك:
الشليح الذي يشلح الصوف والشعر عن الجلد، الكلاس الذي يكلس، الملاح الذي يملحه، الغسال الذي يغسله، الدعاس الذي يدعسه، النشاف الذي ينشفه.
وتتداخل المهنة مع الماء منذ البداية إلى النهاية فالنقع يجري بوضع حوالي 20 قطعة جلدية في حفرة صخرية تسمى الجرن ويتراوح عمقها 50 سم وتملأ بماء النهر الذي يسال إليها عن طريق ساقية فرعية بعرض 2م يجري التحكم بمياهها عن طريق سكر أو ساقط أو سدة. وتعود مياه الساقية لتلتقي من جديد بالنهر الرئيسي بعد مسافة 100م.
والدباغة كمكان تقع غربي جامع التوبة حيث تمتد بسطتان من خشب متين يضع عليهما الدباغون الجلود للتنشيف أو الضرب عليها أو لنزع الصوف والشعر عنها والبسطة الأولى مشاع لعموم الدباغين بمساحة 40*30م وتعتبر وقفاً للدباغين في حين ان البسطة الثانية هي ملكية خاصة لهشام المصري الدباغ وهو من معلمي الدباغين ومساحتها 30*5م ويعمل عليها لمصلحة صاحبها.
وبما ان طبيعة العمل تفترض اختلاط الجلود بعضها البعض فإن كل دباغ يتعرف على جلود بحفر إشارات ورموز خاصة على الجلد لجهة الرقبة.
ويسود التضامن عمل الدباغين بحيث ينهون عملهم معاً عصر كل يوم وينجزون عمل المتأخر منهم بمساعدته كما ان كبير السن قد يعفى من العمل حيث ينوب غيره عنه بإنجازه.
وكان للدباغين جامع بأسمهم على الضفة اليمنى من النهر حيث يؤثر عنهم أنهم يفضلون إقامة الصلاة وتلقي الدروس الدينية في مسجدهم الخاص كما ان لهم مقهى معروف بإسمهم.
وفي محلة الدباغة، بنيت بركة اشتهرت بإسم المحلة وحوضها يعتبر من أكبر أحواض البرك في طرابلس. وكانت تملأ بشراب الخرنوب أو عصير الليمون أو عرق سوس لمدة ثلاثة أيام إحتفالاً بذكرى المولد فيشرب منها الأهالي مجاناً ليلاً نهاراً بالإضافة إلى توزيع حلويات تعرف «بالزردة» من أرز محلى بالسكر ويطبخ المزيج في حلل نحاسية كبيرة مخصصة عادة لغلي الماء المطلوب في مهنة الدباغين. وهؤلاء يستعدون للعيد بتبييض الحلل لدى قدومه ووضعها على جوانب البركة.
وترتبط بالدباغة عدة مهن بشكل من الأشكال: الصواف الذي يجمع الصوف ويتولى تصريفه، والمنجد الذي يستعمل الصوف، والأساكفة الذين يصنعون من الجلود الأحذية والحقائب، والصباغون الذين اشتهر منهم بعض اليهود القاطنين بالقرب من الدباغة في حارة عُرفت قديماً بإسمهم. وما زالت محلة الدباغة إلى اليوم تحتضن مثل هذا الخليط المهني.
وفي العهد العثماني، فإن بعض الطوائف الحرفية المرتبطة أعمالها بعضها ببعض، كانت تتفق على تنصيب مشرف منسق فيما بينها للحؤول دون وقوع الخلافات ويعرف اسم هذا المنسق «أخي بابا» وهو غالباً ما يكون نقيب الدباغين.
ان العدد الاجمالي للدباغين كان في حدود المئة بين «معام وصانع» ولقد ضمر اليوم إلى الثلاثة يدبغون جلود الحيوانات للزينة. وكان من المقرر في الستينات أن تنتقل الدباغة وبطريقة عملها اليدوية إلى مصب النهر عند برج رأس النهر ولكن شيئاً لم يتم، وفي نفس الآونة تأسست مصانع حديثة في منطقة الدورة بالعاصمة ومزودة بتجهيزات ومعدات متطورة لإنتاج الجلود وفيها أشتغل بعض الدباغين من طرابلس. أما الجلود التي يفرزها المسلخ القائم في الميناء حالياً فيقتصر العمل على تمليحها وإرسالها إلى العاصمة بيروت أو تصديرها مباشرة إلى الدول الأوروبية.
أما المسلخ البلدي حيث تذبح الماشية فكان عبارة عن ساحة تمر مياه جدول نهري خاص من تحتها وإليه تسيل دماء الذبائح وفضلاتها مما كان له أثره في انتشار الروائح الكريهة في تلك المحلة. والمسلخ كان أول المهاجرين من منطقة النهر فعام 1950 وبأمر من محافظ الشمال نور الدين الرفاعي، صدر قرار بنقل المسلخ البلدي من منطقة النهر إلى منطقة الميناء حيث كان الإنكليز قد بنوا عام 1942 أثناء الحرب العالمية الثانية مسلخاً خاصاً بهم وفروا له مصاريفه الصحية ومصادر مياهه.
وبين الضفتين اليمنى واليسرى من النهر وعند محلة الدباغة ، بني جسر عرف بأسماء مختلفة غلب عليها اسم جسر اللحامين يصل بين محلتي الدباغة والجسرين وقد أشتمل على قنطرتين، اليسرى أعلى من اليمنى وتصل بينهما عدة درجات وعرض الجسر حوالي 6 أمتار وكان في حقيقته سوقاً أكثر منه معبراً أو ممراً.
فعلى جانبيه من الجهة اليسرى، أمتدت عدة محلات للحامين ومحل شهير للحلويات. وعلى الطرف الشرقي من الجسر، بني حمام النزهة وبجانبه مقهى شعبي. أما القنطرة الثانية فدعيت أحياناً بجسر العطارين لوجود بعض محلات العطارة على جانبيه. وعند منتهاه، قنطرة تجمع في شكل مقهى صيادي أسماك النهر وبجانبها مطعم الحنتور الشعبي الذي اختص ببيع أسماك النهر واشتهر بتقديمها مقلية ومشوية. واشتهر المكان هناك أيضاً بوجود الرواسين الذين يبيعون أطراف الذبائح وأحشاءها. ومن أشهرهم الحاج سعيد الشعار الرواس المختص ببيع رؤوس النيفا نيئة أو مشوية أو مطبوخة مع الأرز والفتة.

مقاهي النهر

المقهى هو حيز اللهو والراحة والتسلية. ولقد حفل مجتمع النهر بالمقاهي فكان لكل محلة مقهاها. ولكن ينبغي التمييز بأن «المقهى النهري» هو المتداخل مباشرة مع النهر وبالذات المبني على ضفافه أو بجواره. ومن أشهر مقاهي مجتمع النهر: مقهى البحصة، خبيني، جهير، الصيادين، الدباغة.
1- مقهى البحصة:
يعتبر «مقهى البحصة» من أشهر مقاهي طرابلس عامة ومجتمع النهر خاصة. يفصل بينه وبين النهر مباشرة طريق مرصوف بالحجارة الكلسية الكبيرة، عرض الطريق حوالي 10 أمتار (وكان من أجمل الطرقات في طرابلس). وللمقهى نظامان صيفي وشتائي. المقهى الصيفي كان حديقة واسعة تظللها الأشجار وبالذات الكينا والفلفل (أنقرضت من طرابلس) لها مزايا الرائحة في الورق والثمر. وأشتهرت حديقة المقهى بورودها ونباتاتها الدائمة أو الموسمية. ومن الدائمة: الورد والياسمين والتمر حنه. ومن الموسمية: الأضاليا والزنبق بعدة ألوان. وللمقهى مصلى في منتصف جهته الشرقية ويرتفع حوالي متر عن الأرض ويصعد إليه بثلاث درجات وله وظيفة ثانية إذ يستخدم كمسرح صيفي أحياناً.
الطاولات منتشرة في أرجاء الحديقة وهي من الحديد المشغول باليد وسطحها من الرخام الموزاييك الملون والكراسي من خيزران دمشق.
المشروبات صيفاً: قهوة وشاي وزهورات وشرابات عصير الليمون المعروف بالليموناضة والتمر هندي وفيما بعد حلت إلى جانبها المشروبات الغازية. ومن تقديمات المقهى التي اختص واشتهر بها «النارجيلة». ودوام المقهى كل النهار وجزء من الليل حتى موعد صلاة العشاء.
ومن ألعابه: طاولة الزهر والدمينو وفيما بعد ورق اللعب. أما المقهى الشتوي فمبناه يحتوي مسرحاً واسعاً وكواليسه كناية عن مغارة كبيرة قسمت إلى غرف داخلية وقد استقدم فرقاً عربية مسرحية وغنائية.
وللمقهى حكواتي موسمه الفعلي الصيف وبعض الشتاء وليالي شهر رمضان ومن أشهر قصصه عنترة بن شداد والزير سالم وأبو زيد الهلالي والملك سيف بن ذي يزن ومغامراته مع الجن والملك الظاهر «بيبرس» وحروبه مع الصليبيين. ومكان الحكواتي هو المسرح ويقرأ من كتاب السيرة. إلى جانب الحكواتي، هناك «الراوي» وهو يروي القصص التاريخية أو الإسلامية أو الحروب العثمانية. كما ان الراوي قد يكون شخصية متقدمة في العمر يقص رحلاته والأعاجيب التي شاهدها والمغامرات التي خاضها. وهو لا يجلس على المسرح وإنما على كرسي فوق طاولة وبجانبه العصا وأحياناً السيف.
والراوي هو شخصية محلية نابعة من مجتمع النهر بينما الحكواتي قد يكون شخصية متنقلة بين مقاهي طرابلس عموماً.
وفي العشر الأول من هذا القرن، ابتدع الحاج محمود الحارس مسرح خيال الظل الذي اشتهر باسم «كريكوز وعيواظ» بالتعبير العامي وتنقل به في مقاهي طرابلس ومن ضمنها مقهى البحصة.
سمي المقهى «بالبحصة» من المحلة التي تحمل نفس الاسم. وأرض النهر هناك مفروشة دائماً بقطع الحصى البيضاء والرمادية. واشتهر المقهى بأسراب البط والأوز التي كانت تسبح في النهر وتسرح في الحديقة.
كان للمقهى أدوار مختلفة فمنها دور التسلية واللهو الذي قد يمتد ويتسع ليحتضن حفلات موسيقية وغنائية (من الذين أحيوا حفلات غنائية في محمد عبدالمطلب وكارم محمود)، وأيضاً الدور السياسي حيث هناك حرص على اعتبار المقهى كمفتاح انتخابي ومن هذا المقهى أعلن الرئيس الراحل رشيد كرامي ترشيحه للانتخابات النيابية لأول مرة عام 1951.
ثم هو (Coin Solitaire) زاوية للوحدة، ولم يكن المقهى بعيداً عن صيت لحق به بأنه مكان لتناول المكيفات. والمقهى مجتمع ذكوري غير عائلي وخاص بالرجال دون النساء اللواتي يسمح لهن أحياناً فقط بمشاهدة «مسرح الظل».
2- مقهى «خبيني»:
المقهى الشعبي في طرابلس كان عبارة عن مخزن تنتشر في أرجائه كراسي القش وبعض الطاولات. وهذا ما امتاز به مقهى «خبيني» على الضفة اليمنى من النهر في محلة السويقة الذي كان يقع مباشرة على مجرى النهر في الطابق الأرضي لدار سكن. وفي الصيف وعندما ينحسر مجرى المياه، تمتد الكراسي والطاولات إلى مجرى النهر. وكان لهذا المقهى رواده الخاصون به من أهل المحلة.
3- مقهى جهير:
ويقع على الجانب الشرقي من جسر اللحامين لجهة الدباغة ويطل على النهر فهو فوقه وليس بجانبه. وفي فترة لاحقة جرى توسيعه من الجهة الخلفية بحيث بنيت له ركائز في أرض النهر وواجهات حديدية وزجاجية، واعتبر الدباغون من رواد هذا المقهى.
وكان له حكواتي وكانت تجري فيه لعبة المصارعة المعروفة باسم «صراع» (بتسكين الراء) أبطالها محليون أو ضيوف، ويرتدي المتبارزان سروالاً من جلد وتبدأ المصارعة على إيقاع دربكة حيث يقوى الإيقاع كلما أشتدت المنافسة وقد يرافقها مراهنات. وتنتهي اللعبة بتثبيت كتفي الخصم على الأرض والاستسلام. ويتطلب الاشتراك بها قوة بدنية واعتبرت عموماً بأنها لعبة الدباغين وتجار الغنم والماشية الذين يقصدون طرابلس لتصريف ماشيتهم فيبيتون بها أحياناً.
4- مقهى الصيادين:
ويقع في نهاية جسر اللحامين في الجهة اليمنى وكان عبارة عن قبو يجمع صيادي أسماك النهر الذين يصلحون شباكهم ويهيئون معداتهم فيه. ويجاور هذا المقهى المطعم الشعبي لأسماك النهر ومحلات الرواسين.
5- مقهى الدباغة:
ويعتبر من أجمل مقاهي طرابلس بسبب غنى جمالياته الطبيعية. ويقع في محلة الدباغة على ضفة النهر الأسفل وبمواجهة السد/ الحاجز الذي يشكل بالنسبة للمقهى شلال مياه جميل يصل رذاذه إلى المقهى الذي يعلو نصف متر عن ساقية الدباغين، وزرعت فيه اشجار دلب وتظلله عريشة عنب.
والمقهى يتحول إلى مطعم عندما يرتاده زوار طرابلس من الريف المجاور والمدن السورية ويطلبون وجبات اللحم المشوي من سوق اللحامين المجاور أو روؤس النيفا والفتة وهو يتحول إلى مطعم عائلي عندما تقصده عائلات زائرة، ولكنه على الإطلاق لم يكن مقهى عائلياً محلياً. ولمقهى الدباغة حكواتي وراوٍ ويشهد تعاقباً في نوعية زبائنه، فصباحاً وظهراً هو للريفيين والزائرين وبعد الظهر للدباغين وأبناء المحلة.

البيت النهري

البيت النهري – تجاوزاً – هو البيت القائم مباشرة على ضفتي النهر وعلى طول مجراه من المولوية حتى الزاهرية.
وتبلغ كثافة المنازل النهرية أوجها في حارات السويقة والجسرين إلى الجهة اليمنى وباب الحديد والسوسية إلى الجهة اليسرى.
ولا يمكن الحديث عن مزايا عمرانية ومعمارية خاصة بالبيت النهري ومتميزة عن سائر مساكن طرابلس القديمة إلاّ بأن له على الأغلب مدخلين: الأول لجهة السوق وهو دوماً المدخل أو البوابة الرئيسية، والثاني مدخل فرعي يؤدي إلى مجرى النهر. وواجهة المنزل المعاكسة لجهة النهر تشكل أحد جوانب السوق المجاور للنهر، في حين تتداخل واجهة المنزل المطلة على النهر مع حيز النهر نفسه، وهو حيز نسائي إلى حد كبير خلال النهار.
وينبغي التأكيد على ان المنزل النهري لم يستخدم مياه النهر مباشرة للشرب بل كان له مصادر مياهه المشتركة مع سائر المدينة القديمة (نظام الشاهيات) بل أستفاد من مياه النهر في ري حديقته ونباتاته المنزلية.ان ضفة النهر تتحول إلى حديقة ملحقة بالبيت النهري خلال الصيف عندما تنحسر المياه، وكابوساً مزعجاً خلال الشتاء. وهناك خوف دائم وتحذير مستمر للأولاد من اللعب في النهر خلال هذا الفصل وأول الربيع رغم وجود تقليد عند أصحاب المنزل بتغطيس اطفالهم في النهر من شبابيك المنزل أو شرفاته.
ولكل بيت وسائل التقاط الأغراض العائمة على صفحة النهر وذلك بواسطة قصبة طويلة أو قصبة تنتهي بسلة أو كيلة. كما ان كل منزل معرض لضياع بعض أغراضه في النهر خصوصاً المنشورة منها أو الموضوعة على الشبابيك والشرفات النهرية. وللنهر أصواته المسموعة في المنزل النهري، والمرهوبة شتاء حيث هدير النهر يطغى على كل ما سواه، والخفيفة صيفاً حيث تضعف المياه. وتقوى الأصوات وتشتد عند وجود المساقط والسدود وعند فتح السواقط وخاصة في محلات السوسية والدباغة والمسلخ.
قبل عدة أشهر كتب الراحل طلال منجد تعليقاً على هذه الصورة(أعلاه) والمنشورة على موقع «طرابلس بالأبيض والأسود» على شبكة الانترنت، وفي هذا التعليق كتب المنجد ما يلي: «قهوة البحصة من اجمل مقاهى لبنان….شكراً لمصدر الصورة… يلزم الكثير للحديث عنها.. كان موقعها على ضفة النهر لجهة محلة السويقة… كانت أيضاً مكاناً ممتازاً للتجمعات السياسية والانتخابية والمحلية وأيضاً للحكواتى فى أماسي شهر رمضان… الى جانب مقهى البحصة كان هناك مقهى ومطعم الدباغة على ضفة النهر فى محلة الدباغة بجانب جامع الدباغة ومقهى جهير على جسر اللحامين ومقهى خبينى الخاص بالقبضايات على ضفة النهر مباشرة… كل هذه المقاهى أزيلت بفعل مشروع النهر بعد عام 1960 وليس بفعل الطوفة نفسها عام 1955».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.