طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

مجتمع النهر في طرابلس (3)

في العام 1988. أعدّ الصحافي والباحث الراحل طلال منجد مذكرة بحث لنَيل شهادة الجدارة في العلوم الإجتماعية (انتربولوجيا)، في معهد العلوم الإجتماعية – الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية.
حملت الدراسة عنوان «مجتمع النهر في طرابلس». وفي مقدمة هذه الدراسة طرح منجد السؤال التالي: «لماذا مجتمع النهر؟».
ثم أجاب عن هذا السؤال فكتب: «يشكل مجتمع النهر في طرابلس النواة الأولى لمدينة طرابلس الداخلية وهو قد تعرض منذ مطلع ستينات القرن العشرين لتغيير شامل وعميق تناول معالمه وأسسه ووجوده الديموغرافي.
ولا يتعلق الأمر هنا بتناول النهر ككارت بوستال سياحي قديم أو البكاء على اطلاله وذكراه وانما يطمح البحث إلى محاولة تحديد نظام التفاعل الايكولوجي الإنساني المحلي وما قد يكشف عنه ضمن مدى زمني يتوقف عند مفصل حاسم هو قيام ما عرف «بمشروع النهر» في منتصف الستينات.
فمسألياً سيتناول هذا البحث كأهداف أساسية له محاولة كشف وتظهير وإعادة ترتيب «بعض» من معطيات قدمها هذا المجتمع المحلي والذي تغيرت معالمه الأساسية وتفرق ناسه وتبعثروا دون أن تتلاشى خزائنه الذهنية بالتأكيد». 
في 30 أيّار الماضي رحل الصحافي و الباحث الزميل في «التمدّن» طلال منجد، واحتراماً لذكراه، تنشر «التمدّن» على حلقات دراسته «مجتمع النهر في طرابلس»، وهي من أهمّ ما كتب عن نهر أبو علي والمجتمع الطرابلسي الذي كان يسكن ويعمل على ضفتيه.
في العددين الماضيين تناول البحث الإطار التاريخي ــ الجغرافي للنهر وتسميته وتفاعله الايكولوجي وطواحين مجتمع النهر ومياه الشفة والدباغة والمسلخ وجسر اللحامين ومقاهي النهر والبساتين والبين النهري.
في ما يلي حلقة ثالثة من «مجتمع النهر في طرابلس» للراحل طلال منجد:
 

أساطير وعادات ومعتقدات

الحية والقلعة والنهر:
ما من شيء أجمع عليه من شملتهم المقابلات كإجماعهم على رواية أسطورة «القلعة والحية والنهر». وهي قد وردت في تاريخ طرابلس للزين كما يلي: «.. يؤكدون أيضاً (الأهالي) انه كانت هناك أفعى هائلة تمد رأسها من أعلى القلعة بشكل قنطرة لتشرب من مياه نهر أبو علي بجوار القلعة من ورائها».
سراديب القلعة والنهر:
كانت دار السعادة (بيت المتصرف أو الوالي العثماني) تقع بمواجهة باب القلعة الكبير «والطريق إليها يعرف بطريق خضر آغا. وبيت المتسلم كان يتصل بالقلعة بواسطة سراديب واقية محصنة ودور عالية ضخمة متلاصقة بعضها ببعض».
الخيال الشعبي زاد من طول السراديب فتارة يصلها الى برج السباع في الميناء أو حديقة طرابلس العامة في ساحة التل أو مقبرة باب الرمل. وآخر مرة برزت فيها مسألة السراديب مطلع عام 1975 حينما قامت الدولة بحملة على المطلوبين المعتصمين في الأسواق الداخلية ونسجت الصحافة قصصاً عن هروبهم بواسطة هذه السراديب.. والواقع أنه عند محلة السوسية على الضفة اليسرى لنهر أبوعلي، بنيت قنوات قديمة لمياه ري البساتين وتتصل بقناة الحزوري. وبوسع المرء ان يمر فيها وقد استعملها ثوار 1957 للوصول إلى السقي مما حيَّر السلطات يومها والتي أقدمت على حرق أجزاء منه. ونسج «الخيال الشعبي» قصصاً عديدة عن هذه السراديب التي عرفت بأنها «تخبايات أو مخابىء النهر».
مغارة البزيزات:
إلى اليمين من النهر، ترتفع هضبة القبة. ومن أحيائها حي «ضهر المغر» الذي عرف بوجود مغاور عديدة فيه. ومن أشهر مغاور القبة «مغارة البزيزات» وهي صخرية وكانت ترشح من سقفها قطرات المياه وتصب في حفرة مثل الجرن. وكانت مقصد النساء اللواتي يشعرن بآلام الثدي من جراء الإرضاع (والبزيزات بالعامية تعني الأثداء الصغيرة) وتقوم الزائرة بغسل ثدييها من ماء المغارة المتجمع في الجرن.
مكبات النهر الطقوسية:
أشتهر في النهر رمي أو تصريف أشياء خاصة ومنها «حبل الخلاص» بعد الولادة. ويوضع حبل الخلاص في كيس من قماش أو خيش مثقل بحجر ويرمى بالنهر حتى لا يصبح بمتناول هر أو كلب إذا رمي في مكان آخر مما قد يتسبب بإنقطاع نسل الرجل (أبي الوليد) أو إصابة نسله أو أحد أفراد عائلته بالعاهات حسب الاعتقاد الشعبي.
ويرمى في النهر أيضاً طقم أسنان الميت وثيابه غير القابلة للغسيل. وأول قصة شعر للصبي كانت تجمع عند الحلاق وتزان ويوزع قيمة زنتها ذهباً للمحتاجين. وتوضع شعرات الصبي في قماش من حرير وتنثر في النهر مع الدعاء للطفل بعد الاحتفاظ بجزء من الشعر في قطعة القماش. ويذكر ان «صرة» الوليد أو بقية حبل الخلاص المعلقة في بطنه كانت تلف لدى سقوطها التلقائي في قطعة قماش أو ورق وتربط باللفة جيداً وتوضع خفية في أحد أمكنة المهنة التي يريد الأهل لطفلهم ان يكتسبها في المستقبل (تاجر، صناعي، مهني الخ..).
أما فضلة عضو الذكورة الناتجة عن الختان فلم يأبه لها وكانت تهمل وترمى في النفايات وأشتهر النهر عموماً بأنه مكان لرمي الأشياء غير النافعة أو للدلالة على هذا الأمر كأن يقال «خذه وأرميه في النهر».
السباحة في «الجفل» ونادي زهرة الشباب:
تأسس هذا النادي عام 1948 في حي الشهداء بجوار النهر وأشتهر بتخريجه المستمر للاعبين تميزوا برياضة المصارعة الرومانية ورفع الأثقال والكمال الجسماني، هذه المهارات الجسدية المرتبطة بشكل وثيق بعالم السباحة في النهر.
كانت المياه الخارجة من الطواحين بتدفق غزير تشكل مجرى ماء سريع الإندفاع ويسمى «الجفل». وقد تحول «الجفل» إلى امتحان دائم للفتوة «قوس اوليس». وكانت تجرى مباريات دائمة لشباب المحلة أو الحارة في الصمود أمام تدفق مياه النهر بالوقوف في ثبات وعناد فيه.. والموقف كان يتطلب مهارة وجرأة.
وفي آن فإن مبنى الطاحونة هو مكان للغطس من فوقه «الشكية» ومعرض للسابحين الذين كان يحلو لهم دهن أجسادهم بالزيت الحلو والتشمس واستعراض كمالهم الجسماني.
وبالقرب من طاحونة الدرويشية، وفي مجرى النهر، كانت توجد حفرة واسعة عميقة (أكثر من 5 أمتار عامودياً) تشكل كعبة السابحين «ويقال لمن نجح في اختبار مهارته بالسباحة الخطرة فيها «بالحاج» اي أنه أتم مراسم الحج الرياضي واستحق الدخول إلى عالم الرياضيين الأقوياء. واستعمال تعبير «حاج» عائد لكون الحفرة النهرية بالقرب من المولوية.
ولقد شكل هؤلاء السابحون نجوم نادي زهرة الشباب قاعدة المنتسبين إليه. وفي نفس الوقت، كان معظمهم يلتحق بسلك الشرطة البلدية أو بجهاز سرية الأطفاء»… لقد كان يقال دائماً في الشرطة والاطفائية…. هاتوا لنا شباب النهر ليدخلوا السلك…».
ان هذه العلاقة الواضحة ما بين النهر/الرياضة، والمهنة/ المهارة الجسمية قد تأسست على عامل سياسي مضمر. فنادي زهرة الشباب، قبل إنشائه عام 1948، إنما كان مقراً لحزب الشباب الوطني بزعامة عبدالحميد كرامي في سنوات الانتداب الفرنسي وكان يضم المتحمسين له ولاتجاهه السياسي، وعندما أمسكت عائلة كرامي ببعض مؤسسات المدينة كالبلدية، شكل أنصارها الجهاز الفعلي، الإداري والوظيفي، لهذه المؤسسات ومنهم شباب مجتمع النهر الذين انخرطوا في العمل السياسي من خلال حزب الشباب الرياضي ومارسوا الرياضة من خلال نادي زهرة الشباب.
أراجيح ومراكب العيد:
في باحة واسعة بجوار مقهى البحصة، كانت تنتصب أراجيح العيد بمناسبة عيدي الفطر والأضحى وما زال بعضاَ منها يقام حتى اليوم.
الأراجيح كانت للبنات والشقليبة والدويخة للصبيان.. هذه الباحة كانت أيضاً مقصداً في الأعياد والعطل لأصحاب السعادين والدببة الذين كانوا يتولون ترقيصها وهم يقدمون من الريف خلال الأعياد والعطل. كما يقصد الباحة أيضاً صاحب صندوق الفرجة ويتقاضى بدلاً نقدياً 5 قروش أو عينياً، رغيف خبز، بيضة..
ليست البحصة هي المكان الوحيد الذي كانت تنصب فيه الأراجيح وإنما أيضاً قرب المسلخ. وفي الدباغة وعند جسر اللحامين وفي الأعياد، كان صيادو الأسماك يأتون بمراكب ويقومون بنقل الأطفال فيها في رحلة نهرية تشمل النهر الأعلى في الدباغة صعود حتى جسر البرطاسية ذهاباً وإياباً. وهذا ما أوحى بقابلية نهر أبو علي للملاحة فيه.
من خيالات الطفولة:
بائع السمسمية النحيف الودود المتسامح الكريم انفرد بتقديم مزية هي قطعة سمسمية مع رؤية فيلم مصور في «الناضور» فقط بمبلغ 5 قروش ما جعله يحوز على رضى الأهل عندما يقصده أولادهم فهو «يحلي ويسلي» في آن.. ومكتبته أو بسطته كانت تحتوي على أكثر من مئة فيلم مما أتاح لخيال الطفل أن يرى ما لا يمكن أن يراه في مكان أو زمان آخر: زورو، السندباد، ران تان تان، سابو، أبطال والت ديزني وغيرهم. كان موقعه على مدخل جامع البرطاسية وهذا يعني أنه حائز على رضا المصلين لمهنته، إقبال الأطفال عليه هو في فسحة الظهيرة المدرسية وأيام الجمعة والآحاد والأعياد.
حمامات معمل الثلج الدافئة:
في الزاهرية وبمحاذاة ضفة النهر، بني معمل الثلج منذ عام 1908 وهو يفرز مياهاً ساخنة غزيرة في إحدى مراحل عملية التبريد وجعل مصرفها إلى مياه النهر.
وأثناء الحرب العالمية الثانية، تفشى داء الجرب مما جعل المكان مقصداً للمرضى الذين لا يملكون إمكانيات تسخين المياه فجعلوا حماماتهم الساخنة هناك. واستمر التقليد بعد الحرب وخاصة من قبل الفقراء والمعدمين والهامشيين الذين أقاموا أكشاكاً من قصب النهر هناك. وعرف المكان بحمامات معمل الثلج.

فياضانات نهر «أبو علي»

من المعروف ان مدينة طرابلس لم تعرف مؤرخاً خاصاً بها وخصوصاً في الفترة السابقة للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، فهناك إنعدام للتواريخ الخاصة بمدينة طرابلس والأحوال التي طرأت عليها يوماً بيوم على غرار «تاريخ حوادث الشام» لميخائيل الدمشقي أو اليوميات على غرار «عجائب الآثار» للجبرتي. وأخبار فيضانات النهر في طرابلس ورد ذكر بعضها بشكل غير مباشر كفيضان 745 هـ في معرض ترجمة الصفدي لابن البارنباري، صاحب ديوان الإنشاء وكاتب السر في طرابلس أو من خلال وقفية تجديد جامع الدباغين في طرابلس أو «سيل عظيم» كان عاماً في بلاد الشام ومنها طرابلس. وهذه هي أهم الفياضانات التي أتت على ذكرها المصادر التاريخية:
1- فيضان 1344م/745هـ:
أتى على ذكره الصفدي في ترجمة البارنباري:
«وفي سنة 745 كان في الشتا نايماً هو وأولاده فجاء سيل عظيم، وكان للسيل ضجة من الناس وضوضاء، فقام من فراشه ليعلم ما الخبر، وعاد فلم يجد لا داراً ولا سكاناً، وراح البيت وولداه، وأحدهما موقع، والآخر ناظر الجيش، وجميع ما في البيت إلى البحر، وانتبه الناس لهذه المصيبة العظمى، وركب النايب وتوجهوا إلى البحر إلى ان طلع الضوء، وقذف الموج ولديه وهما ميتان فأخذوهما، وعمر لهما تربة عظيمة هناك، وصدعت واقعته قلوب الناس في الشام ومصر، وأما هو فإنه داخله هلع عظيم واختلط عقله وبعث إلى مصر يسأل الإعفاء والإقالة».
2- طوفان 1407م/810هـ:
«ذكر ابن حجر انه في شعبان سنة 810 هـ، حدث السيل العظيم بطرابلس حتى قيل أن أهلها ما رأوا مثله، فهدم أبنية كثيرة وهلك بسببه خلق كثير».
3- طوفان 1503م/909 هـ:
«وفي هذه السنة جاء سيل عظيم ومطر عم الأقطار(….) وكذلك نهر طرابلس أخرب المساكن والحوانيت وغير ذلك».
4- طوفان 1612م /1020هـ
«وفي سنة أسيب (أي 1612م) جاء سيل عظيم حتى ان نهر طرابلوس أخذ بيوت وطواحين وجسوره وأهلك خلقاً كثير».
وعلى جدار جامع التوبة، كتابة تاريخية تفيد بتجديد «هذا الجامع الشريف لوجه الله الكريم بعد هدم جداره ومنبره ومحرابه وسبيل مائه من الفيضة الكبرى في سادس عشر ذي القعدة سنة عشرين بعد الألف» «وهذه الفيضة نسفت كثيراً من الأبنية».
5- طوفان 1749م /1162هـ:
«فاض نهر طرابلس في ثلاثة أيام خلت من شهر ربيع الأول وهو شباط الرومي سنة 1162 هـ. وكان فيضانه مع الفجر صبيحة نهار الجمعة، وقتل خلقاً كثيرا، وخرب بيوتاً كثيرة وعلا فوق الجسرين مقدار اثني عشر ذراعاً حتى غطى جميع الطواحين ما بقي باين منهم أثر، ولو ما أدرك العالم لطف من الباري جل وعلا وإلا كان أهلكهم بفيضه».
6- طوفان 1842م/1258 هـ:
ورد ذكره في نص كتبه أحد شهود العيان بالعامية ونشرت نصه مجلة «أوراق لبنانية»:
«يوم الاثنين في 6 رمضان سنة 58 الواقع في 28 أيلول 842 الساعة تسعة من النهار فاض النهر أبو علي، وعلى (علا) الما (ء) فوق الجسر ووصل لباب الحديد وعدم كامل السويقة والمسلخ وسوق الحراج والملاحة، ووصل لمحل حارة النصارة، بزخم قوي جداً، وعلى (علا) في الأسواق فوق الدكاكين حتى لا عاد يظهر في محلات السقف. وبعض محلات على النهر هدمها بأصحابها وكامل ما بها. كذلك جاب (جلب) أبقار وخيل وحمير وجمال كثيرة ودلب وصور كل شجرة قد حارة كبيرة. وغرق رجال ونسا وأولاد بالأسواق وماتوا. وحكم (تقريباً) ثلث البلد خربت. راح كامل ما هو موجود بمحلات المتقاربة للما (ء) من أثاث ونحاس ولحف ومونة وسيغة (مصاغ) ودراهم شي يبلغ ثلاثة آلاف كيس وهذا من داخل البلد.. (؟؟). والذي خارج البلد من بساتين وجنينات وطواحين شيء ينوف عن ألفي كيس وأخذ من… نسا ورجال وأولاد. ومات حكم ماية حرمة (إمرأة) من الرعب حيث هذا الأمر غريب بأيامنا. وعلى (علا) فوق الجسر الما (ء) لقامه. وكل ذلك حكم نصف ساعة (…)».
7- طوفان 1955/1375هـ:
في «تاريخ آثار ومساجد طرابلس» كتب د. عمر تدمري ما يلي: «في نهاية سنة 1955 أصيبت طرابلس بكارثة الفيضان في مساء 17 كانون الأول ذهب فيه عشرات القتلى من الرجال والنساء والأطفال. فقد أنهمر المطر بشدة وقت المغرب وتضخمت كمية المياه المتدفقة في النهر بفعل الأمطار الغزيرة، وجرفت مياه النهر معها وهي في إنحدارها من الجبال الأشجار والأحجار، وارتطمت الأشجار ذات الجذوع الضخمة بالقناطر القديمة المعروفة بـ «قناطر البرنس» فاحتقنت المياه عندها بعد ان سدت المنافذ بالأشجار والأوساخ، وإزاء ضغط المياه الشديد تحطمت بعض القناطر وتدفقت المياه بقوة لتجرف ما يصادفها من أشجار وبيوت خشبية حيث ارتطمت بجسر السويقة القديم، واحتقنت المياه عنده من جديد وعلا منسوب المياه فطافت على البيوت الواقعة على ضفتي النهر، ودخلت تكية المولوية وغمرت الطواحين المنتشرة على الجانبين ودخلت حرم الجامع البرطاسي والمحلات القريبة منه، والبيمارستان القائم أمامه، ودخلت المدرسة البتركية وقناطر (باكية) غانم، حتى ارتفعت إلى محلة باب الحديد وهدمت قسماً من جسر السويقة، كما هدمت الجسر الجديد (اللحامة) ودخلت المياه جامع التوبة وغمرته، كما غمرت مسجد الدباغين والمدارس القريبة من المسلخ (…) وجميع البيوت والمحلات الواقعة على جانبي النهر وسارت المياه المتدفقة بين دروب المدينة القديمة وأسواقها حتى وصلت حارة النصارى ومحلة الزاهرية، وجرفت معها كثيراً من جثث القتلى وأثاث البيوت من اسرة وفرش وادوات وأوانٍ، وحملت الحاجيات من المحلات، ودب الذعر في نفوس الأهالي، وارتفع الصراخ ونداءات الإستغاثة من الذين حاصرتهم ورفعتهم إلى اسقف بيوتهم ومحلاتهم، وارتطمت الجثث بالأشجار التي بقيت منتصبة بظاهر طرابلس شمالي النهر قريباً من البحر، وعلقت بها ومنها ما تقاذفته أمواج البحر من الأثاث، وتحولت مياه البحر إلى اللون الأحمر الداكن من الطين الذي جرفه النهر، وضربت أمواج البحر الجثث إلى جون عكار ومنها ما وصل إلى طرطوس».
وكتب محسن يمين، نقلاً عن جريدة «الرقيب» اليومية ما يلي: .. «وهذا المطر المنهمر انحدر من رؤوس الجبال وجرى جداول انصبت جميعها في نهر «أبو علي» وفعلت مياهه ولم تلبث أن فاضت وطغت وفارت وجرفت الأشجار والأتربة من البساتين على ضفتي النهر وحملتها إلى مدخل طرابلس حيث يضيق مجرى النهر وتتقوس فوقه الجسور وتقوم الأبنية القديمة فطافت المياه على الجسور فلم تثبت لها فأقتلعتها واندفعت بعلو عشرة أمتار حتى طمت على الطبقات الأولى والثانية حتى الثالثة من البنايات ودخلتها تخنق سكانها الآمنين حول مواقدهم أو الهانئين في مضاجعهم أو المتحلقين حول موائد الطعام أو المنصتين إلى أغاني وإذاعات (…) وتابع طغيان النهر جنونه حتى تصدرت له المخازن على جانبي جسر المسلخ فدفعها أمامه بمن فيها وما فيها وألقاها في قاع النهر ثم ساقها وسقا عنيفاً في الأسواق والأزقة والشوارع القائمة على جانبه وأمامه فملأها وحولاً وجثثاً وأمتعة وأثاثاً، ثم اندفعت هذه السيول إلى محلات السويقة وباب الحديد والملاحة والشهداء والشارع الجديد والزاهرية والتبانة والمسلخ وخان العسكر وسوق القمح وحارة النصارى وسوق البازركان والصاغة والكندرجية واللحامين والنحاسين والسراي القديمة وشارع لطيفة والغرباء فانقطعت عن أحياء المدينة الأخرى وانعزلت وتحولت إلى بحيرة تموج فيها المياه الحمراء وترسب الوحول وتطفو عليها بالات القماش والبضائع وجثث الحيوانات وتزحف السيارات من مكان إلى مكان.
وقد تهدم أكثر من ستين منزلاً و500 مخزن كما تداعى 30 منزلاً وتجاوز عدد الضحايا المئة وعشرين ضحية».

النهر ضابط الإيقاع

يدخل النهر في أساس تشكل الحياة على ضفافه وفي محيطه. ولما كانت دورة النهر السنوية تحدث كقاعدة في حدود متجانسة وأحياناً متنافرة فإنها كانت تؤثر على ايقاع الحياة نفسها إلى الحد الذي يمكن القول فيه ان النهر كان يلعب دور الضابط ايقاع محيطه. وإذا كان لا يمكن وضع بداية ونهاية لأية دائرة إلاّ افتراضياً فإن الأمر ذاته ينسحب على دورة الطبيعة والافتراض هنا سيكون الربيع، فصل تجدد الحياة في الطبيعة كما في الإنسان.
ما الدهر إلاّ الربيع إذا أتى الربيع أتاك النور والنوَر
بهذا البيت يستشهد الشيخ حسين الجسر في إحدى مقالاته بجريدة طرابلس أواخر القرن الماضي عن «طيب الربيع» برمزية صوفية عن الدهر والربيع الذي يعني بالنسبة للصوفيين البدء بإحياء حفلات فرقة المولوية الشهيرة في مقرها وسط الجنائن الغناء تحت كنف قلعة طرابلس وفي أقصى الجهة الشرقية من المجال الحيوي لنهر أبوعلي.
ورغم ان المولوية تقيم عادة حفلاتها في المناسبات الدينية كليلة الـ 27 من رمضان (ليلة القدر) وفي ذكر المولد النبوي الشريف حسب التقويم الهجري، فإن دورة حفلاتها الموسمية المعتادة تبدأ تحديداً في أول فصل الربيع ولمدة ثلاثة أشهر تنتهي بنهاية الربيع ذاته وهي تقام بعد ظهر كل يوم جمعة خلال هذا الفصل وكان يحضر حفلاتها رجال الحكومة وجمهور كبير.
ان مفهوم التجدد هو في أساس فلسفة مؤسس الطريقة المولوية مولانا جلال الدين الرومي القائل: «ان الدنيا تتجدد في كل لحظة ونحن لا نحس بتجددها وهي باقية على هيئتها الظاهرة. والعمر وان بدا مستمراً في الجسد فإنه يتجدد في كل لحظة كما يتجدد ماء النهر».
والرقص المولوي الغني بالرموز الصوفية يستمد نظام تعاقب الفصول حيث تنقسم حفلة الرقص المولوي إلى أربع دورات تمثل في عددها هذا التعاقب للفصول ويشترك في حفلات رقصها أربعة راقصين بحركات ورموز وسرعات ودورات وإيقاعات مختلفة.
على صدى حفلات المولوية وعلى وقع نقر دفوفها وعزف نايها ودوران راقصيها وبمحاذاة تكيتها لجهة النهر، تدب الحياة بإيقاع سريع في طاحونة الدرويشية والمولوية وسائر المطاحن لتعني ان موسم الطحن قد تضاعفت وتيرته بعد تقطع العمل أثناء الشتاء العاصف.
فالطحان ينتظر اعتدال الطقس وغزارة مياه الثلوج الذائبة ليعيد إنشاء جدول الطاحونة الفرعي القادر على تحريك أحجار الرحى الضرورية لعملية الطحن وهي عملية تلاقي صعوبات جمة في نهاية الصيف بسبب جفاف المياه وانخفاض ضغطها مثلما ان الطقس العاصف في الشتاء يعطل العمل.
إذا كانت الطاحونة مكاناً لمهنة فإنها أيضاً امتحان لرجولة الشباب وبأسهم فالربيع يعني الإيذان ببدء موسم «الحج الرياضي» الذي يعيد تجميع فتيان الحارة حول المهارات الرياضية بعد ان يكون الشتاء قد فرق شملهم إلى المهن والمدارس.
وفي فصل الربيع أيضاً، يشتد دبيب الحركة الصباحية الناشطة لجسر اللحامين فالمدينة بدأت باستقبال المزارعين وباعة الخضار من الريف المجاور الذين يقصدون سوق الخضار باكراً لتصريف محاصيلهم ثم يعرجون على سوق اللحامين لتناول ترويقة الصباح وهي بالنسبة لهم تناول الشواء. وبالنسبة للحامين إعداد نمط من التقديمات غير مألوف الطلب عليه صباحاً من السكان المحليين الذين يفضلون السحلب ومشتقات الحليب من الأجبان والألبان ولهذه الأصناف دكاكين مختصة سواء على جسري النهر (السويقة واللحامين) أو في الأزقة المجاورة.
ان هذه الحركة الربيعية الصباحية الناشطة تستمر طالما ان الريف يقصد المدينة صباحاً للتصريف أو للتبضيع أو لشؤون أخرى. لكن الصيف يخفف من وتيرة العمل في المسلخ المجاور لأن «الذبيحة تخف وبالتالي يتضاءل عمل الدباغين المعتمدين على جلود المسلخ.. وأصلاً فإن هذه المحلة لا تعود تطاق صيفاً بسبب انتشار الحشرات والروائح الكريهة التي يعجز النهر والطقس والانسان عن القضاء عليها وإزالتها أو تبديدها».
من ناحية ثانية، فإن الربيع فصل تفجر المياه من الينابيع وفصل ذوبان الثلج وهو يعني لطرابلس تجدد مياه شفتها لتشربه زلالاً صافياً منعشاً مثل الماء المقطر بل وأكثر.. والربيع يعني إنتهاء معاناة المدينة الدورية من المشكلات المريرة التي قد تكون عرفتها خريفاً وشتاء وصيفاً.. ففي الصيف يشح الماء لا سيما في آخره.. حتى ان بعض الحارات يفقد فيها الماء البتة فينشأ عن ذلك منازعات بين الأهالي ومخاصمات تنتج الضغائن وتحرك الأحقاد أهل الأغراض..».
وفي الشتاء «… وكلما حصل مطر فإنه يأخذ الأتربة الحمراء ويلقيها في قناة الماء مع ما يصحب تلك الأتربة من الأوساخ وقاذورات الدواب وقمامات الطرقات فيأتي الماء إلى البلدة بلون الطين الأحمر وتتراءى فيه قطع الوحل كزلط الدم..».
وفي الخريف فالمطاحن والمعاصر تلقي بفضلاتها من عكر الزيوت والجفت فيه فتلوثه.. كل ذلك يتسبب على الدوام بأمراض دائمة وموسمية وقد تكون شاملة لمعظم أهالي المدينة «كالحمى المزرغية والدزنتريا» أو جزئية وخطيرة في آن «كالحمى التيفوئيدية» بل وحتى الكوليرا.. كل ذلك بسبب ماء الشتاء والصيف والخريف.
أما الماء الربيعي فإنه يعني لسكان طرابلس ماء الحياة والعافية ومنه يغبون في هذا الفصل دون وجل.. ماء طبيعياً منعشاً أو شراباً لذيذاً كالليمونادة والسوس والخرنوب والتوت.. بل وتصل بهم الأمور إلى حد الاستفاضة اللامعقولة في تقديم شرابات الضيافة إلى حد ملء بركة الملاحة وبركة الدباغة بعصير الليمون أو شراب الخروب في بعض المناسبات الدينية وتقديمها للأهالي مجاناً طيلة ثلاثة أيام وليلاً نهاراً..
فالربيع يمثل بحق انبعاث الحياة المعافاة وبقية الفصول تمثل بالنسبة لماء طرابلس الاعتلال ونقل الأمراض بل وحتى التسبب بالموت. وإذا كان الربيع يعني تفتح قيم سامية مثل حسن الضيافة والأريحية فإن الصيف، فصل شح المياه، يعني زرع بذور الشقاق بين أهالي الحارة الواحدة وحتى بين سكان البناء الواحد..
وفي شهر أيار، يبلغ ذوبان الثلج أوجه فيبدأ موسم ري البساتين في السقي الغربي.. أما شرقاً فإن موسماً آخر يكون قد حان فبساتين المرجة المنخفضة (بين حيز طرابلس وبلدة مجدليا) تعطي محصولاً متأخراً من الحمضيات ومعروفاً باسم «الليمون الرجعي».. ولأن الأشجار على مستوى النهر فإن مياهه تغمر بعض أغصانها جارفة معها الثمار وبعضها يكون قد سقط لتوه ناضجاً أو مقطوفاً أو موضوعاً على الأرض للتعبئة.. وكل ذلك يطفو على سطح المياه التي بوصول طلائعها إلى منطقة مجتمع النهر فإن «الصوت يكون قد دب» بين الأهالي الذين يلتقطون الثمار تحت طائلة خطر السقوط في المياه.
ولأن معظم الدور والبيوت المبنية على ضفاف النهر مباشرة أو في محيطه مؤلفة من طابقين وأكثر، فإن الأهالي والسكان يحتاطون لغدرات النهر بإخلاء الطوابق السفلى من الأثاث أو برفعه عن مستوى الأرض. وهم عملياً ينتقلون للإقامة في الطوابق العليا، فغالباً ما يرتفع المنسوب وتتسرب المياه خجولة أو تقتحم بجسارة الطابق السفلي الشاغر وفي المحلات الواقعة على النهر أو في الأسواق المجاورة، أعتاد التجار على رفع بضائعهم بارتفاع 30 سم عن سطح الأرض بوضعها على الواح من الخشب، فدخول ماء النهر إلى محلاتهم هو من الأحداث المتوقعة الموسمية في هذا الفصل. وسواء في المنزل أو في محلات السوق فإن الشتاء يمثل الاستثناء والاختلال والاضطراب بينما يتمثل الانتظام والاعتدال في بقية الفصول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.