طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

مجتمع النهر في طرابلس (4 ــ الأخيرة)

في العام 1988. أعدّ الصحافي والباحث الراحل طلال منجد مذكرة بحث لنَيل شهادة الجدارة في العلوم الإجتماعية (انتربولوجيا)، في معهد العلوم الإجتماعية – الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية.
حملت الدراسة عنوان «مجتمع النهر في طرابلس». وفي مقدمة هذه الدراسة طرح منجد السؤال التالي: «لماذا مجتمع النهر؟».
ثم أجاب عن هذا السؤال فكتب: «يشكل مجتمع النهر في طرابلس النواة الأولى لمدينة طرابلس الداخلية وهو قد تعرض منذ مطلع ستينات القرن العشرين لتغيير شامل وعميق تناول معالمه وأسسه ووجوده الديموغرافي.
ولا يتعلق الأمر هنا بتناول النهر ككارت بوستال سياحي قديم أو البكاء على اطلاله وذكراه وانما يطمح البحث إلى محاولة تحديد نظام التفاعل الايكولوجي الإنساني المحلي وما قد يكشف عنه ضمن مدى زمني يتوقف عند مفصل حاسم هو قيام ما عرف «بمشروع النهر» في منتصف الستينات.
فمسألياً سيتناول هذا البحث كأهداف أساسية له محاولة كشف وتظهير وإعادة ترتيب «بعض» من معطيات قدمها هذا المجتمع المحلي والذي تغيرت معالمه الأساسية وتفرق ناسه وتبعثروا دون أن تتلاشى خزائنه الذهنية بالتأكيد». 
في 30 أيّار الماضي رحل الصحافي و الباحث الزميل في «التمدّن» طلال منجد، واحتراماً لذكراه، تنشر «التمدّن» على حلقات دراسته «مجتمع النهر في طرابلس»، وهي من أهمّ ما كتب عن نهر أبو علي والمجتمع الطرابلسي .
في الاعداد الثلاثة الماضية تناول البحث: الإطار التاريخي ــ الجغرافي للنهر، تسميته، تفاعله الايكولوجي، طواحين مجتمع النهر، مياه الشفة، الدباغة، المسلخ، جسر اللحامين، مقاهي النهر، البساتين، البيت النهري، أساطير وعادات ومعتقدات، النهر كضابط للإيقاع وفياضانات النهر.
في ما يلي حلقة رابعة وأخيرة من «مجتمع النهر في طرابلس» للصحافي الراحل طلال منجد:


النهر: من الكارثة إلى الإلغاء

شهر كانون الأول من عام 1955 هو تاريخ مشؤوم بالنسبة لطرابلس ففي إحدى لياليه العاصفة (وتحديداً في ليلة 17 منه) حدث ما عُرف بطوفان النهر.. فبعد سيول ماطرة، اجتاحت المياه المتدفقة الجسور والأبنية والأسواق والحارات فهدمت وأغرقت وكانت النتيجة أكثر من مئة وعشرين ضحية وتهدم 60 منزلاً و500 محل.
ولقد دخل هذا التاريخ الذاكرة بقوة وعُرف هذا العام وما سبقه وتلاه «بأعوام الكوارث الثلاث» فعام 1954، حدث حريق المشاعل الشهير في بيروت وعام 1956 حدثت الهزة الأرضية، لكن الناس عموماً تجاوزوا مأساة النهر وبنوا وأصلحوا وأعادوا بعضاً من سيرة حياتهم ما قبل الطوفان مع إرادة عنيدة للعيش والبقاء والاستمرار.
في مطلع الستينات، وعقب أحداث 1958 واثر قيام الدولة الشهابية وانشائها لإدارات جديدة لتنفيذ ما عُرف حينه «بالمشاريع الكبرى»؟ أبصر النور أحد أغرب المشاريع المائية في لبنان تحت اسم «مشروع نهر أبو علي» ويقضي بشق طريق عريض وعلى طول مجرى النهر داخل المدينة (3كلم) وبلغ عرض هذه الطرق المستحدثة حوالي الستين متر مقسمة بالتساوي بين عرض مجرى النهر وضفتيه.
وغرابة مشروع النهر تكمن في انه المشروع المائي الوحيد الذي يتلافى طوفان المياه بتوسيع مجرى النهر عند مصبه في حين ان المطلوب كان إنشاء سد لتجميع المياه عند نقطة دخول النهر إلى المدينة والاكتفاء بتعميق المجرى وليس بتوسيعه عرضياً.
ويشير الدكتور علي فاعور إلى مشروع للمهندس الفرد نقاش وُضع أثناء دراسة إمكانات تنظيم مياه لبنان سنة 1950 (أي قبل الطوفان الشهير بخمسة أعوام) وفيه «تخطيط لبناء خزان ضخم لتجميع المياه في الحوض الأسفل لنهر أبو علي وذلك لمواجهة أخطار الفيضان من ناحية ثم لاستيعاب المياه والاستفادة منها في ري المناطق العالية الممتدة على ضفتي النهر حيث توجد هضاب الكورة والزاوية..».
السد الذي خططت له دولة الاستقلال، أغفلته دولة التحديث الشهابي الآتية من أحداث .1958. والمشروع بالشكل الذي تم، لم يبصر النور اثر حادثة الطوفان بحد ذاتها عام 1955، وإنما بدأت فكرته عقب أحداث «الثورة» التي تمثلت في طرابلس بعصيان مسلح في «الأسواق القديمة» بحيث استعصت على الدولة ووصفت دوماً بأنها بؤرة للعصيان والتمرد والقلاقل.. وهذا المشروع الذي نفذته شركة يوغوسلافية عام 1966 بالتعاون مع مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى، أقترن مع مشاريع مماثلة لشق طرق واسعة في أحياء المدينة القديمة وذلك بتفتيت هذه الأحياء وعزلها عن بعضها البعض وإزالة أقسام كاملة منها.
كان الزمن في الستينات، زمن التحديث (على مستوى الدولة) وزمن الالتحاق بعصر الاستهلاك وهبوبه من الغرب على مستوى الأفراد والسكان.. وبتأثير من تعويضات الاستملاك التي كانت فعلياً تطال كل مجتمع النهر (ملاكين ومستأجرين) فإن جاذبية التعويضات «ويوتوبيا» نمط الإستهلاك أغرتا بالقبول الضمني، فلم نشهد اعتراضاً على كل ما يجري.. بل بالعكس، تحول الإسراع بإنجاز مشروع النهر إلى عنوان سياسي محلي عريض لكل المرشحين للمقاعد النيابية في طرابلس عام 1964 وموضع مزايدة على بعضهم البعض، ممن هم في النيابة ومن الطامحين لها على السواء.. وبنفس الكيفية، فإن مشروع النهر دخل الخطاب السياسي للأحزاب العقائدية كأحد مطالب مدينة طرابلس المحورية، جنباً إلى جنب مع مشاريع المعرض والمحجر والأوتوستراد والمرفأ.. أي كل البنية التحتية المفترضة لنموذج المدينة الحديثة.
لن نتحدث عن نتائج مشروع النهر على المستويات العمرانية وسلسلة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي نتجت عن مشروع النهر وتوابعه، لكن من المهم الإشارة إلى انهيار وحدة المدينة العمرانية ومعها علاقات التماسك الاجتماعي ووحدة المكان العميقة.
وإلى جانب ذلك، اندثرت الأسواق التقليدية ومعها اقتصاد بمجمله يقوم على الحرفية. وبقسوة متعمدة أو متجاهلة، تُرك مئات الحرفيين (مصير سوق النحاسين مثلاً.. لم يبق من عشرات الحرفيين إلا عائلة واحدة استمرت بعملها في هذه الحرفة هي عائلة الطرطوسي. واختفى عشرات الدباغين و لم يبق منهم إلا ثلاثة في طرابلس في حين توسعت هذه الحرفة في مناطق أخرى: مشغرة في البقاع الغربي وبرج حمود والدورة في العاصمة) لمصيرهم البائس دون أي بديل مهني. فالمناطق السكنية الجديدة المقامة على عجل، لم يكن بوسعها استقبال مهن كانت حية فقط بحكم الاستمرار في إطارها المكاني التقليدي.. كما ان دولة التحديث لم تأخذ بعين الاعتبار مصير هؤلاء الحرفيين.
إن جيلاً بكامله قد أحيل إلى تقاعده مبكراً.. وبانتظار ان يشب جيل جديد، عانى ذلك الجيل المتقاعد قسراً حالات الانتظار الطويل والأمل اليائس والحلم المخادع.. لقد أزيل المشهد القديم من ذاكرتهم حقاً، لكنهم ظلوا يحنون إلى ما فقدوه.. وتراهم، أولئك المتقاعدين أو من بقي حياً منهم، متناثرين كأوراق الخريف.. في حديقة طرابلس العامة أو في المقاهي الشعبية الرثة.. ذاكرتهم حية وشعارهم التليد: «الماضي كان أحسن».. لقد عاشوا بقية أعمارهم على الذكريات وفي ظل حياة متضائلة.
هل ان جيل الحنين قد طوته السنون؟ لا نعلم.. ومع ذلك فإن بعض اليافطات الكرتونية ما تزال ترتفع بين الحين والآخر.. أثناء الشتاء.. وتعلق على المحلات في بقايا الأسواق المحيطة بالنهر تحذر من ارتفاع منسوب النهر ومما تقول:
«أيها الأهالي.. احذروا طوفان النهر» (ارتفعت مثل هذه اليافطات في محلة التربيعة عام 1985 وبجوار محل الأسعد للسمانة..) .. وفي الأعوام الماضية، وفي ظل إنعدام وجود الدولة، بنيت فجأة عشرات الأكشاك الخشبية على جانبي أوتوستراد النهر الحالي وبعض أصحابها من الطاعنين في السن، اعتبروا ان من حقهم العودة إلى المكان الذي كانوا فيه قبل عشرين عاماً!!..
هل هذا كل شيء؟
يبدو من سخرية القدر ان هذا النهر الجميل الذي ألهم كل من رآه والذي امتدت إليه يد الإنسان لتفقده معناه ومجراه وجنائنه، لم تكفه كل المصائب التي حلت به بل إن الأمور قد تتجه إلى حد إلغائه نهائياً بتحويله إلى قناة معلقة مسقوفة إذ ثمة مشروع قدم إلى المجلس البلدي بطرابلس وقد يتحول إلى واقع مترجم، لا سيما وأن من أهدافه توخي الربح المادي!! وأشد ما يؤلم في هذا المشروع ما ورد في حيثياته من أن من ضرورات سقف النهر دوافع جمالية؟!..
هل إنّ تغيُّرَ شكل النهر هو الذي أفقد النهر استعمالاته ومعناه؟

النهر بين صورتين

تبرز إشكالية النهر الانتربولوجية وفقاً لخصوصية معناه واستعماله، وإذ يتعين على الثقافة ان تسهم، من جملة ما تسهم به، في ضمان استمرارية المجتمع فإنها يجب ان تضم نماذج لاستغلال البيئة الطبيعية» أي مثلما كان حاصلاً بالنسبة لعلاقة المحيط مع هذا النهر.. ولقد جرى تدريجياً إلغاء هذه العلاقة أو تعطيلها وبالأحرى تبديلها بحيث ان النهر اليوم لم يعد يمثل إلاّ مكباً للنفايات وقناة للمياه المبتذلة. ويعجب المرء كيف تحول مصب النهر (برج رأس النهر) من منتزه أخاذ ودلتا خصبة إلى مجمع للنفايات؟
فهل ان هذا التحول هو من نتائج التغيير الأساسي الذي أصاب النهر نفسه؟
بموازاة مشروع النهر، ينبغي أن نلاحظ بدء العمل في نفس الوقت بإنشاء معرض لبنان الدولي في مدينة طرابلس الذي ادى عملياً إلى إتلاف مساحات واسعة كانت مزروعة بأشجار الحمضيات والليمون. وتبلغ مساحة المعرض حوالي 40 الف متر مربع وأزيلت من حوله أضعاف هذه المساحة، وتتقلص تدريجياً البقع الخضراء المزروعة (أو ما يعرف بفيحاء طرابلس) عاماً بعد عام بحيث أن إحدى وظائف النهر الرئيسية أي ري البساتين متجهة نحو التلاشي في السنين المقبلة . ويجري العمل الآن بدأب ونشاط على قطع أشجار الليمون المتبقية في معظم بساتين طرابلس تمهيداً لتحويلها إلى اراض مفرزة للبيع.
هل ان تغير شكل النهر هو الذي أفقد النهر استعمالاته ومعناه؟
الجواب يبدو للوهلة الأولى بسيطاً.. لكن «لنتون» يرفض هذا التبسيط بتحديده لعلاقة دقيقة بين الشكل والمعنى والاستعمال لأي عنصر ثقافي.. ويحدد أكثر «بأن العلاقة التي تربط بين الاستعمال والمعنى ربما كانت أوثق من العلاقة التي تربط بين اي منها وبين الشكل.. وإذا ما حاولنا – يضيف لنتون – ان نتحقق من علاقة هذه العناصر الثلاثة بالوظيفة ازداد الأمر تعقيداً. ويبدو ان الوظيفة لا تنبثق من الشكل إلاّ من نواح قليلة جداً ولكنها تنبثق أكثر قليلاً من الاستعمال وفي معظم نواحيها تنبثق من المعنى. وان أية محاولة لتحليل هذه العلاقات في حالة معينة ستكشف عن المزيد من العوامل المربكة..».
في حالة مثل حالة نهر أبو علي فإن تحويله إلى أوتوستراد باطوني لم يكن في أساس الإشكالية وإنما في المعنى الذي كان يكتسبه النهر وما أصبح عليه فيما بعد.. وإذ مر معنا ان محاولة عزمي بك التحديثية المحدودة قد جوبهت بمعارضة عنيفية أدت إلى فشلها، فإن روح المحافظة الشديدة كانت وراء هذه المعارضة التي أفتقدت كلياً زمن الستينات حين الشروع بمشروع النهر. فمطلع القرن مختلف جداً عما بعده وخصوصاً مطلع الستينات أي لحظة الإقبال على السيارات كوسائل نقل حديثة، وما تحتاجه من طرقات واسعة (أوقف العمل بعربات الخيل في طرابلس عام 1962 بقرار من المحافظ المرحوم منير تقي الدين وتحول عشرات «العربجية» إلى مكاتب تعليم السواقة ليصبحوا فيما بعد سائقين عموميين) وزمن التعرف على أجهزة التلفزيون وما تستلزمه من لاقطات (أنتينات) (تأسس التلفزيون اللبناني عام 1961 وكان قد سبقه تلفزيونا مصر وسوريا. وعموماً فإن الأبنية الواقعة في منطقة النهر لم تكن تستطيع التقاط الصورة بسبب انخفاضها) وكانت صالات السينما ابتداء من الأربعينات قد ازاحت مخازن الحكواتي ومقاهيه وفي الستينات كان أوج الجذب الجماهيري لنجوم السينما العربية.. وعلى مستوى آخر ولكن متكامل، فإن مطاحن النهر قد فقدت معناها وجدواها وأساساً عملها بعد إنشاء المطاحن الكبرى في بيروت وقبلاً المطاحن الكهربائية في طرابلس.

خلاصة

بين المحافظة الشديدة مطلع القرن والانجذاب نحو التحديث في الستينات، فقدت اشياء كثيرة معناها وبالتالي شكلها واستعمالها ومنها نهر أبو علي ذاته إلى الحد الذي يمكن التفكير اليوم حتى بسقفه وتحويله من عالة وعبء على بلدية طرابلس (ترصد بلدية طرابلس مبالغ معينة كل عام لتنظيف مجرى النهر الحالي) واستطراداً على المدينة إلى مورد مالي يدر مردوداً رابحاً (.. كما ورد في حيثيات مشروع سقف النهر..) .. فالاستعمال والمعنى للصورة الحالية للنهر كما المستقبلية واضحان:
النهر/ المجرور، النهر / العبء، النهر/ المشروع العقاري، النهر/ الربح المادي..
بدلاً من الصورة القديمة الماضوية:
النهر/ الشريان، النهر/ النواة، النهر / مصدر العمل والحسن والجمال.
ما بين صورتي النهر، شكلييه ومعنييه، فإن التحديث كان مفصل التحول…
أواخر القرن الماضي (التاسع عشر)، قصد طرابلس مدحت باشا، أبو المشروطية العثمانية، هو ببصيرة ثاقبة وضع حجر الأساس لنواة بديلة وحديثة في ساحة التل، بدأها بالمقهى، واستكملها عزمي بك عام 1908 بطريق يصل هذه النواة بالمرفأ على البحر وبالساحل والداخل السوري وبتشجيع حركة العمران في ساحة التل التي أحتاجت فعلاً إلى نظام جديد لتوزيع مياه الشرب فكان أول صدام ما بين التحديث والمحافظة..
أخفق فيه الأول مؤقتاً لينجح تحديث الانتداب الفرنسي فيما بعد الذي كان أكثر شمولية وأبعاداً: سياسية واقتصادية.. هذه الأبعاد سيلزمها وقت أكثر لتنضج مع العهد الشهابي في ستينات هذا القرن (العشرين) مع سيادة نمط اقتصاد الاستهلاك ولتتقبلها الذهنيات المنجذبة نحو نواة أكثر حداثة وإشباعاً لحاجاتها الجديدة.. حصل التحول سلمياً وطوعياً.. دفعت به كارثة طبيعية أنسنت النهر «وحقده» (يقول مفتي طرابلس السابق المرحوم الشيخ نديم الجسر في قصيدته عن الفيضان الشهير: بلغت من الاذاة أبا علي حدود الحقد يسعفها الغليل.
ولم تخرج عن هذا المنحى معظم القصائد التي نظمت بالمناسبة) في «إحيائية ادبية» تفشت لحظتها في أذهان الناس وتملكتهم فالنهر يعني الطوفة (يحتاج الأمر هنا إلى استبارات نفسية معمقة.. ان كل الذين قابلتهم يربطون بالتداعي بين «النهر والطوفان») «لكن تدمير بنية تقليدية تستعصي دوماً على السلطة كان من شأن دولة تحديثية تسترشد بتقرير معهد «ايرفد» لتجري تحديثات تهدف ظاهرياً إلى بناء دولة الدمج القومي.. حصل التحول فعلاً.. لكن البنية الذهنية المحلية هل تحولت؟ وبأي مسار؟ وما هو الثمن؟
يقرأ الباحث وضاح شرارة للكاتب والمخرج المسرحي روجيه عساف كتابه «أقنعة المدينة» حيث يميز عساف بين المدينة الأثينية والمدنية الرومانية والمدينة الغربية الحديثة وبين المدن في الحضارات البطريركية والإقطاعية في القرون الوسطى الأوروبية وفي الشرق العربي وفي الصين وفي أميركا قبل الاستيطان الأميركي.. يرى عساف في مدن النمط الأول «الغيلان الحديثة»…
عن هذه الرؤية، قراءة وضاح شرارة التالية لمدن الحواضر الغربية كما يراها عساف: يرى إليها «جهازاً خارج المجتمع وانقطاعاً فظاً وتعسفياً مع جملة العلاقات التي تربط الإنسان بالطبيعة والعائلة والدورات الكونية (المواسم، الكواكب، الأجيال..)». حملت هذه المدينة الإنسان حملاً على «فصم الرباط مع الماضي» وأخترعت لغة رفعتها إلى «مقام اللغة الثقافية» فكان ثمن هذا الاختراع انقطاع الإنسان عن القوى الحيوية الأساسية في الجماعة البشرية. فتجزأت المجموعة أو الجماعة وفصلت عنها «أعضاء (أشخاصاً) لتستهزىء بهم أو لتشاهد عذابهم» وتمزق إنسان المدينة «بين رحمة الماضي وقالبه الجديد» وأصاب «التلف» ذاكرة الناس وتتصل مواضع المدينة أكانت صالة مسرح أو سينما أو ملهى «بإرادة خارجية (أي إرادة موثقة بمصلحة دولة أو مؤسسة أو تجار)»، وتقام «في مكان مفصول عن البيئة (و) في زمان منقطع عن الواقع» ذلك ان تنظيم «حيز المدينة أوكل إلى الهندسة المجردة»، ودأب هذه اختطاط الشوارع «التربيعية» وتقييد حركة الانسان وتصرفاته «وفقاً لهندسة معقلنة تمنح واضعي اليد على التكنولوجيا النفوذ الغالب على المجتمع». أما زمن المدينة «فيضرب صفحاً عن الأخير»، ويجحد «التراث» ويتبرأ من البيئة الاجتماعية». ويقر الخير «في أبطال ما سبقه».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.