طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

45 سنةً… وتستمر حرةً (2011)

استلمت أنظمتنا الثورية في العالم العربي السلطة من المستعمر الاجنبي في منتصف القرن الماضي, ثم مضت في الخمسينيات بحلّة مقبولة نسبياً, وأهم ما فيها حالة التضامن الاجتماعي بين أفراد المجتمع الذين كانوا يأملون ان يحمل لهم الاستقلال الوطني تحسناً في معايير العيش والتفكير، وتطلعاً الى بناء مستقبل أفضل، بعيداً عن سيطرة الغرب الاستعماري المباشرة.

وعلى وقع شعارات التحرر الوطني والوحدة والاشتراكية ورفع الرأس وعودة الكرامة وتحرير الاراضي المغتصبة، مضت هذه الانظمة الثورية في بناء مجتمعات جديدة.

 وكان من المفروض ان تعيد بناء الانسان العربي الذي مرَّ على استعماره مئات السنين وآن له ان ينعم بفوائد ونعم الاستقلال، واذ بنا نكتشف بعد مرور خمسين عاماً بأنها لم تبقِ من هذه المجتمعات التي استلمتها من الغرب بحلة مقبولة وصحية ومليئة بالآمال، لم تبقِ منها الا العداء والحقد بين مجموعات المجتمع المختلفة والمتنوعة قومياً وعرقياً ومذهبياً ودينياً، برعاية النظام، واقتصاداً ريعياً يقوم على الخضوع الكامل لمن هم في السلطة، وثقافة ضحلة لا تناقش إلا تاريخ خلافات المسلمين بعد وفاة النبي، ومجموعات هامشية فطرية تقتات وتعيش في خدمة الماء الآسن الذي يطعمها به النظام القائم، مما يطلق عليهم تجاوزاً «بلطجية» او «شبيحة» او «زعران» او «حثالة» او غير ذلك.

والغريب هو ان هذا الأمر تمَّ تعميمه على أغلبية فئات الشعب، فإذا أردت أن تعيش وتعمل فعليك ان تكون من «شبيحة النظام» على المستوى الفكري والسياسي والاقتصادي والعسكري وحتى اي مستوى آخر، والا طوردت وعوقبت وحرمت من اي مزايا ومنافع، من أرضك وهوائك ومائك وشمسك وقمرك وبصرك وسمعك وحتى من عقلك.

 والأهم أن هذا كلَّه تمَّ تحت رعاية وباشراف الغرب، الذي كان يذهل احياناً من حجم الانحدار الاخلاقي لهذه الانظمة، التي كانت تستجدي شرعيتها منه فقط، بينما هي ترفع شعارات التصدي له ولمشاريعه الامبريالية والاستعمارية، مما زاد من احتقاره لها ولمجتمعاتها وما يمتّ لها بصلات ثقافية، تاريخية وحضارية، ومما شجعه على التمادي في احتقارها وابتزازها وزيادة السيطرة عليها وعلى مواردها وخيراتها وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية.

وبلغ التمزّق الاجتماعي حداً لم تعد معه المجتمعات قابلة للحياة الطبيعية:

مع انهيار بناء ونظام القيم التقليدي والعلاقات التقليدية، وبعيد التغييرات في العالم الشرقي الاوروبي والآسيوي، وبعيد الانجازات المعرفية التقنية، وبعيد الترابط العضوي العالمي، وبعيد صعود دول كانت أحوالها شبيهة بأحوال العالم العربي في بدايات القرن في سلم التقدم على مستويات الحرية الفكرية والاقتصادية والخدمات العامة، وبعيد انهزام الايديولوجيا بشكلها العشريني (القرن العشرين) واليأس من الافكار القومية والاشتراكية والاسلامية التقليدية العنفية، وبعيد انكشاف حالة الاذلال القومي بحيث فتحت الابواب لكل من أراد التدخل في شؤون البلاد والعباد،  وأمام هول حدث احتلال العراق وشنق رئيسه وتمزيق السودان وتقطيع أوصاله، وأمام حالات الفساد والثروات المنقطعة النظير بينما يعاني الناس من ضنك الحياة ولقمتها، وأمام الخوف من استمرار هذه الانظمة بالتوريث الذي بدأ فعلياً.

 عند هذا الحد وأمام كل هذا انهارت هيبة هذه «الانظمة الثورية» التي لم تعد تملك الا القتل والعنف وشرعية الغرب للمحافظة على مكاسبها الوحشية وغير الشرعية، والتي اصبحت تهدد الغرب نفسه قيماً وافعالاً، فتخلّى عنها بعدما أَدرك ان الناس لم يعدوا يستطيعون الاحتمال، وان ثورتهم تهدد فعلياً مصالحه في موارد بلدانهم وخيراتها، وتهدد فعلياً قيمه ومجتمعاته سواء عبر العنف او عبر التدفق الى بلدانه هرباً من القمع والتنكيل.

 ولكن هذه «الانظمة الثورية»، التي لا حدّ لوحشيتها ولا لحربائيتها، والتي لا تستطيع ان تعيش الا بالقتل والقمع والتنكيل، وبالكذب والخداع، أبت ان تتخلى عن أي من امتيازاتها وعن ما تعتبره من حقوقها، وكأن الاوطان ملكية خاصة لها، تملك فيها الأرض وما فيها من خيرات وما فوقها من بشر ودواب وأبنية ومعدات، وهي تدرك ان اليوم الذي كانت تخشاه قد أتى، ولكنها تكابر وتتجاهل، يخدعها زيف أوهامها التي تعودت عليها حتى استأنست بها، واصبحت لنفسها وكأنها آلهة تلهو بمصير العباد فوق اراضي بلاد ممزقة مشرذمة، فهي لن تخرج من الحكم والسلطة الا بالقوة التي لا يتفوق عليها بها الاّ الغرب، الذي يعود لتسلّم زمام الامور من شعوب اختبرت حكم أبنائها الى أقصى تمزّق وأقصى انحلال وأقصى جوع، مما جعلها مستعدة للتسليم لأي سلطة تريحها من عذاباتها، حتى وان كان الاستعمار القديم وانما بحلة جديدة.

د. خالد جمال

25/8/2011

Loading...