طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

معركة «الشمال الثانية»: حسابات الربح والخسارة

أما وقد وضعت الانتخابات أوزارها، بعد حملات شرسة وصل بعضها إلى حد التشهير وتشويه السمعة والتجريح الشخصي، ها نحن اليوم أمام وقائع جديدة تظهر بعد إنجلاء الغبار واتضاح الصورة، فالمعارك الانتخابية في دوائر الشمال الثلاث أسفرت في جزء منها  عن نتائج متوقعة، وفي جزء آخر عن مفاجآت دراماتيكية، وفي جزء أخير عن نتائج لم تكن مؤكدة مسبقاً لكن حصيلتها لم تأتِ دراماتيكية.

فماذا عن دائرة الشمال الثانية التي تضم طرابلس والمنية والضنية؟

في طرابلس حقق الرئيس نجيب ميقاتي نتيجة متقدمة جداً إذ بلغ عدد ناخبيه في المدينة (شخصياً بالتفضيلي) أكثر من مجموع أعداد ناخبي كل الفائزين من لائحة «المستقبل» في طرابلس .

في المقابل، لم يكن «تيار المستقبل» هذه المرة هو رافعة لائحة «المستقبل»، كما كانت العادة في انتخابات عامي 2005 و2009، بل كان الوزير محمد كبارة هو الرافعة لهذه اللائحة، علماً أنه لم يشارك في أي من أنشطة اللائحة أومهرجاناتها أواحتفالاتها.

أما النائب سمير الجسر فقد أثبت انه الرمز «المستقبلي» الأساسي في المدينة وله جُيرت النسبة الأكبر من أصوات «المستقبل»، إضافة إلى أصوات النائب محمد الصفدي.

أما ديما جمالي فإن فوزها ما زال في دائرة الخطر، كون نجاحها جاء لأن لائحتها حصلت على زيادة 004،0 من الحاصل الانتخابي، أي 45 صوتا، أكثر من اللائحة التي تضم الدكتور طه ناجي، الذي يستعد لتقديم طعن، علماً أنه حصل على 4252 صوتاً فيما حصلت جمالي على 2066 صوتاً.

وبالنسبة إلى المقعد الماروني في طرابلس، فلقد استعاد  قيمته ومعناه السياسي، بعد عودة الوزير السابق جان عبيد إلى الندوة البرلمانية نائباً عن طرابلس.

وبالنسبة الى المقعد الارثوذكسي، يُعوّل «العزميون» ان يتمكن الوزير نقولا نحاس ان يفعّل دوره، بعد التراجع الذي سببه النائب السابق روبير فاضل.

وفي ما يتعلق بالمقعد العلوي، برهنت هذه الانتخابات ان ما يسمى «البلوك العلوي» لم يعد موجوداً، وأن قدرة رفعت عيد على تحريك كامل الكتلة الناخبة العلوية في الاتجاه الذي يريد لم تعد موجودة. فلقد استطاع عيد ان يجيّر للمرشح أحمد عمران 2794 صوتا، فيما حصل المرشح على لائحة «العزم» د. علي درويش على 2246 صوتاً. وعلى عكس ما قيل فإن الناخبين العلويين لم يُعطوا أصواتاً تفضيلية لأي من المرشحين غير العلويين، إلاّ فيما ندر، وبأعداد قليلة جداً، والجداول التي تنشرها «التمدن» في هذا العدد تبرهن هذا الأمر. وهذا يعني ايضاً ان نسبة المقترعين العلويين كانت متدنية جداً، مثلها مثل نسبة  المقترعين في طرابلس عامة، فمن أصل 139،16 ناخباً علوياً في مدينة طرابلس لم يقترع أكثر من 6000 ناخب، أي حوالي 37٪ فقط. وقد توزعت أصواتهم بمعظمها بين عمران ودرويش، والقليل لمرشحين آخرين علويين ومن طوائف أخرى.

ومن الأرقام التي كانت مفاجئة في هذه الانتخابات ما حصل عليه الوزير فيصل كرامي وهي 7126 صوتاً في طرابلس فيما كان متوقعاً ان يحصل على رقم ادنى (لم يعطه العلويون أصواتاً تفضيلية كما كان يُقال).

لكن المفاجأة الأكبر كانت في عدد الأصوات التي نالها الوزير السابق أشرف ريفي، وكذلك أصوات أعضاء لائحته واللائحة عموماً. فكما كان مفاجئاً في العام 2016  النجاح الذي حققه ريفي في الانتخابات البلدية كان مفاجئاً أيضا، لكن بالاتجاه المعاكس، ما أسفرت عنه انتخابات 2018 النيابية، فقد حصل ريفي على 5931 صوتاً فقط،  وحصلت اللائحة على 9656 صوتاً، أي أقل من الحاصل الانتخابي بحوالي 3500 صوت. ويستعد وزير العدل السابق لتقديم طعون تتعلق بتجاوزات، يقول انها موثقة وتُظهر مخالفات وتبديل محاضر وصناديق ومحتويات ومغلفات في الصناديق وانتخاباً عن أناس غائبين وتلاعباً بالأرقام وبأصوات المقترعين، بحيث يختفي صوت هنا ويظهر صوت هناك.

في الضنية كان أيضاً مفاجئاً الرقم الذي حصل عليه النائب السابق جهاد الصمد وهو 11897 صوتاً، فيما كان يُعتقد بأن قوة الصمد الانتخابية لا تزيد عن 6000 صوت، وقد استفاد النائب السابق من كون لائحته لا تضم مرشحاً آخر من الضنية، ومن كون مرشحَي «المستقبل» ليسا من النوع «المقاتل»، ومن كون  ما قيل إنها «خيانة» من جانب مرشح «العزم» جهاد يوسف للائحته، قبل ساعات من الانتخابات، والتحاقه بـ «المستقبل»، جعلت معظم أهالي بلدته قرصيتا والذين كانوا يؤيدونه يختارون الانضمام إلى صفوف المقترعين للصمد، في نوع من التحدي للمرشح يوسف، الذي أغضب الذين سبق وأيدوه، أكثر مما اغضب لائحة «العزم» ورئيسها.

في المنية، كشفت الانتخابات الأخيرة عن الوجه «المقاتل» للنائب كاظم الخير، الذي كان قد اعتبر ان «المستقبل» والرئيس سعد الحريري قد خاناه، قبل ساعات قليلة من إعلان لائحة «المستقبل»، وبعد مهرجان كبير كان قد أقامه دعماً للحريري في المنية. موقف «المستقبل» هذا أخرج من داخل النائب الشاب كل ما يوجد من تحدٍ صارخ ومن إحساس بالإهانة التي تستوجب الرد، فحصل على 6740 صوتا، فيما حصل المرشح الفائز عثمان علم الدين على 10221 صوتاً. وأهمية ما فعله الخير هي في أنه أعطى لائحة «العزم» هذه الأصوات، فيما لم تكن لرئيسها ميقاتي قواعد بهذا الحجم في هذه المدينة من قبل. وهذا ما دفع رئيس الحكومة السابق إلى القول في مهرجان حاشد أقامه الخير بعد الانتخابات: «أنا عندي ولدان هما مالك وماهر، والآن أصبح عندي ثلاثة أولاد، والثالث هو كاظم، أما السبب فهو انه أول شخص يرفع أعلام «العزم» بهذا الشكل وبهذه القوة في مدينة المنية».

أخيرا، لا بد من تسجيل خيبات، في دائرة الشمال الثانية، وسببها اعداد الأصوات التي حصل عليها مرشحون معتبرون، مثل: نعمة محفوض، ليلى شحود، محمد الجسر، رشيد المقدم، توفيق سلطان، صفوح يكن، محمد سلهب، مصباح الأحدب.

اما الخيبة الكبرى فكانت في أعداد الاصوات التي حصل عليها مرشحو «المجتمع المدني»، بجناحيه «المستقل» و«كلنا وطني»، مع تسجيل تميّز حقيقي للمرشح الشاب يحيى مولود (على لائحة «كلنا وطني»)، والذي حفلت حملته الانتخابية بمواقف جريئة، تدعو إلى دولة المواطنة والمساواة في الحقوق، والى محاربة الفساد، وقد حصل مولود على 909 أصوات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.