القدس مدينة الله على الأرض

توصيف أطلقه الراحل الكبير الأستاذ غسان التويني، وكان برأيه المستنير، يرى ان الصراع حول القدس، سيبقى مستمراً قياساً على التعنت الإسرائيلي الذي لا يريد لبقية الديانات السماوية مشاركته في قدسية هذه المدينة، والتي تشكل رمزية دينية للطائفتين المسيحية والإسلامية لا يمكن تجاوزها.
الكونغرس الأميركي شرّع قانوناً منذ 1995 يُجيز بموجبه نقل السفارة الأميركية إلى القدس كونها عاصمة دولة إسرائيل، وأجاز من ضمنه للرئيس الأميركي، اتخاذ القرار في الوقت المناسب. وهكذا تعاقب عدة رؤساء أميركيين على سدة الرئاسة، وكان كل واحد منهم يؤجل تنفيذ نقل السفارة الأميركية إلى القدس، لأن الإدارة الأميركية، كانت تعلم مدى سلبية هذا النقل، لكن «دونالد ترامب» لم يتردّد في اتخاذ القرار، وكان السادس من كانون الأول 2017، هو اليوم الموعود من قبله، كونه التزم بذلك في حملته الانتخابية، ووفى بوعده. لكن على حساب ماذا؟
سرعان ما نجيب بأنه بالدرجة الأولى جاء على حساب الاتفاق الدولي بعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، بالرغم من أن هذه الأخيرة قد قامت بخطوات متعددة من شأنها وضع العالم أمام الأمر الواقع، لجهة ان القدس هي عاصمة إسرائيل. وبالدرجة الثانية على حساب مشاعر كل المسلمين حول العالم – ومن بينهم المسيحيين في الدول العربية لعدم قدرتهم على زيارة القدس – وأشدّد هنا على مسألة تجاوز «ترامب» لمواقف الأنظمة العربية، التي بمعظمها لن تقوم بأكثر مما سمعنا من مواقف شاجبة لقرار «ترامب»، وبالدرجة الثالثة على حساب القرار الدولي الذي يعترف بطبيعة القدس والحفاظ على الأقل على الواقع المعيوش فيها، من وجود قُدسين (شرقية للفلسطينيين وغربية للإسرائيليين).
فعلاً لقد جاء قرار «ترامب»، ليضع كل المشرق العربي على فوهة بركان، جاعلاً من مدينة الله السبب الأساسي لزعزعة المنطقة برمتها. لكن المتابع لخلفيات هذا القرار، خاصة من خلال الصحافة الأجنبية وتحديداً الفرنسية – وبعض الصحافة الأميركية – يقتنع ان قرار «ترامب» جاء على خلفية التملص من أزمة داخلية يعيشها الرئيس الأميركي في الوقت الحاضر بسبب تقدم التحقيقات من قبل المحقق الخاص بقضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية التي أوصلته إلى سدة الرئاسة، إضافة إلى تدني شعبيته إلى حد 33٪ فقط (نسبة غير مسبوقة في التاريخ الأميركي مع السنة الأولى لولاية الرئيس الأميركي). هذا الرأي عبّرت عنه الجريدة الفرنسية «ليبراسيون» وان جاء هذا الرأي في الصفحة 23، وذلك بالقول:
Une décision’attention»
« pour détourner l،
شارحة في صفحتين الأسباب التي اختصرناها أعلاه. لا أحد يمكنه التكهن بتداعيات هذا القرار في هذه المرحلة الحاسمة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والسعي للخروج من عنق الزجاجة بالنسبة للأزمة الفلسطينية المستمرة منذ نكبة 1948.
لقد تمت تسريبات صحفية عن تقدم في مساعي المصالحة العربية الإسرائيلية، تمهيداً للوصول إلى حل نهائي لهذه الأزمة المُزمنة، لكن السؤال الجوهري هل قرار «ترامب» سيساعد في بلورة ايجابية لتلك المساعي، بكل تواضع نقول كلا بالمطلق لأن من تابع الفضائيات العربية، يتأكد من وجود رفض قاطع لكل تلك الأنظمة العربية لخطوة «ترامب»، المقرونة بثورة غضب عارمة من قبل شعوب تلك الدول، حتى منها تلك التي تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل (مصر والأردن) مما يعني ان المفاوضات السرية الجارية ما بين إسرائيل وتلك الأنظمة لا بدّ أن تتوقف إن لم نقل تُلغى من أساسها.
في معرض هذا التقييم استوقفني رأي لمؤرخ فرنسي متخصص بتاريخ مدينة القدس «Vincent Lemire» وهو مقيم فيها، يختصر من خلال تأكيده على ان القدس ومنذ 2000 سنة لم تكن عاصمة لأي دولة، فقط كانت كذلك في مرحلة الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر، وكانت تحافظ على وضع إداري معين، خلال سيطرة الإمبراطوريات الكبرى (العثمانية والانكليزية) على تلك المدينة، ولم يجعلوا منها مركزاً سياسياً. لماذا؟ لأنهم كانوا يحاذرون المساس بالواقع المشتعل للقدس المرتبط بوجود الأماكن المقدسة فيها.
تأسيساً على كل ما ورد أعلاه، والتداعيات التي نتجت عن هذا القرار، نسأل الرئيس «ترامب» هل كان يتوقع الذي حصل بعد قراره الشهير المتعلق بالقدس؟
وإذا كان لا يدري! أين هم من يتمتعون بالرأي الحكيم ضمن «الاستبليشمن» الأميركي، لنصحه حول خطورة مثل هذا القرار. لتبقى القدس أقله الشرقية خارج تلك التجاذبات، والإبقاء عليها مدينة الله على الأرض، لكي تبقى هناك بارقة أمل بأن المسألة الفلسطينية ستُحل في البعيد المنظور.