طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

المصفاة تستعد لتزويد محطة الكهرباء بالغاز، ولتأمين الغاز المنزلي، ولاستقبال كميات ضخمة من المحروقات لخلطها وإعادة تصديرها

مصفاة طرابلس كانت في الأساس مصباً لتصدير النفط العراقي الخام عبر البحر الأبيض المتوسط، أنشىء عام 1931، ولذلك كان اسمها «شركة نفط العراق»، بعدها أضيفت إليها وحدة تكرير (مصفاة). وأملاك هذه المنشآت كانت تملك قسماً منها «شركة نفط العراق» والقسم الآخر تملكه «شركة أنابيب المتوسط»، وقد عاشت المصفاة عصراً ذهبياً وكانت تملك أملاكاً شاسعة، وكانت محطة مشرقة في تاريخ القطاع النفطي في لبنان».

ثم جاءت عوامل عديدة لاحقاً أثرت على الوجه المشرق للمصفاة التي كانت تملك الكثير من العقارات ولم تكن للتكرير حصراً، مثلاً كانت تملك مطار «القليعات» وتستخدمه لتنقل إدارتها بين «حيفا» و«بانياس» و«لندن» و«العراق»، وأيضاً كانت تملك ما أصبح لاحقاً «ثكنة عرمان» للجيش اللبناني والتي كانت مخصصة لقطع الغيار للمصفاة، ومبنى «مستشفى المظلوم» كانت لمنشآت النفط في طرابلس وكذلك تلة «المون ميشال» التي يقام عليها كليات الجامعة اللبنانية (المبنى الجامعي الموحد)، وعقارات أخرى من شاليهات وخلافه، كما أنشئت محطة الكهرباء في دير عمار على 250 ألف متر من أملاك المصفاة والمحطة الثانية التي ستُنشأ أيضاً ستكون على أرض كانت تملكها المصفاة.

ماذا الآن؟ وكيف يمكن اعادة تشغيل المصفاة «ولو من الموجود… جود» كما يقول المثل، الى حين اتخاذ الدولة قراراً شجاعا ببناء مصفاة حديثة مكان المصفاة الحالية التي اصبحت «خردة؟

المدير العام لمنشآت النفط في لبنان سركيس حليس أكشف لـ «التمدن» انه يجري العمل حالياً على مشروعين، يشرح فحواهما كما يلي: «الأول: سنتلقى في 21/11/2018 عروض مناقصة لاستيراد ثلاث بواخر غاز ثابتة، واحدة منها ترسو قبالة طرابلس لتغذية معمل كهرباء دير عمار، ولاحقاً إنشاء خط ساحلي قد نحتاجه لتوزيع الغاز المنزلي على المدن والبلدات في المنطقة، وهذا المشروع يوفر على لبنان ملايين الدولارات، وهذه البواخر عبارة عن محطات «تغويز» وسيقوم عمال منشآت طرابلس بتحويله إلى غاز سائل، وهناك إقبال كبير من كبريات الشركات العالمية على تقديم عروضها.

الثاني: بموازاة الفائض في تكرير النفط في العالم هناك حاجة لتخزينه في مجمعات نفطية لمزج المحروقات وإعادة تصديرها. طرابلس تشكل  موقعاً استراتيجياً مهماً على هذا الصعيد نظراً لقربها من أوروبا أولاً، ولأنه سيعاد وصل المصب بحقول نفط العراق عاجلاً أم أجلاً، والشركات مهتمة بأن يكون لها موطىء قدم في منشآت طرابلس، كي يتم تصدير النفط العراقي عبر البحر المتوسط. أجرينا لهذه الغاية مناقصة إشتركت فيها شركات عملاقة عالمية، وقد فازت بالمناقصة شركة نفط روسية «روز نفت»، ونحن حالياً في طور وضع اللمسات الأخيرة على العقد، وفور توقيعه سوف تنطلق ورشة إعادة بناء الخزانات كما كانت في العصر الذهبي، كي تستقبل كميات ضخمة من المحروقات لخلطها وإعادة تصديرها، وسنكون أمام حركة نفط هائلة في منشآت طرابلس إذا وصلنا إلى الخواتيم السعيدة».

في هذا العدد ملف عن مصفاة النفط في طرابلس:

المدير العام لمنشآت النفط في لبنان سركيس حليس متحدثاً الى «التمدن»

للإضاءة على واقع مصفاة النفط في طرابلس والخطط المستقبلية المنوي تنفيذها أجرت «التمدن» حواراً مع المدير العام لمنشآت النفط في لبنان سركيس حليس الذي أوضح «أن عاملين أساسيين كانت لهما تداعيات سلبية على منشآت طرابلس هما: الحرب وتوقف ضخ النفط العراقي الخام عبر الأنابيب إليها، وما يزال أنبوب نقل النفط موجوداً حتى اليوم يمتد من كركوك إلى حمص ومنها إلى طرابلس وبانياس».

وأوضح «أن العديد من عقارات المصفاة استملكتها الدولة اللبنانية، ومنذ فترة قصيرة قمنا بنقل ملكية ما تبقى من عقارات من «شركة نفط العراق» و«شركة أنابيب المتوسط» إلى قسم «منشآت النفط – وزارة الطاقة اللبنانية».

وحدة التكرير «خردة»

وعما تقوم به منشآت طرابلس حالياً قال حليس: «وحدة التكرير لم تعد تعمل لا بل أصبحت خردة، وكل ما نسمعه من مطالبة بإعادة تشغيلها بلا معنى لأنها لم تعد صالحة لتكرير النفط بتاتاً، وأي تكرير يقتضي بناء وحدات من جديد.

وبما ان البنى التحتية قائمة وسليمة وفي مقدمها الخزانات فإن الدولة تستورد، عبر المنشآت، المازوت والفيول، ويتم توزيعها للسوق اللبنانية، واعتباراً من أول تشرين الأول توقفنا عن إستيراد المازوت الأحمر ونستورد المازوت الأخضر. ومنشآت طرابلس تمتلك مختبرات مركزية، وكل المشتقات النفطية التي يستوردها القطاع العام والقطاع الخاص يتم فحصها في هذه المختبرات، التي تُعد الأفضل على حوض البحر الأبيض المتوسط، للتأكد من مطابقتها للمواصفات اللبنانية قبل السماح بدخولها الأسواق المحلية».

خط الغاز

وأشار إلى «أن منشأت النفط في طرابلس شاركت في تمديد خط النفط العربي الممتد من مصر إلى لبنان حيث قامت ببناء الجزء الممتد من الحدود السورية اللبنانية إلى محطة كهرباء دير عمار (29 كلم)، وعبر الخط تم استيراد الغاز المصري الطبيعي سنة 2009 لتشغيل معمل الكهرباء الحراري».

وأكد حليس أن «المصفاة كوحدة تكرير لم تعد قائمة، أما كوحدة تخزين إستراتيجي للنفط المكرر فهي تقوم بدورها (تخزين وتوزيع) بالإضافة إلى المختبر».

حليس: سوف تنطلق ورشة إعادة بناء الخزانات كما كانت في العصر الذهبي

الموظفون والعمال

ورداً على سؤال: إذا كانت المصفاة قد أصبحت خردة منذ عشرات السنين، ما هو مبرر بقاء العاملين فيها في وظائفهم، لا بل يقال انه جرى ويجري توظيف عاملين جدد، فكيف ذلك؟

أجاب المدير العام سركيس حليس: «صحيح ان التكرير لم يعد قائماً ولكن هناك إستيراد المازوت والفيول يتطلب وجود موظفين يقومون باستقبال البواخر وتفريغها وتوزيعها. في الماضي كان ملاك المصفاة 4000 موظف، حالياً العدد 260 موظفاً، وهناك موظفون لتشغيل المختبرات أيضاً، وكذلك من يقومون بالأعمال الإدارية (محاسبة وغيرها).

وللعلم فإن موظفي المنشآت لا يشكلون عبئاً على خزينة الدولة لأن رواتبهم من أرباح المتاجرة بالمشتقات المستوردة بل يحققون أرباحاً للدولة».

الجدوى من المصافي

وعن أسباب عدم قيام الدولة بإنشاء مصفاة جديدة لتكرير النفط الخام بدل إستيراد المشتقات النفطية بعد تكريرها، وأيهما أوفر على الخزينة العامة وعلى المستهلك، قال: «من يريد إنشاء مصفاة عليه دراسة الجدوى منها أولاً، فالمصفاة التي كانت قائمة كانت تكرر يومياً 21 ألف برميل، هذه الكمية لم تعد كافية في الوقت الحالي، إذا أردنا إنشاء مصفاة يجب أن تكفي حاجة لبنان وأكثر مع مراعاة ارتفاع الطلب مستقبلاً، وأية مصفاة بهذه المواصفات تكلف ما لا يقل عن 6،1 مليارات دولار أميركي، وهذا المبلغ ليس متوفراً لدى الدولة التي حاولت تأمينه عن طريق نظام  Bot(الممول يستثمرها لمدة 25 سنة)، ولكن لا أهتمام في العالم بالتكرير نظراً لوجود فائض كبير في عدد المصافي وانتاجها، ولذلك هناك مصافٍ تتوقف عن العمل».

مصير العرض القطري

وعن العرض القطري قال: «في كانون الثاني 2006 وقّعت مع القطريين إتفاقية تتيح لهم إجراء دراسة اقتصادية لمشروع المصفاة، وقد تبين وجوب بناء مصفاة بحجم 140 ألف برميل يومياً بكلفة تزيد عن مليار ونصف المليار دولار كي تتوفر الجدوى الاقتصادية، في تلك الفترة صار هناك فائض في المصافي في العالم فصرف القطريون النظر عن المشروع الذي كان يتضمن إنشاء 3 مصافٍ في لبنان وتونس وبنما».

أضاف: «قامت الإدارة بمراسلة العديد من الشركات وهناك عشر منها دخلنا في مفاوضات معها وكلها إعتبرت ان لا جدوى من الاستثمار في المصافي في العالم وليس في لبنان وحده. مثلاً إشترت الكويت مصفاة بقيت عشر سنوات في المرفأ دون تركيب. والحديث عن شراء مصفاة مستعملة يعني دفع أموال بلا فائدة مع ما تسببه من تلوث بيئي، فالأمر لا يقتصر على الكلفة فحسب بل يشمل الانتاج وحجمه وكلفته والموضوع البيئي…».

الرواسب النفطية

وعن مسألة رمي الرواسب النفطية بعد تنظيف الخزانات في حفر ما يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية أوضح حليس «أن الخزانات يتم تنظيفها من بقايا المازوت الأحمر لتعبئتها بالمازوت الأخضر، وكل البقايا يتم جمعها في خزانات وليس في حفر. هناك حفرة واحدة أُنشئت أيام الانكليز لتجميع بعض المواد وهي مدروسة بعناية ولا تصل إلى المياه الجوفية، نضع فيها بعض المواد مؤقتاً تمهيداً لنقلها إلى خزانات، والمنشآت لا تسبب أي تلوث، ونحرص على عدم تلويث البيئة وهذا كان الدافع لاستيراد المازوت الأخضر بدل الأحمر».

تجربة إستجرار الغاز

وأكد «ان تجربة إستجرار الغاز المصري إلى معمل كهرباء دير عمار كانت رائدة جداً ما بين 2009 و2010، فقد استوردنا الغاز لإيقاف حريق المازوت في المعمل، حيث استوردنا نصف الكمية المتعاقد عليها، كان متوسط الوفر باستعمال الغاز المصري بدل المازوت ما معدله حوالي 418 ألف دولار يومياً، عدا عن تجنب التلوث البيئي بسبب إستعمال المازوت».

المستقبل بعد إستخراج النفط

وعن موقع مصفاة طرابلس عندما يبدأ لبنان استخراج النفط والغاز وكيفية الاستفادة منه قال: «من المتوقع ان يبدأ «التحالف» الذي وقع اتفاقاً مع لبنان بالاستكشاف في أواخر العام 2019، فقبل معرفة ما سوف يُكتشف لا تضع الشركات خططاً للعمل، فقد يُكتشف النفط عندها يتقرر إما بيعه أو تكريره في لبنان، وقد يُكتشف الغاز الذي لا يحتاج  أصلا إلى مصفاة، علينا الانتظار سنة وبناء عليه تُبنى الاستراتيجية المناسبة.

إذا إكتشف النفط فإن موقع مصفاة طرابلس الاستراتيجي وخزاناتها وعمالها على إستعداد لاستقباله، أما إذا إكتشف الغاز، إما يتم تصديره عبر الأنابيب أو تحويله إلى غاز سائل يحتاج لمحطات على الأرض، يمكن عندها الاستفادة من موقع المصفاة».

باخرة غاز ثابتة

وأوضح المدير العام «أننا نعمل على مشروعين:

الأول: سنتلقى في 21/11/2018 عروض مناقصة لاستيراد ثلاث بواخر غاز ثابتة، واحدة منها ترسو قبالة طرابلس لتغذية معمل كهرباء دير عمار، ولاحقاً إنشاء خط ساحلي قد نحتاجه لتوزيع الغاز المنزلي على المدن والبلدات في المنطقة، وهذا المشروع يوفر على لبنان ملايين الدولارات، وهذه البواخر عبارة عن محطات «تغويز» وسيقوم عمال منشآت طرابلس بتحويله إلى غاز سائل، وهناك إقبال كبير من كبريات الشركات العالمية على تقديم عروضها..

محطة تخزين ضخمة

الثاني: بموازاة الفائض في تكرير النفط في العالم هناك حاجة لتخزينه في مجمعات نفطية لمزج المحروقات وإعادة تصديرها. طرابلس تشكل  موقعاً استراتيجياً مهماً على هذا الصعيد نظراً لقربها من أوروبا أولاً، ولأنه سيعاد وصل المصب بحقول نفط العراق عاجلاً أم آجلاً، والشركات مهتمة بأن يكون لها موطىء قدم في منشآت طرابلس، كي يتم تصدير النفط العراقي عبر البحر المتوسط.

أجرينا لهذه الغاية مناقصة إشتركت فيها شركات عملاقة عالمية، وقد فازت بالمناقصة شركة نفط روسية «روز نفت»، ونحن حالياً في طور وضع اللمسات الأخيرة على العقد، وفور توقيعه سوف تنطلق ورشة إعادة بناء الخزانات كما كانت في العصر الذهبي، كي تستقبل كميات ضخمة من المحروقات لخلطها وإعادة تصديرها، وسنكون أمام حركة نفط هائلة في منشآت طرابلس إذا وصلنا إلى الخواتيم السعيدة، عندها سوف نحتاج إلى عدد أكبر من الموظفين».

ثقة عالمية بالمختبرات

وعن مختبرات منشآت طرابلس قال: «هي من أهم المختبرات على حوض البحر المتوسط والأكثر ثقة لدى الآخرين نتيجة تطويرها المستمر وكفاءة الموظفين فيها. وآية إختلافات يتم اللجوء لهذه المختبرات، وهناك عقود اشتراك مع دول أوروبية للتأكد دائماً من تصنيفنا بشكل شهري، ودائماً تأتي الشهادات ممتازة».

وأوضح ان في المختبرات كفاءات ومتخصصين في علوم الكيمياء، وفي حال تقاعد أي فرد منهم نحتاج لسد الفراغ بالكفاءات وليس بالكميات، وهذه حقيقة وليس كما يحلو للبعض الحديث عنه حول التوظيفات.

أتمنى دعم السياسيين

وأتمنى، عبر «التمدن»، على السياسيين دعم المنشآت والوقوف إلى جانبها في مشاريعها، فبقدر ما نجلب مشاريع تكبر المنشآت وبذلك توفر خدمات وفرص عمل، وان لا ينظر السياسيون إلى المنشآت كباب للخدمات والتوظيفات التي يريدون».

أضاف: «عندما قررت الدولة التنقيب عن النفط لم يكن لديها أي قانون أو مراسيم وخطة، وقد تم تكليف جهاز المنشآت القيام بذلك، وقد كنت منسق الفريق الذي إشتغل مع الحكومة النروجية على وضع القوانين الحديثة لإطلاق عملية التنقيب، وهكذا كانت المنشآت المنصة الرئيسية التي حضّرت كل ذلك.

الحماية من الاحتكار

كما ان وجود المنشآت يشكل الضمان والأمان الذي يحمي المواطن من إحتكار القطاع الخاص للمحروقات مع تقديرنا له، والدليل ان الشركات الخاصة لم تعد تهدد بالاضرابات منذ وقت بعيد لأننا، بعد تأهيل المنشآت، أرسينا معادلة تفيد ان أي تهديد من شركات خاصة ستقوم المنشآت بالاستيراد وتلبية حاجة السوق، هذا التوازن أرسته المنشآت التي ان سقطت سنرى تعاملاً آخر من القطاع الخاص».

وأكد «ان «خردة» المصفاة سوف تزال يوماً ما، لكن بعد تأمين البديل، وكي لا نفتح باباً للتساؤلات والتشكيك حول كيفية بيعها وسعرها… عندما يتقرر تركيب منشآت جديدة تُزال القديمة ولا داعي لفتح بازارات وخبريات اليوم».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.