طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

فلسطين… الجغرافيا في خدمة التاريخ

المسجد الاقصى

في كتابه «الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان» الذي صدر عام 7791 عن «دار النهار»، يركز زين نورالدين زين على أهمية الجغرافيا وأهمية الدور الذي تلعبه في فهم التاريخ فهماً واعياً، وأهمية الدور الذي يلعبه الموقع الجغرافي في مشكلات العالم.

ويوم كان الرئيس الأمريكي «روزفلت» يهم بتوجيه خطابه الشهير في 23 شباط  1942م، بعد ضرب الأسطول الأمريكي في «بيرت هاربر» من قبل اليابان، وجه المعلّق نصيحة إلى المستمعين في الولايات المتحدة، وفي كل العالم، بضرورة أن يتابعوا الخطاب وبيدهم خريطة العالم.

الشرق الأدنى وعبارات وُصِفَ بها

ومنطقة الشرق الأدنى، التي تشمل بلاد الشام والجزيرة العربية، وبلاد ما بين النهرين (Misopotamia) تعتبر من أهم المواقع الجغرافية الاستراتيجية في التاريخ، قديماً وحديثاً، ولعل نظرة في العبارات التي كانت تُطلق في وصف المنطقة في القرن التاسع عشر من قبل راسمي السياسات، مثل:

– «جسر إلى آسيا»

 «طريق حيوي للإمبراطورية البريطانية»

 «الشريان الرئيس للمواصلات بين أوروبا وآسيا»،

تظهر لنا تلك الأهمية البالغة لهذه البقعة الجغرافية.

ساحة معارك ومعترك فكر

وما أظن أنه يوجد بقعة في الأرض كلها جرت عليها حروب مفصلية، وتقلبت عليها إمبراطوريات مثل منطقة الشرق الأدنى، فهذه المنطقة كانت أبداً ساحة معركة للجيوش، كما أنها كانت معتركاً للفكر.

الشيخ الدكتور ماجد درويش

«إن جميع الآثار التاريخية في الشرق الأدنى، سواء كانت أبنية، أم أنصاباً، أم هياكل، أم قبوراً، أم نقوشاً، جميعها علامات بارزة لفاتحٍ، أو لقاهرٍ.

وكم كان الكاتب الألماني «أرنست جاخ» مصيباً عندما كتب مقالاً في جريدة «دوتشيه بوليتيك» الصادرة بتاريخ 22 كانون الأول 1916م، يقول فيه:

«إن الحرب تأتي من الشرق، والحرب ستندلع بسبب الشرق، وتُحسم في الشرق»

تشرشل

من هنا نفهم ما قاله الزعيم البريطاني «تشرشل» يوم كان كولونيلاً في الجيش البريطاني:

«إذا كانت بريطانيا ترغب في الحفاظ على سيطرتها في الشرق ينبغي لها، بشكل أو بآخر، أن تُدخِلَ سوريا ومصر في نطاق نفوذها وسيطرتها»

السفير في إسطنبول

ومن قبله، في سنة 1860 م، كتب السير «هنري بُوْلْوُر» ، السفير البريطاني في اسطانبول يومها إلى اللورد «ج. راسل» وزير الخارجية البريطاني يقول له:

«… تعلمون سيادتكم أن سوريا كانت دائماً تعتبر، لدى أولائك الذين أنشأوا امبراطوريتهم في الشرق، المرتكزَ الخاص الذي يبنون عليه أي تخطيط عتيد للفتوحات الشرقية، فهي في الواقع حلقة اتصال بين إفريقيا من جهة، وآسيا من جهة أخرى» (وأيضاً يقصد بسوريا بلاد الشام).

لماذا كانت هذه المقدمة

هذا الكلام يعطينا فكرة واضحة عن مدى الأهمية الجغرافية لبلاد الشام، وهي مقدمة لا بد منها لفهم خلفية الصراع القائم اليوم على ترابها من العريش إلى الفرات، والذي تُعتبر فلسطين بعامة، وبيت المقدس بخاصة، نقطة الارتكاز فيه اليوم، وبالأمس، وغداً.

توجهات نبوية سبقت فتح القدس على يدي الصحابة الكرام

فبالأمس البعيد نسبياً نذكر فتح بيت المقدس على يدي الصحابة الكرام، وما سبق تحريرها من توجيهات نبوية تبين أهمية هذه البقعة الجغرافية في المنظومة الدينية التاريخية من لدن آدم عليه السلام، وصولاً إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

هذه التوجيهات التي تظهر بوضوح أن القدس هي محور الصراع وخاصرة الجهاد المفتوح حتى يأذن الله سبحانه وتعالى.

ما رواه عبدالله بن عمر

ومن هذه التوجيهات ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

«تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر فيقول يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله»

مع ما جاء من أحاديث تتكلم عن الطائفة المنصورة في بيت المقدس وأكنافه.

سقوط مع «الفرنجة» وتحرير مع صلاح الدين

وبعده نستذكر سقوط بيت المقدس بيد الفرنجة (الصليبيين)، ثم تحريرها على يد جيش الناصرلدين الله صلاح الدين الأيوب

واليوم سقطت بنكهة يهودية

واليوم نتكلم عن سقوطها من جديد تحت الاحتلال الفرنجي بنكهته اليهودية.

وفي كل هذه الحركة التاريخية يلاحظ أن الدين هو المحرك الأساس فيما يتعلق بالقدس، سواء عند المسلمين أم الفرنجة أم اليهود، وبالتالي لن يحررها اليوم إلا البُعد الديني.

هذه الحركة التاريخية التي تعتبر القدس مرتكزها هي خير دلالة على أهمية الجغرافيا في التخطيط الاستراتيجي.

أمران أساسيان

ونحن عندنا في السُّنَّةِ النبوية نصوص كثيرة توجه الاهتمام إلى بلاد الشام وأنها عقر دار المؤمنين، ويكفي أن نذكر حادثة الإسراء والمعراج والآيات التي نزلت فيها لندرك أمرين أساسين:

الأول

– الأول: أهمية القدس الدينية والاستراتيجية.

الثاني

– والثاني: أن الصراع حول هذه البقعة سيكون – بحسب زمن نزول آيات «سورة الإسراء»  مستقبلاً مع الذين ينسبون أنفسهم إلى نبي الله تعالى إسرائيل (يعقوب) عليه السلام.

فالآيات في «سورة الإسراء»، والتي تُسمى أيضاً بسورة بني إسرائيل، تكلمت عن هذا الصراع في وقت لم يكن لأدعياء اليهودية وجود في فلسطين، ثم تأتي الأحاديث التي تتكلم عن الطائفة المنصورة التي لا تزال تقاتل على الحق وأنها في بيت المقدس وأكنافه، فإذا ضممنا إليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تقاتلكم اليهود فتُسلطون عليهم …» الحديث، علمنا أن المعارك التي تدور حول بيت المقدس في زماننا ستكون مع اليهود، هؤلاء الأدعياء الذين يتوسلون لمزاعم أحقيتهم بالأرض مستندات دينية وتاريخية مخترعة ترتكز على مفهوم الجغرافيا (أرض الميعاد).

وهم كاذبون في اعتبار فلسطين أرض الميعاد، لأن كل من درس تاريخ نصوص التوراة يدرك أن «أرض الميعاد» هي وعد الله تعالى لعباده المؤمنين بالجنة، وهو أمر بشّر الله تعالى به على لسان كل الأنبياء والمرسلين، وليس خاصاً بهم.

تبقى الجغرافيا وغولدمان لماذا إختيار فلسطين؟

وتبقى الجغرافيا… نعم… جغرافيا الموقع الذي تتمتع به فلسطين، وهو ما صرح به دون لبس رئيس المؤتمر الصهيوني «ياحوم غولدمان» في محاضرة ألقاها في منتريال بكندا سنة 1956 بعيد توليه رئاسة المنظمة الصهيونية، عندما صرح قائلاً:

«لم يختر اليهود فلسطين:

– لمعناها التوراتي والديني بالنسبة إليهم،

– ولا لأن مياه البحر الميت تعطي بفعل التبخر ما قيمته ثلاثة آلاف مليون دولار من المعادن وأشباه المعادن،

– وليس لأن مخزون أرض فلسطين من البترول يعادل عشرين مرة مخزون الأمريكيتين مجتمعتين،

لهذه الأسباب

بل:

– لأن فلسطين هي ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا،

– ولأن فلسطين تشكل بالواقع نقطة الإرتكاز الحقيقية لكل قوى العالم،

– ولأنها المركز الاستراتيجي للسيطرة على العالم»

وقفة السلطان عبدالحميد

هذا البعد الاستراتيجي لم يكن غائباً عن ذهن السلطان عبدالحميد الذي وقف سداً منيعاً في وجه السيطرة الإفرنجية على فلسطين تحت غطاء «الوطن القومي اليهودي»، ودفع ثمن ذلك عرشه.

حكّام يدعون المواجهة وهم أعوان مشروعهم

لكنه غائب اليوم عن ثقافة حكام يدعون مواجهة المشروع الصهيوني والذين هم حقيقة أعوان للمشروع الصهيوني، الذين جاءت بهم اتفاقية «سايكس – بيكو» حراساً أمناء على الخارطة الجديدة للوطن العربي.

إذ من المعلوم ان الحرب العالمية الأولى انتهت عام 1917 بانتصار الحلفاء على ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية،

ومن ثم دخلت جيوش الحلفاء أراضي السلطنة التي كانت دولة واحدة، وما لبثت حروب التحرير والاستقلال أن نشبت، فانتهت بجلاء الاستعمار عن (22) اثنتين وعشرين دولة، يعني: حروب الاستقلال طبقت خارطة سايكس – بيكو بأيدينا دون أن يتكلف الغرب عليها كثيراً، وحكامنا اليوم هم أمناء على هذه الخارطة.

وتبقى القدس المحور

ولا يزال الصراع محتدماً، ولن يزال حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وتبقى القدس هي المحور، فما نجده في بلادنا اليوم من تأجيج للخلافات العرقية والأثنية والمذهبية ما هو إلا إحدى الخطط الأساس عند المستعمرين القدامى – الجدد للحفاظ على سيطرتهم على المنطقة من خلال إحكام السيطرة على القدس الذي عنوانه:

«أمن الدولة العبرية»

غولدمان: لبقاء إسرائيل تفسيخ الشعب حولها وإقامة «دول أقليات»

وهو ما صرح به أيضاً وأيضاً «ياحوم غولدمان» في مؤتمر المثقفين اليهود الذي عُقِد في باريس سنة 1968م، وذلك عقب انتصارهم في حرب ال 67، عندما قال:

«إذا أردنا لإسرائيل البقاء والاستمرار في الشرق الأوسط علينا أن نُفَسِّخَ الشعوب المحيطة بها إلى أقليات متنافرة تلعب إسرائيل من خلالها دوراً طليعياً،

وذلك بتشجيع:

– قيام دويلة علوية في سوريا،

– ودويلة مارونية في لبنان،

– ودويلة كردية في شمال العراق»

نجاح مرحلي

وأظن أن نظرة، ولو سريعة، إلى تشكيل المنطقة اليوم وتطورات العلاقة مع الدولة العبرية يعطينا فكرة عن مدى النجاح الذي حققته هذه الاستراتيجية في هذه المرحلة ولغاية الآن.

ودور «الربيع العربي»

حتى الربيع العربي، هذا العنوان الواعد في ظاهره الذي يرنو إلى «ربيع براغ»، والمؤلم في حقيقته وواقعه، ما هو إلا وسيلة لإعادة تشكيل المنطقة من جديد وفق رؤى تؤمن سيطرة الفرنجة الجدد (الأمريكان) وفق رؤاهم،

فدفعنا نحن الثمن غالياً:

قتلاً لأهلنا،

وتدميراً لبلادنا،

وتشريداً لشعوبنا،

لنحقق لهم رؤيتهم في «أمن الدولة العبرية» والذي ليس على الحقيقة إلا استدامة الاستعمار تحت رؤى جديدة.

لا تخافوا… بالرغم من الظاهر هذه الأمة لا تُهزم

كل هذا حقيقة واقعة ولكن أمتنا العظيمة مرت في تاريخها في فترات مماثلة وخرجت منتصرة رافعة راية الحق والعدالة…

نعود لنقول: اليوم، كل هذا حقيقة، ولكن لا ننسى الحقيقة الأساس وهي أن دولة العدو الإسرائيلي قامت منذ سبعين سنة.

– فهل نامت ليلة واحدة هانئة؟

– هل إستطاعت إقناع الناس.. أبناء هذه الأمة العظيمة بالقبول بها.

– وبالرغم من كل إتفاقيات الإذعان (إتفاقيات السلام المزعوم) هل إستطاع العدو الإسرائيلي إقناع إنسان شريف من أمتنا بقبول التطبيع معه؟

صمود شعب فلسطين هو «الحقيقة» «الحقيقية»

هذا الشعب العظيم في الداخل الفلسطيني وصموده هو الحقيقة – «الحقيقية» التي ستبقى وستنتصر.

أما حقيقة «إنتصاراتهم» فمرحلية وستنتهي كما إنتهت دائماً…

والتاريخ شاهد في الأمس واليوم وغداً بإذن الله.

_____________________________________________________

ماجد أحمد نيازي الدرويش

  • مدير مكتب مفتي طرابلس ولبنان الشمالي
  • مستشار المفتي للشؤون الدينية
  • أستاذ في «جامعة الجنان» – طرابلس
  • أستاذ في «الجامعة اللبنانية» الفرع الثالث – طرابلس*

تشرشل: «أنا صهيوني قديم وانا فخور بذلك»

محرر «التمدن»: بمناسبة الحديث عن تشرشل أذكر لتعريف الناس عليه أنه في 1953 قرر إعتزال السياسة وتوجه إلى أميركا للراحة وقال عند وصوله إلى نيويورك: «إني صهيوني قديم وأنا فخور بذلك وإني أطأ الآن أرضاً صهيونية».

هذا ما سمعته أنا بنفسي عام 1953 عبر إذاعة لندن  (الشرق الأدنى التي كانت تبث من القدس)  فقط ليعرف الناس من هو تشرتشل.

خارطة فلسطين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.