طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

قراءة في كتاب «الأثر الحميد» في مناقب الشيخ محمد رشيد

غلاف الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد: (الأثر الحميد في مناقب سيدنا الأستاذ الشيخ محمد رشيد) تأليف حفيده خادم الآثار النبوية، والإمام والمؤقت في الجامع الكبير المنصوري محمد رشدي بن خير الدين الميقاتي (توفي في العام 1350 هـ).

كتاب لطيف مفيد، يجمع فيه مؤلفه مناقب وأخبار عالم كبير من علماء طرابلس الشام، هو: الأستاذ الشهير، والقطب الكبير، والولي الصالح، الشيخ محمد رشيد الميقاتي (1198هـ – 1282 هـ)، إمام الجامع الكبير المنصوري، والمؤقت المعتمد فيه لأوقات الصلاة.

وصاحب هذا الكتاب هو الشيخ محمد رشدي ابن الشيخ خير الدين ابن الشيخ محمد رشيد الميقاتي، جمع فيه أخبار جده ومناقبه وأخلاقه حضًا للسالكين على التأسي به واقتفاء آثاره، ذلك أن أخبار الصالحين الأبرار فيها تهييج للقلوب الخالية، وتنشيط للنفوس وحضها على علو الهمة والاقتداء بطريق السابقين والاقتباس من مشكاة أنوارهم.

هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو سجل حافل دونت فيه أخبار مهمة تعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، الثامن عشر والتاسع عشر ميلاديين. كما حوى ذكر جماعة من أعيان طرابلس من أهل العلم والفضل، إضافة إلى أنه ملأ فجوة مهمة في تاريخ طرابلس تضاربت حولها المعلومات بسبب ما أصاب أجزاء من سجلات المحكمة الشرعية من تلف، بحيث صارت هناك فجوات في المعلومات الوقفية بسبب فقد أجزاء من السجلات. فجاء هذا الكتاب ليسد جزءًا من هذا الخلل.

مؤلف الكتاب الشيخ محمد رشدي الميقاتي

من ذلك مثلا ما يتعلق (بمدرسة الدبَّها) في سوق الصاغة، المجاورة لجامع سيدي عبد الواحد، ففي بعض المخطوطات التي تعود إلى القرن الثالث عشر هجري ما يفيد بأن اسمها (مسجد الدُّباء). وعلى ألسنة الناس عندنا في طرابلس قديما يقولون (مدرسة الدبا)، في المقابل ورد اسمها (الدبَّها) في كتاب العالم الطرابلسي الشهيد الدكتور صبحي الصالح رحمه الله تعالى (نثر اللآلي في ترجمة أبي المعالي الشيخ عبد الكريم عويضة) رحمه الله تعالى، والشيخ عبد الكريم، رئيس علماء طرابلس في زمانه، ممن رَثَوا الشيخ محمد رشيد الميقاتي بقصيدة بديعة موجودة في آخر الكتاب.

وحديثا أطلق الناس على المسجد اسم (الدبَّهاء)، جمعا بين الاسمين، وهكذا ما عدنا نعلم ما هو الاسم الحقيقي، فيأتي كلام الشيخ محمد رشدي في هذا الكتاب أثناء الكلام عن شيوخ جده الذين تلقى العلم على أيديهم ليحسم هذا الجدل ويبين بما لا يقبل الشك أنها (مدرسة الدبَّها).

يقول رحمه الله تعالى في الصفحة 31: «ثم إن سيدي الجد، بعد أن أتمَّ تحصيل العلم على يد شيخه الشيخ يحيى المشار إليه – أي الشيخ يحيى المسالخي الحلبي الطرابلسي – تلقى علم الميقات والحساب عن شيخه الشهير، والولي الكبير، الطائر الصيت في علم الميقات، الشيخ عبد الله الدبَّها، منشئ المدرسة المعلومة بطرابلس».

وكان إنشاؤه لها في سنة 1234هـ كما هو مثبت على باب المدرسة الخارجي. ولكنها كانت قبل ذلك مسجدا يجاور مقبرة مملوكية هي الأقدم في طرابلس فيما نعلم، على ما قاله أستاذنا مؤرخ طرابلس الدكتور عمر تدمري، وتسمى التربة الأرزَنية، نسبة إلى واقفها بهاء الدين إبراهيم بن الأرزَني الكاتب، والأرزَني نسبة إلى بلدة في الأناضول اسمها (أرزن) ويقال (أرزن الروم) ذكرها الحموي في معجم البلدان، والعامة اليوم حرفتها إلى (أرزروم) و (أرضروم). وليس نسبة إلى (أرزونا) القرية التي تقع قريبا من الحدود السورية اللبنانية جهة العريضة داخل الأراضي السورية، وهي مملوكة بالكامل لدائرة أوقاف طرابلس. فهذه النسبة إليها (أرزوني) كما جاء في (معجم البلدان للحموي).

وأثناء ترميم المسجد الأخير في سنة 1988 اكتشفت لوحة حجرية على جدار المسجد الخارجي نقش عليها العبارة الآتية: (الحمد لله. لما كان شهر رجب الفرد الحرام سنة 1163هـ نقض بنيان هذا المسجد الشريف وجدد إقامته لوجه فخر التجار أحمد بروانه).

وهذا يعني أن المسجد كان موجودا يوم حوله الشيخ عبد الله الدبَّها إلى مدرسة وأوقف عليه أوقافا حسنة، على ما ذكره الأستاذ محمد كردعلي في خطط الشام المجلد السادس عند الكلام عن مدارس طرابلس الشام. وأن الشيخ عبد الله الدبها إنما بنى البوابة الخارجية فقط، وحول المسجد إلى مدرسة.

مقابر السادة النقشبندية

وهذه التربة، اليوم، فيها قبور السادة النقشبندية، يتقدمهم الشيخ عبد الله الدبَّها رحمه الله تعالى، ولا نعرف على التحديد سنة وفاته، ولا مكان قبره، لكن المؤرخين ذكروا أنه دفن فيها. وهو كما مر من أساتذة الشيخ محمد رشيد ميقاتي المولود سنة 1198هـ والمتوفى يوم الثلاثاء، الثالث من رجب الفرد، سنة 1282هـ.

العلامة الشيخ أحمد سليمان الأروادي النقشبندي المتوفى سنة (1275هـ)

وفيها أيضا قبر العلامة الفقيه المحدِّث المـُسنِد الشيخ أحمد سليمان الأروادي النقشبندي المتوفى سنة 1275هـ، رفيق الشيخ محمد رشيد في رحلة الشام للقاء الشيخ خالد النقشبندي الكبير حيث أجازهما بالطريقة النقشبندية، أما الشيخ الأروادي فثبت عليها، ومن طريقه انتشرت في طرابلس واشتهرت، وأما الشيخ الميقاتي فقد ذهب بعد ذلك إلى مصر وأخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ حسن القصبي الإدريسي.

وكانت بين الشيخين أخوة أكيدة وصداقة قوية، وعلاقة روحية بحيث كان الشيخ الميقاتي يشعر بوقت رجوع الشيخ الأروادي إلى طرابلس، كونه كان من أهل جزيرة أرواد فكان يتردد بينها وبين طرابلس.

يقول الشيخ محمد رشدي الحفيد، رحمه الله، في (الأثر الحميد): «ومما حدثني به سيدي الوالد أن المرحوم الأستاذ الشهير الشيخ أحمد سليمان النقشبندي كانت بينه وبين سيدي الجد صداقة تامة وإخاء في الطريقة النقشبندية، وحيث إن المومأ إليه كان من أهل جزيرة أرواد، وكان في كل برهة يحضر منها إلى طرابلس، كان يجد سيدي الجد ينتظره في جهة باب التبانة المعلومة خارج البلدة، وما كان يخطئ في ذلك ولا مرة، وكان يقول سيدي الجد: إني أشم رائحة الشيخ أحمد سليمان كلما أراد أن يقدم من الجزيرة إلى طرابلس».

وبالمقابل كان الشيخ أحمد سليمان النقشبندي يقول: «إن الشيخ رشيد كلما أراه ذاهبا أو قادما أرى فوقه عمود نور ممتدا من الأرض إلى السماء». (الأثر الحميد 66).

مشايخ آل العلبي النقشبندية

ومن المشايخ النقشبندية المدفونين في هذه المقبرة: الشيخ حسين العلبي النقشبندي المتوفى في 7 ذي الحجة من سنة 1291هـ. وكان إماما للمدرسة بعد شيخه الأروادي. وابنه الشيخ عبد الله، المتوفى في 14 صفر سنة 1337 هـ. ويبدو أنه خلف والده في الطريقة وإمامة المدرسة، كما يظهر من الأبيات المحفورة على قبره. ولم أجد لهما ذكراً في كتاب (الأثر الحميد).

ومنهم الشيخ أحمد النقشبندي، المتوفى في 15 شوال 1351 هـ. وقد جهدت كثيرا للتعرف على باقي اسمه فأعياني الأمر، حتى وجدت جواب ذلك في هذا الكتاب المبارك (الأثر الحميد) فإذا هو الشيخ أحمد أفندي العلبي رحمه الله تعالى. (ص 81 و85 من الكتاب).

الإمام الكامل المـُحدِّث الشيخ خليل السمين (الثمين)

ومنهم أيضا الشيخ المـُحَدِّث، والإمام الكامل الشيخ خليل السمين (الثمين) النقشبندي، المتوفى سنة 1293هـ، وقد ترجمه الأستاذ عبد الله نوفل في كتابه (تراجم علماء طرابلس: 258 – 259) ترجمة حافلة. وهو كان دائم الذكر لحادثة مشهورة بحادثة (مشانيق بربر) وهم عشرة أشخاص من منطقة (المنية) حكم عليهم الوالي بربر آغا الذي كان واليا لطرابلس بالشنق ظلما، وكان مع جبروته وتعسفه يحترم الشيخ رشيد الميقاتي كثيرا ولا يرد له طلبا، فشفع لهم عنده، وأنقذهم من حبل المشنقة.

يقول الشيخ محمد رشدي الحفيد في (الأثر الحميد، ص: 59): «وقد كان المرحوم المبرور خليل أفندي الثمين الشهير يترنم بهذه الحادثة، ويقول: إذا لم يكن للشيخ رشيد عمل من الأعمال المقبولة عند الله تعالى إلا إنقاذ عشرة أشخاص من المسلمين من القتل والجور لكفى».

الشيخ الذي وأد الفتنة في مهدها

وقد تناول الكتاب أحداثا مهمة عاصرها الشيخ محمد رشيد رحمه الله تعالى، منها مجازر عام 1858 – 1860، والتي تولدت عنها اعتداءات شنيعة ومذابح بين المسلمين والمسيحيين والدروز في الشام.

وفي محاولة التعرف على أسباب هذه الفتنة نجد تحليلا لمؤرخ أمريكي هو (زاكري كارابل)  (Zachary Karabell)الذي وضع كتابا سنة 1960 بعنوان: (أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب) ترجمه الدكتور أحمد إيبش، يذكر فيه (ص: 267 – 268) أن ما حدث بين المسلمين والمسيحيين من مذابح كان شذوذا عن قاعدة التاريخ الإسلامي، وأن سبب هذا الشذوذ هو الغرب الذي تجاوز حدوده، أكثر من كون السبب هو العلاقات الإسلامية الداخلية.

هذه الحادثة لم يستطع أهل الفتنة نقلها إلى طرابلس لأن الشيخ محمد رشيد رحمه الله تعالى كان صمام أمان للبلد، حيث منع العوام من التطاول على أهل طرابلس من المسيحيين.

يقول الشيخ محمد رشدي الحفيد في (الأثر الحميد/ ص 55): «ومما يدل على وفور عقله أيضا ما أجراه وقت حدوث فتنة الشام الشهيرة سنة 1275هـ / 1858م التي كان على إثرها حصلت الحوادث الهائلة بين المسلمين والنصارى في أغلب جهات سوريا، فاهتم سيدي الجد على استئصال بذور هذه الفتن والشقاق، ومنع سريان هذا الداء العضال من نفوس ذوي الجهالة من شبان طرابلس، فصار يرسل أولاده لدور رؤساء المسيحيين ليلا، ويأمرهم بأن يسهر كل واحد منهم على طريق المناوبة عند كل واحد من أكابرهم، وجعل ذلك علانية على أعين الناس ليقتدوا بمسراه، ويقلدوه في مبداه، فما كان إلا أن خمدت في طرابلس شرارة أهل الشر بأجمعها، حتى إن الحكومة كانت تضم رأيها إلى رأيه».

الشيخ الذي تنزل الحكومة عند رأيه

وليس هذا فقط بل إن وزراء الدولة وقادتها كانوا حريصين كل الحرص على الوقوف على رأيه في المسائل الكبرى. فهذا الوزير الشهير والقائد العام الخطير فؤاد باشا، ومعه كثير من الوزراء، عندما جاؤوا إلى طرابلس بعد وأد الفتنة وإخماد نارها في دمشق وبيروت ولبنان، أول ما بدأوا به زيارة الشيخ والوقوف على خاطره ورأيه. (الأثر الحميد: 56). «وأظهروا له تمام الامتنان والمسرة منه، ثم قال له الباشا: هل انتقدت علي في عمل قد صدر مني على طريق الخطأ من أعمالي في هذه السفرة لم يرق لديك يا شيخ رشيد؟ قال له: لو كنت محلك ما كنت فعلت إلا ما فعلتَه، وربما كنت أزيد على ذلك، فعندها سرَّ الباشا سرورا زائدا، واستأنس من نفسه عدم الخطأ في أعماله التي أجراها، ثم قال له: أتأمر بشيء؟ قال: لا، إلا أنه يوجد رجل منفي من مدينة عكا هو اليوم في جوارنا، أرجوك النظر عليه. ففي ثاني يوم أرسل الأمر بإطلاقه». وقد لقيت مواقف الشيخ في الفتنة استحسانا كبيرا من قناصل الدول الأجنبية، حتى إن القنصل الأمريكي يومها شبه الشيخ برسم رسمه بأنه زهرة طرابلس الفيحاء وخلاصة أهلها الأكارم (الأثر الحميد/ 56).

«من عادى لي وليا فقد بارزني المحاربة» حديث قدسي

ويوم غلب جيش مصر بقيادة إبراهيم باشا على بلاد الشام، عين وكيلا عاما له على طرابلس وملحقاتها رجلا يعرف بالحاكم العادلي، كان مشهورا، وحصل أنه اجتمع مرة بالشيخ رشيد، «وصار يسأله عن أشياء تتعلق بتحسين السياسة المصرية»، يقول الشيخ الحفيد في الأثر الحميد/ 83: «وسيدي الجد لم يجبه عنها بما كان ينتظره منه، فغضب عند ذلك الحاكم العادلي وقال له: إن إيثار المصالح الخاصة على المصالح العامة لم يكن مصدرها إلا من رؤساء الدين والعلماء». على إثرها قام الشيخ من المجلس غاضبا، فغضب الله لغضبه، فما هي إلا أيام قليلة حتى أصاب العادلي مرض، خرجت على إثره من جسده تقرحات عديدة، ودمامل كثيرة، وجهد في طلب الشيخ ليسترضيه، كل هذا والشيخ لا يجيبه، فما لبث أن فارق الحياة ملبيا «دعوة الحاكم العادل الحقيقي جل وعلا».

هذه شذرة من سيرة هذا العالم الولي الصالح الشيخ محمد رشيد ابن الشيخ مصطفى، ابن الشيخ أبي بكر ابن الشيخ إبراهيم، ابن الشيخ مصطفى، ابن الشيخ عبد الحي، وينتهي النسب عند الشيخ محمد الميقاتي دفين المقبرة التي في الجامع المنصوري الكبير، الذي أحضره معه من مصر المرحوم السلطان قلاوون إلى طرابلس حينما بنى جامعها الكبير سنة 693هـ، حيث أسند إليه جميع الوظائف في الجامع لعلمه وشهرته في الفضل إذ ذاك، وبالأخص علم التوقيت، الذي كان مرجعا فيه لجميع مساجد طرابلس.

وعائلة الميقاتي أصولها مصرية جدهم الكبير الشيخ محمد الميقاتي استقدمه السلطان المنصور قلاوون معه من مصر بعيد تحريره طرابلس من الفرنجة سنة ٦٨٨هـ، وذلك عندما بنى الجامع الكبير المنصوري سنة ٦٩٣ هـ حيث أسند إليه الوظائف الدينية الأساس في المسجد، وعلى الخصوص مواقيت الصلاة التي كان عالما متميزا بها. والشيخ محمد قبره اليوم في المدرسة الملاصقة للجامع المنصوري الكبير. رحمهم الله جميعا.

تاج الطريقة الخلوتية العائد للإمام الولي الصالح الشيخ محمد رشيد ميقاتي الكبير المتوفى سنة ١٢٨٢ هـ الذي ألبسه إياه شيخه الإمام حسن القصبي الإدريسي الشافعي الخلوتي في مصر. وهذا التاج لا يزال حتى اليوم في عهدة صديقنا المهندس لامع ابن الأستاذ أنور، ابن الشيخ محمد رشيد مفتي طرابلس الأسبق، ابن الشيخ علي، ابن الشيخ محمد رشيد الميقاتي الكبير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.