طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: قصائد مختارة من شعر سليم الرافعي

طُبع كتاب «قصائد مختارة من شعر سليم الرافعي» في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال» والتصميم قامت به شركة Impress

إضاءة

نجتزىء بإيراد كلمة من مقدمة ديوان سليم الرافعي: «بدأت العروبة تعانق الخلود بالشعور الذي لا يضادّ الشعور في جميع العصور»

فإن إختيار الفرائد من الجواهر والقصائد هواية من رُغاء الموسيقى المهذبة أو المعذبة فكم من حضارة ملأت آذان الشعوب منذ الياذة «هومير» وعبقريات شكسبر وفكتور هيكو والمتنبي والمعري وأحمد شوقي.

فاقتطعتا من تلك الدوحة الورقة واختصرنا وقدمنا ما اعتقدنا انه قد لذّ وطاب من شعر سليم الرافعي.

«دار البلاد»

طفل السماء

قبلة الحب… هل ظلمْت الشفاها؟

قدّسيني معبرّاً عن لظاها

أنا طفلُ السماء جئت أصلّي

لحبيبٍ في الأرض صار إلها

أنا من شعلة الرسالة أمضي

في سماء الهوى إلى منتهاها

يا حبيبي… نسيتني.. كيف تمشي

فوق أرضٍ… ألا تُحِسّ أساها؟

يا حبيبي بعدت عنّي… ألسنا

قدراً واحداً إذا تاه تاها؟

وطني أنت لست أدري مكاناً

أو زماناً سواك أو أشباها

هيكل أنت خالد في صلاةٍ

غُربتي فيك بلبلٌ غنّاها

يا حبيبي من لحظ عينيك سالت

عبقريات قبلة من رؤاها

من ذراعيك واحة يتهادى

ذلك الظبي في نسيم شذاها

لحظة الوحدة استباحت وجوداً

شعّ هذا الوجود حين اكتساها

يا حبيبي…

ملأت شمس الصحارى

وكسوت النجوم مجداً وجاها

لمن الملك؟ أنت بالروح تبني

هذه الكائنات حين تراها

لفتة منك أنشأتني ملاكاً

عشقته الأطيار في نجواها

ولدتني من جمرة الطيف… إني

لا أرى لي في الخالقين سواها

يا حبيبي… عيناك مأواي… أبكي

فيهما لوعة يطول شجاها

كيف تنأى؟ ألست بالحب شمساً

عشت في دفئها وفيض سناها

تتناجى الأفلاك حين تراني

تسأل الطفل ساهراً في دجاها

أيها الطفل إنه الحب يجري

في قضايا… يرتاع منها فتاها

قدّسَ الحبُّ هيكلاً… فسلام

لك من ربة الهوى في عُلاها

رسالة

قالت الوعدُ؟ انه مستحيل

قلت هذا الدلال منك دليلُ

ملء ساقيك غُنج وعد لطيف

يَهَبُ الملك للهوى ويُنيل

تحت أبطيك خلوة تتغنى

أيها الجائع استوى المأكول

وبعينيك واديان… لماذا

لك في الواديَيْن صمت طويل؟

خصلة فوق خصلة فوق رأس

هو أشهى الرؤوس حين يميل

وتجاهلت ان قلبي حقل

أنبتته مع القلوب حقول

يتعالى بلفتةٍ منك طيرٌ

عبقري بين الطيور أصيل

شجر الحب أخضر اللون ينمو

كلّ يوم… لا يعتريه الذبول

فاكتبي ليَ سطراً بخمس لغات

ليس يدري بما كتبتِ الرسول

من حروف لم تنقرض ورموز

أنا – أنت – الوجود – نحن – الشمول

وإذا ضجت الورود وحارت

واعتراها بين الزوايا ذهول

فانظري مرة إلى الشرق عفواً

وانشقيه… ففي السماء كحول

وإذا ما سكرت من ذكريات

جاز فيها التسليم والتأويل

فأعيدي الحياة شرقاً وغرباً

لفتةٌ منك كهرباء تسيل

عبق الكون من لحاظ وشبّت

روضة بعد روضة ونخيل

كلّ شيء يصحّ… كلّ زمان

ومكان… كلّ الفروع أصول

من لقاء يبني الوجود ويهوي

صنم الشك عنه أو يستقيل

أيها البلبل احتواك فضاءٌ

ممطر… ملهم.. كريم… بخيل

في زواياه وعدها… وشموس

ونجومٌ… وثغرها المعسول

وإذا قلتِ ليَ: اعدْ… سأغني

أيها النُبْلُ… هل يصدّ النبيل؟

كوكب الحب

يا حبيبي… سقى الأزلْ

وعد خديك والقُبل

وعد نهديك… إنني

بين ربين في جدل

غرس الروض زهرة

تحت إبطيك واحتفل

واحتسى العُرى كأسها

سكر العُري.. لو عقل

نحن لولا عناقنا

حطب الأسْر والملل

انت في الكون عندما

عبق الكون واكتمل

عاشت الروح جذوة

أحرقتنا على مهل

إنه العطر فاسقني

عطر عينيك والأمل

وحدة الحب حيرّت

ملكَيْ عالم المُثُل

سيقول الإله: ما

أحدث الحب… ما فعل؟

هل خلقناهما على

كوكب الحب والغزل؟

أيها الفاتن

أرفقي بي لقبلة الوجد حرّى

زعزعتها الأشواق كرّاً وفرّا

لم أكن صانع السلام لخدّ

أيّ خديك بالسلام أقرا؟

حكمتني عيناك أفدح حكم

أبدع الغنج ملكه حين أغرى

أنا في منحنى ذراعيك طفلٌ

يشرب النهد يحسب النهد نهرا

أهو ماضٍ يُعيد لي من حنان

قبلة الأم والحبيبة حرّى؟

عاشقُ لا يعي الوجود مكاناً

أو زماناً إذا خلا منك سحرا

ما ذراعاه غير قيدين نادى

بهما السجن: منكبين وخصرا

وردة الخلد فوق خديك تروي

قصة اثنين لا يزالان سرا

يتهادى الزمان في مستحيل

أهو ليل في الشعر يُطلع فجرا؟

أرفقي بي إذا تسيتك جسما

وتعلقت بالشعاعات سترا

من أنا؟ من أنا؟ أريد اتحاداً

أبدياً في عاشقين استمرا

ملوك الحقيقة

ملوك الحقيقة لم يحفلوا

بألقاب مجد ولم يحملوا

من الشرق مطلعهم فالتفتْ

إلى أمة حظها الأول

خيام ولكن على ذروة

صحارى ولكنها معمل

بنوها سواسية أنجبوا

بُناة الممالك واسترسلوا

وليست عدالتهم ضجة

إذا زيّن الناس أو هوّلوا

ولكن بفطرتهم سدّدوا

وبالدين يهديهمُ المرسَلُ

وكيف تُساس الشعوب على

بهارج بالطبل إنْ طبّلوا؟

من الصمت والعدل أُمثولة

هما توأمان لمن يعقل

لكل حكيم أصيل النهى

حياء هو الذكر لا يخمُل

حضارتنا الروح في جوهر

يقوم به العالم الأفضل

سلام عليكم… سلام على

رعاة كرام لما خُوِّلوا

بخفْض الجناح لمستضعف

وبذْل النوال لمن يسأل

هو الشرف الحق لا سؤدد

سواه… ولا كرم أنبل

من الشرق مكرمة فليسُدْ

بنو الشرق وليسعد المأمل

أنا الشرق

أأهرب من أمسي وما منه مهربُ

أأسعد من يومي وما فيه مَنصبُ

عددت الزمان الجّمَّ يمضي مؤرّخاً

مصادفة جبارة حين أعتبُ

وهل يحكم الدهرَ الأبي مُسالمٌ

يُوادع أشباح الجلال ويرقَبٌ؟

وما في حياة المجد إلاّ ملاحمٌ

مُخَصَّبةٌ فالمجد منها مُخصّبُ

تركّبَ في أعضائه من سلالة

جدالية تجتاح أو تتوثّبُ

مغارة هذا الكون فوق رؤوسنا

فمن معول العزم المغارة تُثقبُ

فلا تعشقوه في غلالة صمته

يمزّق هذا الصمتَ من يتطلّبُ

رأيت حديداً طارَ في الجو صاعداً

إلى الملأ  الأعلى يضجّ ويصخبُ

فقلتُ: جحيم الشوق هدَّ مغارةً

فأنقاضُها في وَهْدة تتقلَّبُ

عجبتُ لمن يبكي عليها ولا يرى

سماوات نسْر تستجيب وترحُبُ

أليس من الإيمان ان تُعشقَ العُلا

وهل آلة الإيمان إلاّ التقرّبُ؟

تدفَّق في محرابه وصلاته

حديدٌ دعا (لبيَّك) لله يوهبُ

فهل قَبَسَ الغربُ التطلّعَ وارتقى

إلى الله ركباً بالجماعات يدأبُ؟

وكانت مفاتيح السماءِ منيعة

فما بالها أضحت تُذالُ وتُنهبُ؟

شمس الفراعنة

وقفت أمام الأهرام لأسمع الأذان الفرعوني المسجل صخوراً راسخة مؤتمنة على إبلاغ موعد الصلاة…

وقفت أصلي.. سبحانك اللهم.. أنت القادر على التمثل في أعماق الصخور قاسياً مشتهياً النأي عن مباذل التراب الذي خلقته.. فهل كانت خريطة مصر منشورة أمام أعين المهندسين المنوط بهم إنشاء عمارة لا شرقية ولا غربية تجثم على تراب لزج تهزج دونه ترانيم ذلك الشعب المؤمن لحمل الصخور وتنسيقها والتعالي بها صامتاً لا ينطق بحرف بل يتخذ من الصخور أبجديته المقروءة بالأعين فلعلها اللغة الفصحى لجميع الأمم والشعوب.

لقد وقفت قارئاً مسبحاً بحمد الله مشيداً بمجده الذي يملأ الفلك في الليل والنهار.

ولكن… أليس من عظمة الحيرة إيثار الخشوع في حضرة ملك مهيب قريب نلمسه من الصخور فهو هادىء مضطرم في هدوئه… وهو متكبر أشد التكبر هازيء بجيوش مشحونة كالقطعان تريد تسلق معارجه.

لن يستطيع أحد مباراة الانتفاضة التي سجلها الشعب المصري.. آه.. أيها الحائرون الخالدون.

ينزلق العقل البشري من حلوق تأكل وتشرب وتجوع وتعرى ويُدركها القدر موتاً وفناءً.

هل العقل هو رأس الحكمة الفرعونية؟

فلنقل أيضاً انه رأس الحكمة الأغريقية واللاتينية.

أنهما سفينتان إحداهما صخرية تجوب الصحارى والأخرى تتداولها الأمواج.

ما زلنا حتى هذه الساعة نتسمّر أمام صرح فرعوني هادىء كصومعة نائية.. في أعماقه جدل في شرفاته انتظار… يريد ان يتجاهل شيئاً… يريد ان يعانق شيئاً.. هل رآه الأغارقة؟ لا بد أنهم سمعوه فتحدثوا بلغة يتفوه بها البشر…

(جزء من نص أطول)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.