طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: الخروج من الزمن الضائع

طُبع كتاب «الخروج من الزمن الضائع»
في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال»
والتصميم قامت به شركة Impress

مقدمة

كان من ثمار قيامي بمهمة تدريس مادة فكر النهضة في كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، أن أعددت دراسة شاملة للفكر السياسي لشخصية طرابلسية من القلمون، لعبت دوراً هاماً في الحياة الفكرية العربية والإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عنيت الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب وناشر مجلة المنار المصرية التي حملت على صفحاتها جزءاً هاماً من قضايا العصر في مصر من إسهام الإمام محمد عبده بالكتابة فيها، والترويج لأفكار جمال الدين الأفغاني ولفيف من المفكرين العرب والمسلمين الذين نَدَبُوا أنفسهم لزرع بذور النهضة والخروج من التخلف والضياع الذي هيمن طويلاً على العالمين العربي والإسلامي لقرون عديدة.

(…) أعتقد أن ما أقدمه في هذه الأبحاث والمحاضرات يشكل نواة رؤية عن هؤلاء المفكرين موضوعية يمكن أن تكون قاعدة فكرية مفيدة لمن يرغب في التوسع بالدراسة والتعمق في فهم هؤلاء المفكرين وتلك المرحلة، وفي ذات الوقت يمكن أن تزوّد القارئ بصورة أوّلية جادّة عن المفكرين موضوع البحث وعن القضايا المطروحة لمن لا يجد بنفسه إمكانية التوسع في دراسة هذه المرحلة الهامة من تاريخ العرب الحديث.

(…) وينبغي أن أوضح أمراً، قد يسهم في إزالة التباس لا بد أن يقع في شراكه القارئ وهو أن الأبحاث التي أقدمها والتي سبق أن كتبت منذ سنوات بعيدة، كانت تؤكد بصورة عامة على فكر النهضة العربية الحديثة. في حين أنني وضعت عنواناً لهذه المجموعة «الخروج من الزمن الضائع – محاولات النهضة العربية» وعلّة هذا التباين بين فضاء الأبحاث والعنوان الموضوع، هو أن الزمن بين كتابة النصوص وإعداد الكتاب للطباعة، كان كفيلاً بأن يطرح سؤالاً جوهرياً، وهو أنه لا يمكن إنكار ودور هؤلاء المفكرين الذين لعبوا دوراً مهماً في إطار الزمان والمكان في الحياة العربية، ولكن هل هم صانعو «نهضة» وهل شهدت المجتمعات العربية والفكر العربي نهضة حقيقية غيّرت أسس الفكر العربي والقيم السائدة في المجتمعات العربية؟ أم أنهم لم يكونوا سوى قادة رأي وناشطين في المجتمعات العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانوا طلائع خروج من الجمود الطويل الذي خيَّم على المجتمعات العربية فغرقت في اختلال الموازين والتوقف الحضاري، الذي جعل تلك المرحلة التاريخية تتّصف بالزمن الضائع، خاصة مع سيادة فكرة غلق أبواب الاجتهاد التي سادت قروناً تداخلت مع نتائج الحروب المستمرة في المنطقة وتخلف بنية هذه المجتمعات بحيث لم تعد قادرة على طرح قضايا جديدة وتحديات كبرى تفرض على المفكرين الجواب عنها والرد على ما تطرحه وتتحدى به الواقع والتراث الفكري؟

(جزء من نص أطول)

الخلفيات السياسية والاجتماعية والثقافية لعصر النهضة الحديثة

كان لاتجاهات الكشوف الجغرافية الأوروبية في نهاية القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر نحو بحر الظلمات واكتشاف طرق بحرية جديدة تصل أوروبا بالهند ثم اكتشاف القارة الأميركية الأثر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي العظيم على العالم العربي بأسره وعلى مسيرة تطوره.

فقد كان الطريق البحري الجديد إلى الهند هو عملية أسر كامل للعرب فهذا الطريق كان أسرا نقليا للطريق البري التقليدي بحيث سرقوا الموقع الجغرافي البؤري للعرب ومعه سرقوا تجارة الشرق ومع هذا وذاك سرقوا قوتهم السياسية بالكامل.

فبعد أن كان العالم العربي لآلاف السنين عقدة ركيزة للتجارة الدولية بحيث استمر الصراع الحضاري محتدماً وقوياً ودائماً بين الأمبرطوريات القديمة، من أجل تأمين طرق التجارة الدولية، وهو ما جعل شمس الحضارة لا تغيب عن هذه البلاد قد بقيت تلك الشمس ساطعة بصورة مستمرة على مدى خسمة آلاف عام ولم تغب حتى تحول مركز النقل في التجارة الدولية إلى طريق رأس الرجاء الصالح وعبر المحيط الأطلسي، أي بعد عام 1417 م.

فقد كان اكتشاف البرتغال للطريق البحري الجديد، هو على حساب العرب أساساً سواء تجارياً أو استراتجياً وهم في الواقع الذين ورثوا دور العرب السلمي والعسكري.. وإذا كانت المدن الإيطالية قد شاركت العرب بهذا المصير فهذا باعتراضها المكمل الأوروبي الثانوي في سلسلة تجارة الشرق القديمة ففي خلال العقد الأول من عودة ماجلان من الهند كانت سفن العرب من الإسكندرية وبيروت تدخل البندقية فارغة لأول مرة، لقد غاض الدم وجف من الشريان والوريد معاً فتوقف قلب الاقتصاد العربي الإسلامي.

كان من النتائج الخطيرة للاكتشافات الحديثة الجغرافية أن أحدثت انقلاباً في الحركة البشرية والملاحة الدولية، فقد خرج العالم القديم إلى المحيط، وبعد أن كان العالم القديم محدوداً ومتناه فإذا بالعالم الجديد غير محدود ولا متناه وبدأت المرحلة المحيطية في تاريخ البشرية، بعد أن كانت محدودة بالمرحلة البحرية، فضاعت أهمية البحار الداخلية المغلقة وبرزت أهمية البحار المحيطية فإذا بالبحر المتوسط والبلطيق ولكن الأول خاصة، يفقد كل منهما أهميته التاريخية ليصبح الأول زقاقاً مغلقاً والثاني بركة صيد آسنة فيما يتحول المحيط الأطلسي إلى «البحر المتوسط الجديد» ومع هذا الانقلاب انقلب التوجيه الجغرافي للقارات والأقاليم وانحدرت قيمة دول وموانئ البحر المتوسط لتنتقل الزعامة إلى دول وموانئ غرب أوروبا.

وهكذا، دخلت المنطقة العربية الإسلامية في عزلة عن الحركة التجارية العالمية التي اتجهت عبر الطرق الجديدة إما إلى الهند عبر الرجاء الصالح أو إلى القارة الأميركية التي شهدت صراع الدول الاستعمارية الاستيطانية الأوروبية.

وبفقدان الدور الاستراتيجي الدولي والمركز الاقتصادي المميز، بدأ العالم العربي ينحدر وينهار… وهذا ما سهل للدولة العثمانية الناشئة في الأناضول، وبعد أن اتجهت غرباً عبر المناطق الأوروبية لتحتل بلغاريا واليونان وتصل إلى حدود فيينا، ثم عادت وتوسعت في المناطق العربية جنوباً فتحتل سوريا ولتصل إلى مصر عام 1517.

مع سيطرة الدولة العثماينة على العالم العربي انقطع الاتصال بين هذا العالم وبين أوروبا انقطاعاً شبه كامل وضمر أي تبادل بالتأثر وكأن هناك عالمين بعيدين لا علاقة لهما ببعضهما مطلقاً وبالتالي أثر هذا الانقطاع على إمكانية المعرفة الحديثة في المناطق العربية.

(جزء من نص أطول)

آراء مفكري عصر النهضة العربية في السلطة

كيف نظر مفكرو القرن التاسع عشر في العالم العربي إلى مسألة السلطة السياسية: طبيعتها ونشوؤها وممارستها ونطاق حريتها ودورها السياسي والإجتماعي في المجتمع السياسي القائم في البلاد العربية في تلك المرحلة المميزة من تاريخنا الحديث؟

(…) ومرد التأكيد على طبيعة السلطة ونشوئها وممارستها وحريتها ينبع من أن جوهر الحقوق، كل الحقوق السياسية والمدنية والشخصية للمواطن في الدولة، يتجسد في هذه المسألة لأن النص على الحريات والحديث عن الحقوق الإنسانية والتأكيد على دور الرأي العام وأهمية القانون والشريعة والدين في المجتمع، كل ذلك يرتبط إرتباطاً كلياً وعضوياً وحاسماً في مسألة كيفية تكوين السلطة وحدودها في المجتمع.. وبمقدار وعي هذه المسألة وإعطائها دورها الحقيقي والبحث عن وسائل جديدة لسلطة جديدة في المجتمع، بهذا المقدار يكون الإسهام الحقيقي في التقدم السياسي والإجتماعي الذي ينبنى على الحرية والكرامة والعلم في المجتمع.

يمكن أن نقرر، منذ الوهلة الأولى، أن المفكرين العرب في القرن التاسع عشر قد إعتمدوا كمصادر أساسية لفكرهم السياسي، الفكر السياسي العربي الإسلامي أولاً، وأفكاراً نابعة من الفكر السياسي الغربي ثانياً.. وتختلف نظرات هؤلاء المفكرين السياسية بمقدار قربهم أو إبتعادهم عن هذا المصدر أو ذاك وإدراكهم للقضايا والمسائل الجوهرية في هذا الفكر وبالتالي الإلتزام بها أو الإعتماد على النتائج أكثر من الأصول وعلى الظاهر أكثر من الباطن والرئيس من هذه القضايا. من هنا كان لا بد قبل أن نعرض لأفكار الكتاب العرب في القرن التاسع عشر في المسألة السياسية، أن نحدد الأصول السياسية في الفكر العربي الإسلامي وفي الفكر الغربي لمسألة السلطة وتشكيلها.

(جزء من نص أطول)

العنف السياسي ومفكرو النهضة

(…) هي إشكالية من المهم أن نضيء جوانبها، ليس لأن دعوة المفكر للرد على العنف بالعنف منطق تحكمه الظروف للخروج من مأزق الإنهيار الكبير، بل لأن مدى إنغماس المفكر في المجتمع وفي العصر وإتصاله بحقيقة متطلبات المجتمع الذي يتطلع لقيادته تتضح في الموقف من العنف. ويمكن أن تتكشف لنا جوانب هذه الإشكالية بالإقتراب من مفكرين لعبوا دوراً هاماً وجدياً في مرحلتهم وهم جمال الدين الأفغاني والكواكبي وفرح أنطون ومحمد عبده. هؤلاء الرجال المفكرون كانوا أنماطاً فكرية وعقلية متباينة ومتنوعة، سعى كل منهم لأن يعطي مجتمعه أقصى ما يمكن، وأن يجد طريقه الخاص لمقاومة الظلم والإستبداد القائمين. كان الأفغاني محرضاً سياسياً عبقرياً والكواكبي وفرح أنطون ثوريين ومحمد عبده إسلامياً. لم يدعُ جمال الدين الأفغاني إلى العنف صراحة ولم يعالج مسألة السلطة المستبدة مباشرة، وإن كان مجمل أسلوبه وأهدافه، في ذاتهما، يحضان على إستعمال العنف كوسيلة للرد على السلطة الحاكمة المستبدة الجائرة. كان يحرض المفكرين والناس على مقاومة الظلم، ويرضى مسبقاً أن يكون من نتائج هذا التحريض الثورة. غير أنه لم يناقش هذا الأمر مطلقاً.

(…) ما لم يقم به جمال الدين الإفغاني، حققه عبدالرحمن الكواكبي… فقد حدد محور الإشكالية التي يعاني منها المجتمع الشرقي عامة، والعثماني خاصة، فإذا هو الإستبداد السياسي. فهو أصل الداء في المسألة الإجتماعية الشرقية، وبإعتباره أصل كل مشاكل المجتمع، سعى الكواكبي إلى تشريح الإستبداد وإظهار أثره في تكوين المجتمع على كافة صعد البنية الإجتماعية والعقلية والروحية للأمة. (…) أما  فرح أنطون فقد أعطي العلماء دوراً عظيماً في التغيير الإجتماعي لإقامة العدالة في المجتمع. ويعتبرهم من أعمدة المجتمع الذين يحملون رسالة إجتماعية، هي الإسهام الفعلي والفعّال في إنهاض الشعوب.

(جزء من نص أطول)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.