طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

إصدارات في طرابلس: إلى اللقاء

طُبع ديوان «إلى اللقاء» في «دار البلاد للطباعة والإعلام في الشمال» والتصميم قامت به شركة Impress

الإهداء

إلى عائلتي الصغيرة، وإلى عائلتي الكبيرة، على امتداد الوطن، وإلى كل من يحس ويشعر أو يؤمن أن بعد هذا العالم عالماً آخر، نلتقي فيه جميعا مجردين من كل رغبة إلا التوق إلى العدل، وإلى كل من يؤمن أن الانتقال هو انتقال من حالة مؤقتة… إلى… حالة أبدية وأن الموت حياةٌ عدلٌ فيها نلتقي. إلى كل هؤلاء أهدي مجموعتي الشعرية هذه وأقول لهم:  إلى اللقاء…

كرامي شلق

مقـدّمة الديوان

لنقيب المحامين السّابق الراحل الأستاذ حسن مرعبي

 

أرسل إليَّ الزّميل المحامي الأستاذ كرامي شلق مجموعة من قصائده الرّثائيّة يريد إصدارها بديوان شعريّ، راجيّا أن أضع لها مقدّمة وأنا لستُ بناقدٍ ولا أدّعي ذلك، إذ إنَّ اختصاصي القانون وإن كنتُ أتذوّق الشعرَ وأحبُّه، تاركًا لي الحريّة بكتابة ما أراه، كما جاء في رسالته. فقبِلْتُ مُجازِفًا، بدافع المحبّة والصّداقة، مع اقتناعي بأنّ المجازفة محفوفة بالمخاطر حتّى لو سَلِمَ المُجازِف كما قيل: «ليس المُجازِفُ مَحمودًا ولو سَلِمَا»، فالنَّقد يحتاج إلى اختصاصٍ واحتراف، ولا أدري لماذا حلّ عليّ الزّميل الكريم «سَخَطَه» وأوردني هذا المورد الشّائك؟ أما وإنّي قَبِلْتُ، فأقول بعدَ (البَسمَلَة والحَوْقَلَة) الاستعانة بالله وطلب حسن الخلاص.

طبعًا كرامي لم يعجمه، وإنّ لم يكن في أعلى السلّم فهو في الوسط وقدمه لم تزلّ به. فالرّثاء فَنٌّ من فنون الشّعر لدى مختلف الأمم والشّعوب، اهتمّ به الشّعراء قديمًا وحديثًا، يمتاز بالشّعور البليغ في النَّفس، يكلّله الحزن وتبرزه العاطفة الجيّاشة والإحساس، صادقًا أو متكلّفًا. وقد يكون مدحًا أو فخرًا في معرض الرّثاء وهو يعني لغة البكاء على الميت وتعداد مناقبه ومَحامده. ويقال التَّأبين كذلك ولعلّه يعطي المعنى في حالة المدح والثّناء، وطبعًا يوجد فرق كبير بين رثاء الأهل والأقرباء والأصدقاء ورثاء الآخرين: فالأوّل فيه العاطفة والتفجّع والبكاء والنَّدب، والثّاني تخفّ فيه العاطفة فيرتكز على الإطناب والمدح والإشادة بمزايا الفقيد. والرّثاء في جوهره عاطفة تذوب وقلب يتألّم، ونفس تتحسَّر، وخيال يحلِّق وعقل يفكّر. يقول ابن الرّوميّ في رثاء ابنه محمد:

بُكاؤُكُما يَشْفي وإن كانَ لا يُجْدِي       فَجُودا فقَدْ أَوْدَى نَظيركُما عِنْدي

محمَّدٌ ما شيءٌ تُوهّم سلوةً       لقلبيَ إلّا زادَ قلبي من الوَجْدِ

ونحنُ لا نُقارنُ بين شعر ابن الرّومي وشعر كرامي شلق، وهو لا يقبل بذلك ولا يطمَع، وإن كان يطمحُ أن يَرْقَى بشِعْرِهِ نحو الأفضل «فصبرٌ جَميلٌ والله المُسْتَعان» ولكنَّ الصَّحيحَ أنّ مَن يَرْثي فَلذةَ كَبِدِه غير مَن يرثي الأصدقاء والأحبابَ والسّياسيّين. ومعروف في الرِّثاء أنّ الشاعر يتكلَّم عن مآثر الفقيد وخصاله وأعماله ومكرماته وعن شعوره نحوه ومدى تأثّره.

(جزء من نص أطول)

إلى شيخ الخطّاطين الصَّديق المرحوم بُرهان كبّارة

 

بُرهانُ جِئتُكَ أنثـُرُ الرّيحانا

وأُذيبُ قَلبي أحرُفًا وبَيانا

وأَصوغُ في يَومِ الرَّحيلِ قَصائدًا

ومِنَ الأواصِرِ بَينَنا ألْحانا

فتُثيرُني الذِكرى ويَختَفي الأسَى

فيَسيلُ دَمْعي مُحرِقًا هَتَّانا

بُرهانُ عَفوَكَ إنَّ جُرحي عارِفٌ

فبِلادُنا لا تعرِفُ اطمِئنانا

لُبنانُنا المَجروحُ أضناهُ اللَّظَى

وأَقَضَّ مَضجعَ أمْنِهِ أعدانا

وتُرابُنا المِعطارُ دَنَّسَ طُهرَهُ

أعْتَى الطُّغاةِ ومزَّقوا الأوطانا

لُبنانُ قد سالَتْ دِماهُ غَزيرةً

حَرَّى تُمَزِّقُ أضلُعًا وجَنانا

لُبنانُ كانَ لكلِّ داءٍ بَلسَمًا

واليَوم يَنْشُدُ بَلسَمًا وأمانا

أحبَبْتَهُ وعَشِقتَهُ وهَوَيْتَهُ

فلِمَ تَرَكْتَ فُؤادَهُ ظَمْآنا؟!

«يا فارِسَ السَّاحِ»

رِثاء الرئيس الشهيد رشيد كرامي

يا فارِسَ السّاحِ جِئتُ اليَومَ مُكتَئبَاً

وجِئتُ أبكي النُّهى والنّبلَ والأَدَبا

وجِئتُ أبكي شهيدًا قائدًا وَرِعًا

لغيرِ يعربَ بعدَ اللهِ ما انتَسَبا

طالَتْ يَدُ الغَدْرِ صَقرًا أشيَبًا فَرَدًا

فزَعزَعَ الحَدَثُ الأهلينَ والغُرَبا

حاكُوا الجَريمةَ لا عاشَتْ لهُم فلذٌ

ليَقتُلوا وَطَنًا أو يَذبَحـوا العربا

ما كُنتُ أعلَمُ أنَّ الصَّقرَ تَقْنُصُهُ

بُغاث قَوْمٍ غَدَوا للمُعتَدي ذَنَبا

هذي جُموعُكَ في ذِكراكَ خاشِعةٌ

تَرنو إليكَ وكلُّ الدَّمعِ قد سُكِبا

تَبكي بذِكراكَ بَرًّا قائدًا وَرِعًا

شَهمًا حَكيمًا أبيًّا مُشفِقًا حَدبا

والضّادُ تَبكي رَشيدًا قَلَّ ناظِرُهُ

مَضَـى تقيًّا عفيفَ النَّفسِ مُحتَسِبا

كانَ الرَّشيدُ للُبنانَ العُلَى سَنَدًا

وكانَ طَودًا يصدُّ الرِّيحَ والنّوبا

لم يُلْهِهِ المَجدُ عن سَعيٍ وتَضحيةٍ

فما تقاعسَ.. ما حابَى وما كذَبا

وكانتِ الضَّادُ دفقًا في مَشاعِرِهِ

فكم أَحَبَّ وكم عانَى وكَم تعِبا!!

كانتْ مَسيرَتُهُ للقُدسِ عن كَثبٍ

وكانَ مَـسْراهُ للأقصَـى الَّذي سُلِبا

مَضَـى شَهيدًا على ساحِ النِّضالِ وما

لانَتْ شَكيمَتُه يَومًا وما هَرَبا

رثاء الرئيس الشَّهيد رفيق الحريري

 

حَيُّوا الرَّفيقَ وحَيُّوا القائدَ اللَّبِقا

وارْوُوا ثَرَى القَبرِ دَمعًا هامِلًا دَفِقا

وادْعوا له بجِنانِ الخُلدِ مَنزِلةً

مع النَّبيِّينَ والأبرار والرُّفَقا

يا أيُّها النَّائمُ الهاني بمَرقَدِه

فالكُلُّ بعدَكَ أمْسَى واجِمًا قَلِقا

وقعُ الجَريمةِ هزَّ الكَونَ قاطبةً

وانهَدَّ من هَولِها الجُلمودُ وانفلَقا

فكُلُّنا اليَومَ في حُزنٍ وفي هَلَعٍ

وكُلُّنا باتَ مَذهولًا ومُختَنِقا

وكُلُّ نَفسٍ على فقدِ الرَّفيقِ بَكَتْ

وكُلُّ كُلُّ فُؤادٍ ذابَ واحتَرَقا

قُمْ يا «رَفيقُ» فهذا الخَلقُ تَعرَفُهُم

هُمُ الأحبَّةُ لا كذبًا ولا مَلَقا

جاؤوا إليكَ وكلُّ الشَّوقِ يَدفَعُهُم

إلى لِقائكَ فانهَضْ… أطفِئ الحرقا

قُمْ يا «رَفيقُ» وحَيِّ الخَلقَ عن كَثَبٍ

فما عهِدناكَ إلّا القائدَ الألقا

وبَدِّدِ الحُزنَ وارفَعْ عن كَواهِلِنا

همًّا ثقيلًا وخَوفًا مُطبقًا خنقا

رُحماكَ رُحماكَ رِفقًا يا «رَفيقُ»

فقَد أدمَيتَ مُهجَتَنا والقَلبَ والحدقا

وابيَضَّتِ العَيْنُ حزنًا يا «رَفيقُ

» أمَاتُراكَ تسمعُ شَجوَ الخَلقِ والمأقا!!

«أبا بَهاء» نُنادي كيفَ أنتَ لم

غادَرتَنا وتركتَ الأهلَ والصّدقا؟!

حقًّا لقد كُنتَ في الدُّنيا لَنا وَطَنًا

كنتَ الهويَّةَ والأحلامَ والغَدَقا

حَنِيْن

بِلادي هَلْ أَعودُ إِلَى رُبَاكِ

وَأَرْقُصُ كَالفَراشَةِ في حِماكِ؟

أَتُشْرِقُ بَعْدَ لَيْلِ الهَجْرِ شَمْسٌ

وَيَزْهَو بِالحَلا يَوْماً حَلاكِ؟

أَتَرْجِعُ يا بِلادَ الحُبِّ يَوْماً

طُيُورُكِ بَعْدَما هَجَرَتْ سَماكِ؟

أَتُزْهِرُ في رَوابينا وُرودٌ

وَتَخْضَرُّ الطَّبيعَةُ مِنْ غِناكِ؟

أَيَنْسى غضبةَ التَّارِيخِ جيلٌ

تَمَزَّقَ حَسْرَةً لَمَّا رآكِ؟

عَلَى جَمْرِ الأَسى تَمْشينَ غَصبًا

وَتَغْمُرُ أَرْضَكِ الخَضرا دِماكِ؟؟

نُريدُكِ يا بِلادَ الحُبِّ أَرْضًا

مُوَحَّدَةً وَلا نَرْضى أَذاكِ

عَلَى دَرْبِ الشَّهادَةِ كُلُّ شِبْلٍ

يَصيحُ دِماؤُنا طَوْعًا فِداكِ

لِيَبْقَى يا بِلادَ المَجْدِ دَوْمًا

دَمُ الأَحرارِ يَجْري في دِماكِ

وَتَبْقى الضّادُ رائِدَنا وَنَبْقَى

كَما كُنّا كِرامًا في حِماكِ

فَيْحاء… عفوك

فَيْحاءُ، عَفوَكِ جفَّ الدَّمعُ واحتَرَقَا

قَلْبِي الحَزينُ وذابَ الفكرُ وانْسَحَقَا

لمّا رأيتُكِ يا فيحاءُ باكيةً

والخوفُ ينهشُ منكِ العَظمَ والحَدَقا

لمّا رأيتُكِ يا فيحاءُ خائفةً

والفقرُ عَشَّشَ في الأحياءِ والتَصَقَا

وحولكِ الكُلُّ في صَمتٍ وفي عَمَهٍ

وحالُ أهليكِ حَقًّا يبعثُ الشَّفَقا

جَولاتُ عُنْفٍ فمَا أقْسَى مرارَتَها

كَمْ يَتَّمَتْ وَلَدًا كم وَزّعَتْ حُرَقًا

نَغْفُو ونَصْحُو على قَصْفٍ وقَرْقَعةٍ

وصَوتِ أمٍّ يُذيبُ الصّمَّ والصُعُقا

هذي المآسي ستَبْقى في مُخَيِّلَتي

تُدْمي يَراعَ قصيدي تُرْعِبُ الوَرَقَا

هذي تُلَمْلِمُ أشلاءً مُمَزّقةً

وتنثرُ الدَّمَ فوقَ اللَّحمِ والعَرَقا

وتلكَ تجمعُ أثمالًا مبعثرةً

وتَسكبُ الدَّمعَ سَيْلًا فوقَها غَدَقًا

وذاك شيخٌ على الأنقاضِ مُتَّكِئٌ

يبكي أسًى وبدمعِ الحُزنِ قَد غَرِقا

يُوقع المؤلف ديوانه في معرض الكتاب في طرابلس

(جناح الرابطة الثقافية)

مساء الجمعة في 26/4/2019

الساعة السادسة مساءً

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.