طرابلس لبنان - سياسية مستقلة

التوحد عند الأطفال: عوارض وأسباب… وماذا عن لبنان؟

مرض التوحد هو أحد الأمراض عند الأطفال الأكثر تداولاً إجتماعياً في أيامنا هذه. إنه يُعرف باضطرابات في النمو العصبي عند الطفل ناتجة عن اختلافات في كيفية عمل الدماغ، ويؤثر ذلك على التطور في ثلاثة مجالات أساسية: التواصل (التأخر في اللغة وفهم الجانب الاجتماعي منها)، المهارات الاجتماعية (تأخر وانحراف في النمو الاجتماعي خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات الشخصية) والخيال (عدم المرونة في التفكير والسلوك). ومن الممكن أن يصحب هذا تأخر ذهني أيضاً بدرجات مختلفة. يصاحب التوحد الإنسان منذ ولادته ويظهر بطريقة واضحة قبل بلوغه الثالثة من عمره، وفي الحالات الأكثر استعداداً، يحصل ذلك خلال السنة الأولى.
أما في الحالات الأخرى، فينمو الطفل بطريقة شبه طبيعية ثم يتراجع بين سنتيه الثانية والثالثة حيث يفقد بعض القدرات المكتسبة من قبل مثل استخدامه لبعض الكلمات واهتماماته الاجتماعية.
يصيب التوحد الذكور أربع مرات أكثر من الإناث. ولكن يظهر التوحد بدرجات أقوى عند الإناث ويكون مصحوباً بتأخر ذهني شديد.
عوارض التوحد عند الأطفال
قليلاً ما يتشابه طفلان مصابان بالتوحد مئة في المئة، فالتوحد اضطراب ذو درجات، والعوارض هي نفسها أساساً ولن تظهر عند البعض أكثر من الآخر. وفي مرحلة الطفولة المبكرة يكون التوحد في ذروة شدته فتتبيّن بعض أو جميع السمات التالية في درجات مختلفة:
– قليلاً ما يشير الطفل إلى الأشياء التي يريدها.
– عدم إستجابة الطفل عندما يسمع اسمه.
– لا يركز الطفل بصره على والديه كباقي الأطفال ويتفادى التواصل البصري مع الآخرين.
– لا يصدر أصوات المناغاة.
– لا يلعب الطفل بلعبه كباقي الأطفال، بل يصفّ الألعاب في خط وتكون طريقة لعبه مكررة وفاقدة للخيال.
– يعاني ضعفاً في مهارات التقليد.
– لا يجذب الإنتباه للأشخاص المحيطين به ويبدو وكأنه في عالمه الخاص.
– لا يرفع ذراعيه إلى الأعلى إذا كان يريد ان يُحمل.
– يصعب جعله يوجه بصره إلى شيء أو شخص ومتابعته بنظره.
– التأخر في التطور اللغوي: لا ينطق كلمات عند بلوغه 16 شهراً ولا يستعمل جملاً مكونة من كلمتين على الأقل عند بلوغه 24 شهراً كباقي الأطفال في هذا العمر.
– صعوبة في فهم عواطف الآخرين وعدم الاستجابة لابتسامة الغير.
– صعوبات في النوم.
– استجابات حسيّة غير طبيعية: مثلاً حاسته للألم أو للحرارة ضعيفة، اهتمامات بصرية غريبة مثل التركيز البصري على شيء واحد، أو رفرفة الأصابع أمام الضوء.
– نقص في تعابير الوجه أو في أي نوع من التواصل غير اللفظي.
– نوبات غضب شديدة.
– حركات نمطية متكررة مثل الدوران حول نفسه.
التوحد عند المراهقين
في سن المراهقة تزداد نوبات الصرع عند الأشخاص المصابين بالتوحد وبتحول فرط الحركة الذي كان ظاهراً عند الطفولة إلى نقص في النشاط وقلة حركة في بعض الحالات. بعض الأشخاص في هذه الأعمال يفقدون مهارات لغوية مكتسبة من قبل ولا يسترجعونها مجدداً ويشتد لديهم التوتر مؤدياً إلى ازدياد نوبات الغضب.
التوحد عند الكبار
لإنخراط الأشخاص المصابين بالتوحد بالمجتمع ومدى فعاليتهم دون مساعدة الغير شرطان أساسيان: معدل ذكائهم (IQ) ومدى تطور قدراتهم اللغوية قبل بلوغهم الخمس سنوات، فكلما كان الشخص قادراً على التعبير عن نفسه بشكل أفضل ولديه معدل ذكاء أعلى كلما كان قادراً أكثر أن يكون مستقلاً إجتماعياً ويتخطى عوارض التوحد لديه وان يعمل في وظيفة.
من المهم معرفة أنه مع مرور العمر وعند بلوغ الشخص المصاب بالتوحد عمراً متقدماً يخف انعزاله عن محيطه ولكن يبقى اهتمامه الاجتماعي محدوداً.
التشخيص
تتم ملاحظة عوارض التوحد عند الطفل من قبل الوالدين، المعلمة، أو طبيب الأطفال أولاً، ويحصل ذلك في غالبية الأوقات خلال أول ثلاث سنوات من عمره. عندما يوجد شك بعوارض التوحد أو أي تأخير عند الطفل، من المهم مراجعة الطبيب لإحالة الحالة لمراكز متخصصة بتشخيص هذا النوع من الاضطرابات وفي غاية الأهمية أن يخضع الطفل بهذه الحالة لتخطيط سمع للتأكد من أن هذه العوارض ليست ناتجة عن مجرد ضعف في سمعه.
أسباب التوحد
بينت الدراسات الوراثية ان التوحد هو نتيجة تفاعل عدة جينات، قليلة التأثير بمفردها لكن مع بعضها تؤدي إلى خطر كبير لتطور الاضطرابات.
كما بينت دراسات تخطيط الدماغ أنه لا يوجد خلل يتركّز في منطقة واحدة في دماغ الأطفال المصابين بالتوحد، بل أن غالبية المناطق الدماغية تلعب دوراً في التواصل العصبي بينها وهذا يخرج عن نطاق الطبيعة. ظهر أيضاً أن بعض العوامل البيئية تشارك في وضع الطفل تحت خطر أكبر للتوحد وأهمها: ولادة الطفل قبل أوانه، تعرض الأم للتلوث البيئي خلال الحمل، نقص الفيتامينات لدى الأم وتعرضها للإلتهابات أيضاً خلال الحمل، وولادة صعبة للطفل.
بعكس ما يُتداول عالمياً في أيامنا، أثبتت آخر الدراسات ان لا علاقة للقاحات الأطفال بالتوحد وأنها لا تسبب الاضطرابات لديهم.
وهذه الاثباتات تنطبق خاصة على لقاح الـ MMR الذي يحمي الأطفال من الحصبة، الحصبة الألمانية، والأبو كعب.
العلاج
كلما كان التشخيص مبكراً كلما كان العلاج أسهل وأسرع. يكون العلاج بإعادة تأهيل ألأداء السلوكي للطفل من خلال مراكز متخصصة لذلك في أغلب الأوقات.
كما يتعلم الطفل مهارات التواصل من خلال برامج مصممة خصيصاً لاحتياجاته، مثل الكلام والتفاعل مع الآخرين ومهارات حركية، مثل استعمال يديه بدقة.
وتعلمه هذه البرامج استعمال حواسه بشكل فعال وفهم المعلومات المكتسبة من خلالها لتنمية قدرته على التواصل مع محيطه.
تُدمج في هذه البرامج أهداف أكاديمية عندما تكون لدى الطفل قدرات ذهنية جيدة.
يحتاج الطفل لدواء في حالة التوحد للسيطرة على فرط الحركة، وقلة الإنتباه والتوتر فيعطى مضادات للإكتئاب. ومن المهم التوضيح أن الأدوية لا تخفف من العوارض الأساسية للتوحد.
لبنان
نسمع في السنوات الأخيرة عن زيادة حالات التوحد في لبنان، ونتسائل إنه كان بالفعل هذا الإضطراب يزداد انتشاراً. الحقيقة هي أن عدا عن تعرضنا للعوامل التي تساهم في ولادة طفل مصاب بالتوحد أكثر وأكثر، يزداد الوعي حول هذا المرض والقدرة على تشخيصه. فالحالات التي سُجّلت في الماضي هي نسبة من الحالات الأخرى التي لم يتم تشخيصها بسبب قلة المعرفة بالتوحد وعوارضه.
وفقاً لدراسة أجريت على صعيد لبنان للحصول على احصائيات رسمية لحالات التوحد، سجلت 148 حالة من كل 10000 مولود. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسة بعض العوامل التي تزيد من خطر التوحد في لبنان وأهمها: مشكلات خلال الولادة، عدم تكملة الأم شهادتها الجامعية، وإصابة أحد أفراد العائلة بأمراضٍ نفسية وصلة القرابة بين الوالدين، ما يؤكّد مجدداً على التأثير الوراثي في التوحد.
أما العوامل التي تبين في هذه الدراسة أنها تلعب دوراً في حماية الطفل من التوحد فهي ان يكون أول أو ثاني مولود، وان يكون حملها مريحاً وخالياً من التوتر.
أخيراً، يمكن القول إن اضطراب التوحد يستهدف قدرة الشخص على تفاعله مع محيطه. لكن التوحد ليس بالضرورة حاجزاً يعيق النجاح. فعندما نؤمن لأصحاب الاحتياجات الخاصة البرامج التربوية الصحيحة المركزة على نقاط قوتهم، وبيئة منزلية صحية وإيجابية، ومجتمعاً داعماً ومتقبلاً للغير، يصبحون قادرين أن يكونوا أعضاء فاعلين وناجحين في المجتمع.

دانا بيسار – أخصائية نفسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.